دمشق – «القدس العربي»: مضى الأسبوع الأول من اتفاق وقف إطلاق النار في محافظة إدلب شمال غربي سوريا، بحالة من الحذر التي شابتها بعض التجاوزات من قبل النظام السوري والميليشيات الموالية له، في حين غاب هدير الطائرات الحربية وأصوات المدافع، وسط آمال تركية – روسية بتحول الاتفاق من مؤقت إلى دائم، رغم أن تصريح الجانبين تشير إلى مخاوف كبرى من انهياره عند أول اختبار حقيقي.
محلياً، السوريون تائهون بين ساحات الحرب وآمال السلام، ويبدو أن الحشود العسكرية للنظام السوري وإيران على تخوم إدلب جعلت من أحلام عودتهم إلى منازلهم التي هجروها بسبب الحملة العسكرية من الأمور الشاقة في الوقت الراهن، خاصة مع تهديدات دمشق المتكررة باستعادة كامل مساحة إدلب، وتهديدات تركيا بالرد على أي خروفات.
المفاوضات التركية – الروسية حول مستقبل إدلب وآلية وقف إطلاق النار، والتي كانت إحدى جوالاتها مساء يوم الخميس، بين الوفود في العاصمة التركية – أنقرة، تبدو شاقة، وسط تصريحات رسمية حول جولة أخرى من المباحثات ستجري اليوم الجمعة، في حين تستمر إيران والنظام السوري بحشد المزيد من القوات البرية على تخوم محافظة إدلب.
المؤشرات الأولية تشير إلى دخول الاحتمالات العسكرية والاقتصادية كافة حيز التنفيذ في الأسبوع الثاني من الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار، في حين يبدو تأمين الطرق الدولية السمة الحاضرة على صعيد التطورات مع إزالة السواتر الترابية والأنقاض. في قتٍ أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان عن رصده تقدماً لقوات النظام والمسلحين الموالين لها في ريف إدلب الجنوبي، حيث تمكنت من السيطرة وتثبيت نقاط في كامل مناطق معارة موخص والبريج في محيط كفرنبل بدون قتال مع الفصائل، وهي مواقع كانت قد تقدمت إلى المناطق آنفة الذكر في 7 آذار/مارس الشهر الجاري لتنسحب قوات النظام عقب قصف مكثف نفذته فصائل المعارضة السورية.
وأفاد الكرملين يوم الخميس بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحث هاتفياً مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال قمتهما في موسكو مؤخرًا، حيث أعرب الرئيسان عن ارتياحهما تجاه «التخفيض الملحوظ لمستوى التوتر في منطقة إدلب».
في حين اعتبرت روسيا على لسان المتحدثة باسم الخارجية «ماريا زاخاروفا»، أن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت المبرم مع تركيا حول إدلب الخميس الماضي لا يزال صامداً معربة عن أملها في تحويله إلى وقف دائم،
وأضافت: «في الآونة الأخيرة تم التغلب على تصاعُد خطير للتوتر في منطقة إدلب، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال اجتماع رئيسَيْ روسيا وتركيا في 5 آذار/ مارس الجاري».
أما على الصعيد التركي، فعادت أنقرة إلى لغة للتأكيد على مواقفها السابقة بمحاسبة الجهات التي تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار وتستهدف قواتها في الشمال السوري، واعتبر وزير الدفاع «خلوصي أكار»، أن وقف إطلاق النار في إدلب مؤقت وأنه سيتحول إلى دائم في حال نجحت جهود بلاده مع روسيا في تنفيذ المقررات على اﻷرض. وقال أكار: «أنجزنا تفاهمات مهمة مع الوفد العسكري الروسي بخصوص إدلب»، وأضاف أن قوات بلاده ستستأنف عملياتها العسكرية من حيث توقفت في حال فشلت هدنة وقف اطلاق النار في إدلب، مؤكدا على أن تواجد قوات بلاده في إدلب دون إجراء أي تغييرات وأن الانسحاب غير وارد.
إذاً هي رسائل الحرب والسلام في آن، في حين يرى السياسي السوري درويش خليفة، أنه بعد مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان التركي والروسي في موسكو في الخامس من آذار، والتي كانت بنودها غامضة للسوريين بسبب اضطراب العلاقات الروسية – التركية في إدلب على وجه الخصوص، حيث ترك رئيسا البلدين التفاصيل للفرق الفنية العسكرية والأمنية. وقال «خليفة» لـ «القدس العربي»: من الواضح أن مذكرة التفاهم هي استمرار لاستراتيجية القضم التي يتبعها النظام وحلفاؤه الروس «خطوة بخطوة»، وفي حال تم فتح طريق سراقب – اللاذقية والذي يبلغ طوله 98 كلم يكون النظام ماضياً في قضمه للأراضي، إذ أن مستشارة الأسد «بثينة شعبان» فسرت بند فتح الطريق الدولي «أم 4» بأنه يشمل تسليم المعارضة لمنطقتي أريحا وجسر الشغور المحاذيتين لمناطق الموالاة في الساحل السوري. وحتى اللحظة، يوجد التزام بالتهدئة العسكرية مع بعض الخروقات التي لا بد منها والنظام وحلفاؤه طرف فيها، عدا عن وجود مؤشرات تدل على أن الميليشيات الطائفية الموالية للنظام تستعد لمعركة في ما تبقى من إدلب ضاربين عرض الحائط بمذكرة موسكو بين بوتين واردوغان. وأضاف السياسي السوري، «مازال كثير من السوريين ينتظرون إخراج المذكرة بشكلها النهائي لنرى ما ستؤول إليه الأمور، ففي حال دخول قوات روسية جنوب الطريق الدولي إم 4 ستة كيلومترات ستعود هذه المناطق لسيطرة النظام وبالتالي حصار الخاصرة الشرقية الجنوبية لمدينة إدلب. وأيضاً سيطرة النظام السوري وداعميه على المناطق التي ما بعد ال 6 كلم جنوب الطريق تعني خسارة المعارضة في هذه العملية ما يقارب الـ 600 كلم مربع، وهذا ما يقلل من فرص عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم وبالتالي تبقى الأزمة الإنسانية قائمة على الحدود التركية وتبقى فرص انتشار الأوبئة في هذه البقعة الجغرافية ذات الكثافة السكانية تحدياً كبيراً للضامن التركي. واستنكرت الأمم المتحدة عبر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة «ستيفان دوجاريك» بأشد العبارات الهجمات التي تطال المنشآت الطبية والخاصة بالرعاية في سوريا، وأوضح المتحدث الأممي، أن «منظمة الصحة العالمية وثقت ما مجموعه 494 اعتداء على عمال ومنشآت الرعاية الصحية في سوريا بين 2016 و2019، منها أكثر من الثلثين، أي 337 اعتداء، تم تسجيلها في شمال غربي سوريا بإدلب وريف حلب وحماه واللاذقية المحرر».