دمشق – «القدس العربي» : ترسخ موسكو وجودها في منطقة شرق الفرات، ويدفعها في ذلك جملة من الأسباب، بعضها سياسي يرتبط بتفاهمات مع واشنطن، بقبول من الجانب التركي لجهة ضمان أمن المنطقة الحدودية، والبعض الآخر متصل بأهمية المنطقة التي تعتبر «سوريا المفيدة» إذ أنها تحتضن القسم الأكبر من الثروات النفطية والزراعية والمائية، فضلاً عن موقعها في المثلث الحدودي ما بين سوريا والعراق وتركيا، وأهميتها الاقتصادية، لاسيما في إمكانية عبور شبكات أنابيب النفط والغاز مستقبلاً عبرها.
حساسية البقعة الواقعة في أقصى الشمال الشرقي من سوريا، دفع بموسكو لتكثيف محاولاتها في سبيل تثبيت نفوذها في المنطقة التي تشهد تحركات عسكرية، من الأطراف كافة لتثبيت خارطة سيطرة لا تبدو قريبة.
سياق بناء النفوذ الروسي
الحضور الروسي شرقي الفرات يتسم وفق وصف الباحث السياسي عرابي عبد الحي عرابي بالبحث عن الفرص، حيث تنتهج السياسة الروسية عقد الصفقات مع الأطراف المختلفة الفاعلة في الأزمة السورية، كالولايات المتحدة، وإيران، وتركيا، التي تسعى كل دولةٍ من هذه الدول لنفوذ ثابت داخل الأراضي السورية، ومن ثمّ كانت روسيا المبادرة لعقد اتفاق مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لنزع الأسلحة الكيميائية في سوريا مقابل التراجع عن ضرب النظام عام 2013، كما قامت بالاتفاق مع إيران وتركيا لإنشاء مسار أستانة، واستغلال اتفاق خفض التصعيد للسيطرة على معظم المساحة السورية الخارجة عن سيطرة النظام، واستغلت روسيا كذلك العمليات التركية شرقي الفرات لمدّ نفوذها للمنطقة واستغلال الانسحاب الأمريكي منها. وأعرب عرابي في حديث مع «القدس العربي» عن اعتقاده بأن روسيا تحركت شرقي الفرات للوصول إلى تحجيم النفوذين الإيراني والأمريكي في المنطقة، وقد سلكت لتحقيق ذلك عدّة آليّات، أبرزها: استقطاب العشائر العربية لصالح تجنيد أبنائها مع ميليشيا الدفاع الوطني التي تشرف عليها روسيا.
إرسال إشارات مختلفة لإيران – كتسيير دوريات في مناطق نفوذها، أو اعتقال قيادات عسكرية تابعة لها – تؤكّد سعي روسيا لتحجيم نفوذها.
رعاية روسيا لاتفاقية بين مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) وحزب الإرادة الشعبية الذي يرأسه قدري جميل في 31 أغسطس/ آب 2020.
باحث سياسي لـ «القدس العربي»: هدف موسكو تحجيم النفوذين الإيراني والأمريكي
كانت الخطوة الأخيرة آخر الإشارات التي توضّح استراتيجية روسيا للتغلغل شرقي الفرات، حيث تشير بنود الاتفاقية إلى مراعاة روسيا لهواجس الأكراد في المنطقة، ومن ثمّ تمحورت أبرز بنود الاتفاقية حول كون “سوريا الجديدة، هي سوريا موحّدة أرضاً وشعباً، وهي دولة ديمقراطية تحقق المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية» وأن «الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الأزمة السورية». والمطالبة بـ»حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية» مع الإبقاء على «الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا»، وتطوير التجربة على المستوى الوطني العام، ودمج «قسد” ضمن «الجيش السوري» على أساس صيغ وآليات سيتم التوافق عليها، وإشراك «مسد» في العملية السياسية بكافة تفاصيلها وعلى رأسها اللجنة الدستورية السورية.
وتطرق المتحدث إلى استغلال روسيا معركة «نبع السلام» التركية في حزيران/ يوليو 2019 للتقدّم نحو مناطق متفرقة من شرقي الفرات، مستثمرة انسحاب القوات الأمريكية من مدن عدة كمنبج وعين العرب وصرّين غربي الفرات، كما عززت مواقعها في القامشلي وحاولت تأسيس قاعدة عسكرية لطائراتها المروحية في القامشلي بالتوازي مع توسيع حضورها في مطار الطبقة العسكري إضافة لتوسيع نفوذها غربي محافظة دير الزور في مواجهة النفوذ الإيراني المترسّخ في المنطقة. كما تحدث عن محاولة روسية للضغط على قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، حيث قال «نرى إلى جانب السعي السياسي محاولة لتضييق الخناق على الحضور العسكري لقسد في مناطق دير الزور، وذلك من خلال سعي روسيا عبر ميليشيا الدفاع الوطني لتأسيس «جيش العشائر العربية» بهدف تحدّي الهيمنة الإيرانية وحضور قسد في المنطقة».
المآلات
وعلى الرغم من أن قسد والنظام استغلّا بعضيهما طوال سنوات الحراب، إلا أن موقف النظام غير المعلَن يؤكد سعيه لعدم منح الأكراد شيئًا كبيرًا من مطالبهم الجوهرية، ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2019 وافق النظام على صفقة رعتها روسيا في قاعدة حميميم مع “مسد” تضمنت تمثيل «قسد» و«مسد» في محادثات اللجنة الدستورية، كما أن وفد النظام لم يقبل إلى الآن بالحديث عن حقوق الأكراد في محادثات اللجنة الدستورية.
بالتوازي، يصرّ النظام على دمج قوات سوريا الديمقراطية في قوات «الجيش السوري» وإنزال أعلامهم ورفع العلم السوري، وإشراف الجيش على عملية الدمج والتوزيع وتسليم الأسلحة، وهو ما ترفضه قسد، مما يؤكد أن أزمة الثقة متجذرة بين الطرفين، خاصة مع إصرار النظام على رفض الحكم الذاتي للأكراد، ورفض الأكراد المضيّ في أي اتفاق قبل النص على قانونية «الإدارة الذاتية» التي أقاموها.
وحول مآلات المساعي الروسية لتحقيق التغلغل، رأى المتحدث أن روسيا عملت في السياق ذاته “على نقل اتفاق موسكو للنظام عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف في زيارته الأخيرة، وكانت الرسائل الموجهة حينها بوجوب التحاور مع قسد وإيقاف نار الحرب ضد تركيا، ومنح روسيا سيطرة إضافية على الاقتصاد السوري، وتحجيم نفوذ إيران في سوريا» وأضاف «إلا أنه من المرجّح ألا تتحقق أغلب هذه المطالب، خاصة تجاه تحجيم النفوذ الإيراني وقضية التحاور مع قسد». ويمكن بناء سيناريوهات عدة لمآلات الوجود الروسي في المنطقة، على رأسها السعي نحو التهدئة
حيث لا تملك الولايات المتحدة حالياً، الإرادة السياسية للقيام بالمواجهة مع روسيا، كما أن روسيا ذاتها – رغم تحرشها بالقوات الأمريكية – ليست بوارد فتح جبهةٍ عسكريّة ضدها قد تكون من انعكاساتها فقدُ مكاسبها في سوريا، خاصة في مناطق شمال غربي سوريا، ونفوذها في البحر المتوسط عبر قواعدها العسكرية.
والحذر المتبادَل، حيث «تستمر» أنشطة روسيا بالتصاعد في المنطقة بالتوازي مع مساعي الولايات المتحدة لضمان مكاسبها ودمج الفرقاء الأكراد ضمن هيكلية جديدة شمال شرقي سوريا، والعمل على إرضاء تركيا ودفعها لعدم شنّ هجوم جديدٍ في المنطقة». وتأتي محافظة الحسكة في المرتبة الثالثة بين المحافظات السورية لجهة المساحة، وتفرض واشنطن سيطرتها عليها عبر حلفائها المحليين «قوات سوريا الديمقراطية» فيما تنافس موسكو من أجل تثبيت أقدامها هناك كأي احتلال مباشر ضمن تواطؤ من النظام السوري الذي لا يعلو دوره عن واجهة لقوتين كبيرتين على الأرض.