أستاذ الموارد المائية الدكتور عباس شراقي: الدعم العربي لمصر والسودان في قضية سد النهضة اقتصر على البيانات والتصريحات

حاوره: تامر هنداوي
حجم الخط
2

أعلن رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد قبل أيام انتهاء الملء الرابع لخزان سد النهضة، في وقت تستعد مصر والسودان وأثيوبيا لجولة مفاوضات جديدة هذا الشهر في أديس أبابا، بعد أن انتهت الجولة التي استضافتها القاهرة الشهر الماضي من دون أي تقدم ملموس.
أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي، لا يبدي تفاؤلا بجولة المفاوضات المرتقبة، معتبرا أن عدم التحضير الجيد وغياب الطرف الدولي الذي يمكنه أن يمثل مرجعية بين الأطراف المفاوضة، يجعل نتائج الجولة الجديدة لن تختلف كثيرا عن سلسلة الجولات التي عقدتها الدول الثلاث على مدار العقد الماضي.
يتحدث شراقي عن غياب الدعم العربي، وقال في حواره مع «القدس العربي» إن الدعم العربي جاء أقل من المأمول، واقتصر على البيانات والتصريحات، في وقت كان يمكن لدول عربية مثل السعودية والإمارات تمتلك استثمارات وعلاقات في أديس أبابا أن تلعب دور الوسيط.
وحذر شراقي مجددا من احتمالية انهيار السد، مؤكدا أنه يقع في منطقة نشاط زلزالي وجبال بركانية.
وهنا نص الحوار.
○ أعلنت أثيوبيا إنتهاء عملية الملء الرابع، فهل أكملت تخزين المياه في بحيرة سد النهضة أم ستستمر في العام المقبل؟
• تصميم السد أن يكون ارتفاعه 145 مترا، وسعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، حاليا هو وصل لارتفاع 125 مترا، يكون متبقي 20 مترا، وحتى الآن وصل حجم تخزين المياه إلى 41 مليار متر مكعب، إذا المتبقي رفع السد 20 مترا وتخزين 33 مليار متر مكعب من المياه، ونحن سمعنا تصريح رئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد يهنئ الشعب الأثيوبي بانتهاء التخزين الرابع والأخير. هذه الكلمة تحتاج إلى تفسير، فهل اكتفت أثيوبيا بتخزين 41 مليار متر مكعب وليست لدينا معلومة؟ ولم يكن المفاوض المصري يطلب خفض حجم المياه التي سيجري تخزينها في بحيرة السد رغم أنه طلب عادل ورئيسي ومن المفترض أن يتصدر المطالب المصرية السودانية، لكن أمام التعنت الأثيوبي لم تطلب مصر مثل هذا الأمر، ولو اكتفت أثيوبيا فعلا بهذه الكمية من المياه، ستكون قدمت حلولا لنصف الأزمات التي سيجري التفاوض عليها، لكني أشك في ذلك، وأعتقد أن الحديث عن أن هذا الملء هو الأخير، يعود لخطأ في الترجمة من اللغة الأمهرية، لأن أبي أحمد طالب في نهاية تهنئته للشعب الأثيوبي أن يظل في مساندة الحكومة من أجل إتمام بناء سد النهضة.
○ ماذا تبقى لجولة المفاوضات المرتقبة في أثيوبيا لبحثه؟
• الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، لأن الملء لا يقتصر على السنوات الحالية، فحتى لو أعلنت أثيوبيا الاكتفاء بتخزين 41 مليار متر مكعب، ستبدأ في الشهور المقبلة تشغيل توربينات السد، وهذا يتطلب تفريغ مياه من السد، قد تصل إلى 20 مليار متر مكعب ثم تعيد ملء الخزان مع موسم الأمطار الجديد، وهكذا فالأمر سيتكرر كل عام، وبالتالي لابد من الاتفاق على عملية التشغيل، من أجل ضمان المياه التي ستمرر كل عام، خاصة في سنوات الجفاف، لذا يجب أن يكون هناك تنسيق في جميع السنوات، وما يحدث الآن يسمى مراحل الملء الأول، وهذا معناه عندما يصل السد للتخزين النهائي يكون السؤال، كم عدد السنوات التي استغرقها الملء الأول؟ لذا أفضل إطلاق اسم عملية التخزين وليس الملء، ثم تأتي مرحلة الملء المتكرر.
○ ما توقعاتك لجولة المفاوضات الجديدة التي ستعقد في أديس أبابا؟
• لا أرى تحضيرا جيدا لجولة المفاوضات، لأننا إذا أردنا مفاوضات جادة، فهناك بعض القواعد، وخلال أكثر من 10 سنوات عقدت العديد من جولات المفاوضات في العديد من العواصم، وعلينا الاستفادة من أخطاء الماضي، فلكل جانب طلبات ولا أحد يريد التنازل، فمن الضروري حوار طرف آخر في المناقشات مثل البنك الدولي، يقدم اقتراحات تقرب وجهات نظر، فيكون له دورا، لكن في غياب مثل هذه الأطراف، ستكون جولة المفاوضات الجديدة شبيهة بالجولات السابقة، كل طرف يعرض وجهة نظره دون التوصل لاتفاق.
○ ما الأوراق التي تمتلكها مصر للضغط على أثيوبيا في جولات التفاوض المقبلة؟
• الأوراق التي تمتلكها مصر تتمثل في علاقات القاهرة الدولية مع الدول الكبرى، عندما تجد أثيوبيا تفاهما مصريا مع هذه الدول ودعما لقضيتنا، خاصة أننا نطلب حقوقنا، ستتراجع، لكن الحال أن أثيوبيا تجد روسيا وأمريكا لا تتبنيان موقفا من الأزمة، فتواصل العناد وتعتبر أن مصر فشلت في حشد موقف دولي لقضيتها، والأطراف الدولية الكبرى لها مصالح في القرن الأفريقي خاصة أثيوبيا، كما أن الدول العربية مثل السعودية والإمارات التي ترتبط بمصالح مع أثيوبيا لم تلعب أي دور للضغط على أديس أبابا دعما لموقف مصر، خاصة في ظل التعنت الأثيوبي، فمثلا التخزين هذا العام وصل إلى 24 مليار متر مكعب، وهو نصف حصة مصر السنوية من مياه النيل تقريبا، ونهر النيل يعتبر المصدر الوحيد للمياه في مصر، والفيضان سينتهي خلال الأيام المقبلة، والسودان سيحصل على حصته.
○ مصر طلبت الدعم العربي في قضية سد النهضة أكثر من مرة، لماذا لم نر هذا الدعم سوى في بيانات جامعة الدول العربية؟
• الدعم العربي لمصر والسودان في قضية سد النهضة لم يتعد البيانات والتصريحات، لكن لا توجد خطوات عملية، رأينا جامعة الدول العربية أصدرت أكثر من بيان، لدرجة أن هناك قرارا بوضع قضية سد النهضة في صدر الموضوعات في كل الاجتماعات، كما صدر بيان يدعم الحقوق المائية لمصر والسودان ويطالب أثيوبيا بالالتزام وعدم اتخاذ قرارات أحادية، لكن على الدول العربية التي لها استثمارات في أثيوبيا، مثل السعودية والإمارات يجب أن تلعب دور الوسيط القوي، لما لهما من علاقات جيدة بمصر وأثيوبيا، وكنا نتوقع أن يكون لهم دورا أفضل في الأزمة، لكن في النهاية الدعم العربي في قضية سد النهضة أقل من المأمول.
○ لماذا لم تتمكن مصر من حشد دولي لموقفها في أزمة سد النهضة؟
• دول العالم تنظر لمصالحها، والأمر لا يتعلق بعدالة موقفك فقط، ويكون الموقف الذي تتبناه هذه الدول يتمثل في عدم خسارة أي من الطرفين، هناك موازين أخرى تحكم مواقف الدول الكبرى في هذه القضية ليس منها عدالة موقفك.
○ هل تؤثر الاضطرابات التي يشهدها السودان على مسار المفاوضات؟
• من المفترض أن تؤثر بالطبع، وتحاول أثيوبيا استخدام هذه الاضطرابات لكسب مزيد من الوقت، لكن الحقيقة، إذا كانت المفاوضات متوقفة منذ أكثر من 3 سنوات، فهل يمكن أن نحمل اضطرابات السودان التي اندلعت منذ 5 أشهر فقط الأزمة؟ لكن في النهاية أثيوبيا تتخذها ذريعة لتبرر توقف المفاوضات.
○ البعض يرى أن موقف السودان المتذبذب طوال عشر سنوات مثل أحد الأزمات التي واجهت مصر في جولات المفاوضات مع أثيوبيا، ما رأيك؟
• مواقف السودان كانت متغيرة على مدار السنوات الماضية، في البداية، كان الموقف السوداني ضد سد النهضة، ثم تحول الموقف ليصبح أكثر حيادا في الأزمة، وبدأ أشبه بالوسيط بين مصر وأثيوبيا، وفي فترة أخرى أصبح مؤيدا لسد النهضة، لدرجة أن المفاوض السوداني رفض مع أثيوبيا تقرير الشركة الفرنسية الخاصة بدراسات سد النهضة، فتوقفت المفاوضات، كما رفضت أثيوبيا التوقيع على صيغة الاتفاق في المفاوضات التي استضافتها واشنطن، بعد عدم حضور أثيوبيا جلسة التوقيع، رغم أن توقيع مصر والسودان كان سيمثل إحراجا لأثيوبيا، ما يعني أنها لم تكن داعمة للموقف المصري في ها الوقت، لدرجة أننا كنا نرى وزير الري السوداني ياسر عباس يدافع عن سد النهضة أكثر من الأثيوبيين ويقول إن سد النهضة أكثر أمانا من السدود الأخرى والسد العالي، والموقف السوداني المتذبذب تسبب في عدم التوصل لاتفاق، لان أثيوبيا كانت تستقوي بموقف السودان.
○ هناك مخاوف تتردد عن احتمالية انهيار السد، فما رأيك؟
• أنا أول من تحدثت عن احتمالية انهيار السد، خاصة ان المنطقة التي يشيد فيها سد النهضة هي أكثر المناطق الزلزالية في القارة الأفريقية، وأثيوبيا تعد أكبر منطقة تضم جبالا بركانية في العالم ولدينا تاريخ من الانهيارات المتكررة لعدد من السدود في أثيوبيا، والتي نفذتها نفس الشركة التي تتولى بناء سد النهضة حاليًا «ساليني» الإيطالية، وانهيار سد النهضة سيكون طوفانا يشبه تسونامي اليابان عام 2011.
وسبق وحذرنا من سعة تخزين سد النهضة، ومشروع جيبا 2 على نهر أومو في أثيوبيا ليس ببعيد، حيث انهار بعد افتتاحه بعشرة أيام في كانون الثاني/يناير 2010 ومرتين قبل الافتتاح، والشركة التي نفذته هي نفس الشركة التي تتولى بناء سد النهضة حاليًا «ساليني» الإيطالية، وسد تاكيزي على نهر عطبرة 2009 والذي انهار جزء منه في 2007 قبل الافتتاح في 2009 وراح ضحيته حوالي 50 شخصًا، فصخور سد النهضة رغم أنها نارية ومتحولة إلا أنها شديدة التحلل والتشقق، وليس هذا هو العامل الجيولوجي الوحيد.
○ ما الأضرار المتوقعة على مصر من الملء الرابع؟
• أولا موسم الفيضان مدته 3 أشهر فقط، والمياه التي ستمر خلال الأيام المتبقية بعد انتهاء الملء ستحتجزها السودان، وحجزت أثيوبيا 24 مليار متر مكعب كان من المفترض أن تصل هذه الكمية مصر، والمياه تمثل ثروة لو استخدمنا هذه الكمية في الزراعة والصناعة وهذه خسائر اقتصادية، ولتعويض هذه المياه أعالج مياه الصرف الصحي، وهذه تكلفة ضخمة تتحملها الدولة، واضطرت مصر إلى تخفيض مساحة زراعة الأرز إلى مليون فدان فقط لتوفير المياه، وفيما يخص السودان، انتشر الجفاف في معظم السودان نتيجة انخفاض مياه الأمطار هذا العام، وهذه الحالة تحدث لأول مرة في التاريخ أن لا يأتي الفيضان حتى الأسبوع الأول من ايلول/سبتمبر، كما هو الحال يوم وفاء النيل 15 اب/أغسطس في مصر بدون فيضان.
○ كيف عوضت مصر كميات المياه التي احتجزتها أثيوبيا هذا العام؟
• الـ24 مليار متر مكعب، تم استخدامها من مياه بحيرة السد العالي، وفي العادة مصر تحتجز المياه وتصرف يوميا من البحيرة ما تحتاجه، وفي النهاية تحسب مع بداية موسم الفيضان الجديد، ما استقبلته من مياه وما سمحت له بالعبور من السد العالي للاستخدام، لنعرف حجم خسائرنا هذا العام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية