أسبوع الفيفا: اختبار أخير للعاجز لوف… وتقييم جديد لانتفاضتي هولندا وإنكلترا

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: بدأ عالم كرة القدم، يلمس التغير الواضح في خريطة القوى العالمية على مستوى المنتخبات، ليس فقط للتقارب غير المسبوق في مستوى وعقلية اللاعبين بفضل الاحتراف، بل أيضا لظهور قوى مُرعبة جديدة على الساحة، وعودة قوى أخرى بعد سنوات من الاختفاء والعيش على أطلال الماضي. في المقابل، تراجعت بلدان عريقة إلى الوراء بسرعة الصاروخ، وبصورة صادمة لكل من كان ينظر وما زال ينظر إليها على أنها “مدارس وقوى عظمى” في اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم، والإشارة إلى اثنين من أكثر المنتخبات شهرة على هذا الكوكب ألمانيا وإيطاليا.

بيدي لا بيد عمرو يا لوف
بالعودة للذاكرة 12 عاما للوراء، سنتذكر بدايات لوف مع الألمان، فقبل تسلمه القيادة الفنية، ساعد المدرب السابق يورغن كلينسمان في بناء الجيل الذي قاتل على لقبي كأس القارات وكأس العالم عامي 2005 و2006، ووصل بنفسه بهذا الجيل لقمة النجاح بقيادته لنهائي “يورو 2008″، ولولا سوء طالعه والتفوق الطفيف لمواهب “لا روخا” الفذة، لربح الكأس الأغلى في القارة العجوز، مع ذلك لم يبك على اللبن المسكوب، بعمل ثورة لتجديد دماء المنتخب الأول، بعناصر من شباب اليورو قبل كأس العالم، مثل مسعود أوزيل وتوني كروس ومانويل نوير وسامي خضيرة وبقية أسماء هذا الجيل، الذي كان له دور في وصول الماكينات لنصف نهائي مونديال جنوب أفريقيا بصورة وأداء ونتائج، أقل ما يُقال عنها تليق باسم وسمعة الألمان، وجنى ثمار هذا المشروع، بعد تّحول هؤلاء من مُجرد شباب لوحوش كاسرة في البرازيل عام 2014، هنا توقف الزمن عند يواكيم لوف. صحيح نجحت مغامرته بالمنتخب الثاني في كأس القارات 2017، ذاك المنتخب الذي كان يَحمل شارة قيادته لاعب وسط باريس سان جيرمان جوليان دراكسلر، لكنه لم يستكمل المشروع، وعاد للاعتماد على الجيل المُشبع والمُكتفي بعد مونديال “الماركانا”، فكانت المُحصلة الصورة الباهتة التي يظهر عليها المنتخب حتى كأس العالم الأخيرة، والحل؟ في العنوان الفرعي، عليه إنقاذ نفسه بنفسه، بالاعتماد على المواهب التي تستحق الدفاع عن ألوان المنتخب، وتفادي تكرار هفوات الماضي القريب العجيبة، مثل قرار دفعه بمانويل نوير في حراسة المرمى في روسيا بعد عام كامل قضاه في صراعه مع إصابته، على حساب حارس في أفضل مستوياته على الإطلاق كتير شتيغن.
لا شك أن لوف سطّر اسمه في تاريخ المنتخب الألماني، يكفي أنه في عطلة أكتوبر/ تشرين الأول، أضحى أكثر مدرب قاد المنتخب من حيث عدد المباريات في التاريخ، وقبل أي شيء، ترك بصمة لن تُمحى من الذاكرة، لكنه الآن يواجه خطر فقدان منصبه بشكل حقيقي، رغم أنه يتعمد دائما إظهار العكس في كل حواراته الصحافية، ولو ألقى نظرة سطحية على نتائج منتخبه هذا العام، سيجد أنه تجرع من كأس الهزيمة 6 مرات، آخرها السقوط أمام فرنسا في قلب ملعب “دو فرانس” في الجولة الرابعة للبطولة المُستحدثة دوري الأمم الأوروبية، كأسوأ سجل هزائم في عام ميلادي في تاريخ ألمانيا! هذا لم يأت من قبيل الصدفة، بل نتيجة تخبط لوف في اختياراته، بجانب ثقته المُفرطة في رجال مونديال البرازيل، على حساب المواهب الصاعدة. ومن يُتابع الإعلام الألماني، يُلاحظ تزايد ارتفاع الأصوات المُطالبة بتغيير نمط منتخب نوير ومولر وبواتينغ، أي توجيه الاستدعاء لوجوه أخرى مُتعطشة للحصول على ربع فرصة لتصحيح الصورة السيئة التي أُخذت عن منتخبهم في عام 2018، وهذا الرأي الأقرب للصواب، حتى لو فشلت تجربة الوجوه الجديدة في فرصته الأخيرة، على الأقل لن تكون أسوأ من فشله في عامه الحالي من المُخيبين. لك أن تتخيل، لغة الأرقام تقول أن منتخب ألمانيا الذي يخشاه الكبير قبل الصغير في كل بقاع الأرض، لم يعرف الفوز في 4 مباريات متتالية للمرة الأولى منذ 20 عاما، والأسوأ على الإطلاق، أنه حافظ على نظافة الشباك مرة واحدة في إحدى عشرة مباراة هذا العام. إحصائية لم يعهدها الألمان منذ منتصف الستينات، وبالتحديد في 1964. باختصار، هذا أسوأ نسخة للناسيونال مانشافت في العصر الحديث، فهل سيحفظ لوف ماء وجهه ووجه منتخبه في آخر عطلة دولية في 2018؟ أم ستكون ختاما لأسوأ عام على ألمانيا في التاريخ؟ عام الخروج من المونديال من الدور الأول للمرة الأولى منذ قبل الحرب العالمية الثانية! الأمر متروك للمدرب المُحتفظ بمنصبه على مدار 12 عاما، إما يُكرر تجربته السابقة بتجديد الدماء ومن ثم يعبر المحنة… أو يتَحمل كل مُنتقد يَصفه بالمُفلس… عموما في نهاية العطلة، بعد قمة الاثنين ضد هولندا في بطولة دوري الأمم، ستوضح أشياء كثيرة بشأن مستقبله في المرحلة المقبلة.

فقر المواهب في جنة كرة القدم!

صدق أو لا تُصدق. وطن الأنيق روبيرتو باجيو، ورموز التسعينات من نوعية الملكين فرانشيسكو توتي وأليساندرو ديل بييرو، ناهيك عن أباطرة الدفاع أمثال باولو مالديني وأليساندرو نيستا وفابيو كانافارو والبقية. هذا البلد، بات من أفقر بلاد أوروبا من حيث المواهب، ولنبدأ بحراسة المرمى، متمثلة في حارس ميلان جانلويجي دوناروما، الذي شاب قبل أوانه، من إفراط الإعلام في وضعه في مقارنة مع الحارس الأسطوري بوفون، وعلى صعيد الدفاع، ما زالت إيطاليا تبحث عن بدائل على نفس مستوى الثنائي الثلاثيني المُخضرم جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي، والوحيد الذي يملك مقومات لخلافة أحدهما هو أليسيو رومانيولي، لكنه في الوقت ذاته، أبرز ضحايا قلبي دفاع اليوفي، بدليل أنه بعمر الـ23 عاما لم يظهر بالقميص الأزرق سوى في 8 مواجهات دولية فقط، والسبب؟ قلبا الدفاع لا يتغيران تقريبا على مدار السنوات الخمس أو الستة الماضية، وكان ثالثهم بارزالي قبل اعتزاله، اضافة إلى موضة اعتماد الفرق والمدربين الطليان على مدافعين أجانب “جاهزين” كرويا، على حساب الشباب الإيطالي الصغير.
والأمر ذاته ينطبق على لاعبي الهجوم باختفاء رؤوس الحربة المحليين في الأندية الكبرى، وربما يعتبر خط الوسط أفضل المراكز، لوجود موهوب بلمسة سحرية مثل ماركو فيراتي وشريك نغولو كانتي في تشلسي جورجينيو، لكن الهجوم، بات صداع في رأس إيطاليا بأكملها، ولاحظنا الضعف الهجومي الشديد في آخر مباراتين أمام البرتغال وبولندا. صحيح فاز الآزوري في اللقاء الثاني بشق الأنفس، لكنه “مُكبل الأيدي” هجوميا، في ظل اعتماد روبيرتو مانشيني على مهاجمين مثل لورينزو انسيني والثنائي فيدريكو كييزا وبيرنارديسكي، وكان تشيرو ايموبيلي جالسا على مقاعد البدلاء. هل لاحظت شيئاً؟ المهاجمون الثلاثة خلاقون خارج الصندوق، لا أحد منهم مهاجم رقم 9، بعدما استبعد بالوتيلي وبيلوتي وكوتروني للمرة الثانية على التوالي، لذلك، يبدو للمشاهد، وكأن نسخة إيطاليا مانشيني تفعل المستحيل لهز الشباك، وأن الهدف يأتي بمنتهى الصعوبة، لغياب عملة المهاجم الهداف القادر على التسجيل من ربع فرصة، كما تتطلب إستراتيجيتهم “الكتاناتشيو”، بضرورة وجود مهاجم جزار لا يرحم أمام الشباك كباولو روسي وسكيلاتشي وفييري والمجنون لوكا توني.
الآن لو نظر المتابع البسيط للقائمة المُستدعاة لمواجهة البرتغال، أقل شيء سيشعر به أنه يسمع نصف هذه الأسماء للمرة الأولى، ربما تكون أسماء مثل غريفو وستيفانو سينسي وتونالي وآخرين مثلهم، قد يصبحون نجوم المستقبل، لكن واقعيا، ما زالوا يحتاجون الى فترة ليست قصيرة، لاكتساب ما يكفي من الخبرة الدولية قبل النضوج والتطور الفني، للوصول للمستوى الذي يُعيد إيطاليا إلى القمة في وقت قياسي، هذا في الوقت، الذي تنتظر فيه الجماهير على أحر من الجمر، عودة الأمور إلى نصابها الصحيح، بعد الهزة العنيفة التي ضربتهم، بالفشل في التأهل لكأس العالم للمرة الأولى منذ عقود طويلة، وأيا كانت نتيجة مباراة البرتغال التي تُلعب وقت كتابة هذه المادة، فالواقع يقول أن مهمة مانشيني مع منتخب بلاده ليست سهلة على الإطلاق، كما يقول المثل المصري مطلوب منه “يعمل من الفسيخ شربات”، وتحقيق الانتصارات وإعادة الصورة المُرعبة التي يعرفها العالم عن أسياد الدفاع، بأسماء وجودة لا تُقارن مع جُل الأجيال السابقة. معادلة صعبة، لكن دعونا نتفق، أن مدرب السيتي والإنتر السابق، لم يدخل بعد مرحلة الخوف على مستقبله، إلى الآن يُمكن اعتباره في مرحلة التعارف على اللاعبين وبناء المشروع المطلوب ظهوره بصورة مُشرفة في “يورو 2020″، كأقل هدف مُمكن ومقبول بعد ورطة مونديال روسيا، وأمامه نموذج يُحتذى به للخروج بالطليان من النفق المُظلم.

كومان والطواحين
بعيدا عن مباراة الجمعة، فما فعله رونالد كومان مع الطواحين الهولندية، أقال ما يُقال عنه، أنه نموذج يُحتذى به لمانشيني، أسطورة وسط ودفاع هولندا في الثمانينات والتسعينات، استفاد من خبرته في عمل مشروعين من قبل مع ساوثهامبتون وإيفرتون. صحيح أن نجاحه كان أكثر مع القديسين، لكنه بوجه عام، خرج من بلاد الضباب، بخبرة لا بأس بها، ساعدته على وضع الأساس لبناء منتخب قادر على إعادة الصورة المعروفة عن المنتخب البرتقالي، الذي صّدر للعالم الكرة الشاملة. نُلاحظ ظهور بصمة في شخصية المنتخب وثبات اللاعبين على أرض الملعب، ومن حُسن حظه، أنه بالكاد يملك واحدا من أفضل 3 مدافعين في العالم في الوقت الحالي، كفان دايك، يُعطي أفضل ما لديه سواء لفريقه ليفربول او المنتخب، وتظهر البصمة أكثر على أداء ممفيس ديباي، الذي حّوله من لاعب منبوذ وفردي، إلى الساحر الذي قهر ألمانيا في مباراة الثلاثية، مُحققا أول فوز على الجارة ألمانيا منذ 16 عاما، وبوجه عام، يُحسب له، نجاحه في انتشال هولندا من براثن الضياع، بعد سلسلة التجارب الفاشلة في 8 سنوات عموما وآخر 4 سنوات بالتحديد، منذ رحيل لويس فان خال بعد كأس العالم 2014. خلال هذه الفترة تعاقب على تدريب المنتخب الثلاثي المُخضرم غوس هيدينك وداني بليند ودك أدفوكات، ولم يستطع  أحد فك الشفرة بعد فان خال، إلى أن جاء كومان ليُعيد ولو قليلاً من شخصية وهيبة هولندا، التي اختفت تماما عن الأضواء في آخر تجمعين عالميين “يورو 2016” ومونديال 2018، ونجاح كومان في تفادي الهبوط للمرحلة الثانية في دوري الأمم، سيكون في حد ذاته، أشبه بالإنجاز، مقارنة بالتوقعات قبل أشهر قليلة، حيث كانت الترشيحات تصب أكثر في مصلحة ألمانيا وفرنسا، لكن على أرض الواقع، ظهر منتخب الأراضي المنخفضة ندا وخصما عنيدا لا يُستهان به، وهو أعاد الاطمئنان لمشجعي هذا المُنتخب، بعدما كانوا قاب قوسين أو أدنى من الوصول لمرحلة اليأس والإحباط من عودة الكرة الشاملة مرة أخرى.

جني الثمار
في مستوى أعلى من هولندا، تعيش إنكلترا شهر عسل حقيقيا مع المدرب غاريث ساوثغيت، بعمله الرائع على مشروع مستقبلي كما يقول، بالوصول لتوليفة سحرية قوامها الرئيسي من شباب لا تزيد أعمارهم على 25 عاما، وبخبرات لاعبين في منتصف الثلاثينات، بُحكم اللعب في أعلى مستوى تنافسي في دوري مثل البريميرليغ، والمُثلج لصدور مشجعي الأسود الثلاثة، أن المواهب غير مقتصرة على رحيم ستيرلينغ وديلي آلي وهاري كاين، فهناك منافسة قادمة حتما من أبطال العالم الشباب والناشئين، الذين يستدعيهم ساوثغيت من وقت لآخر، بجانب المتوهجين في سن النضوج، مثل المنضم حديثا للمرة الأولى كالوم ويلسون، كمكافأة على تألقه اللافت مع فريقه بورنموث، بتسجيل 6 أهداف. هذا في حد ذاته، يُصدر إحساس العدل لكل اللاعبين الإنكليز بدون استثناء، ما أسفر عن انفجار هذا الكم الهائل من المواهب بشكل غير مسبوق ولا معهود على البلد المؤسس للعبة. وفي الوقت ذاته، يُظهر مدى أهمية التخطيط الصحيح والسليم، الذي تعمل عليه إنكلترا منذ فترة، لاستنساخ تجارب مشابهة لفرنسا وبلجيكا وألمانيا، بالاستفادة من مواهب الجيل الثاني، الذي لا يعرف أي شيء عن بلاد أهله، بل يعرف فقط البلد الأوروبي الجميل الذي وُلد وترعرع فيه، وكانت بشائر الخير على الإنكليز، بالحملة المُميزة في كأس العالم، والمواصلة بنفس الأداء أمام إسبانيا وكرواتيا في أول 3 مباريات في البطولة الأوروبية الجديدة، خاصة مباراة رد الاعتبار وهزيمة “ويمبلي” أمام “لا روخا” الاسباني في عقر دارهم، أثبتت بشكل لا يدع أي مجال للشك أن ساوثغيت يسير على الطريق الصحيح، ويتبقى له اختبار وصيف بطل العالم الصعب اليوم، ويحتاج الاستمرار على نفس المنوال، بالحفاظ على نسق اللعب الهجومي السريع المباغت للمنافسين، وإذا سارت الأمور كما يُخطط ساوثغيت، قريبا سينتقل منتخبه مرحلة ومستوى آخر، اي ينتقل تقريبا الى مستوى الصفوة بشكل حقيقي ومُطمئن للمستقبل، مثل فرنسا وإسبانيا وبقية المنتخبات التي نجحت بالتخطيط السليم منذ نعومة أظافر المواهب الخام، وهذا ينتظره أعرق اتحاد في العالم… الوصول لمرحلة جني ثمار التخطيط الهائل في السنوات الماضية. والسؤال الآن: هل سيستمر هذا التغيير إلى أن تنقلب موازين القوى تماما في السنوات المقبلة؟ دعونا ننتظر، ونترككم في أسبوع استرخاء الفيفا قبل عودة النشاط المحلي وجولات الحسم في دوري أبطال أوروبا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية