تنقضي السنون، والقضية الفلسطينية تغازل قلب كل حر، وترسم أحلام كل عزيز، وتبني قصور مجد أعمدتها حرية حمراء بطعم الدم. يتهافت أبناؤها على باب التحرر، ويعانقون وهج طيفها كل لحظة أملاً في أرض الأجداد والأحفاد. منهم من قضى نحبه، ومنهم من احتضنته سجون العدو ظلماً وبهتاناً؛ سعياً لإطفاء لهيب حرية ما خمد ولا يوماً سكن. يخرج الأسير من باب سجنه، وقد استشهد من استشهد من عائلته، وتوفي من توفي، وتزوج من تزوج! سيواجه عالماً جديداً.. أجيالاً جديدة.. وجوهاً جديدة! سيخرج الأسير، وسيرى جداراً عازلاً قسم أرض وطنه، وسيسمع عن معاناة جديدة لم يخبرها بهذا الحجم، وسيلمس بهجة احتفالات عمت أرجاء وطن مقسم. ستتسابق الأيدي لمصافحة كفه، وستتنافس الأكتاف لحمله، وستتقاتل الكاميرات ووكالات الأنباء لأخذ صورة لتجاعيد وجه ما كانت بالأمس، وسيتناهى إلى مسامعه كلام مسؤولين في مؤتمرات صحافية تخاطب حماس جموع الجماهير المحتشدة، وستؤلم عينه بريق القنوات التلفزيونية وقد اعتادت على ظلمة زنزانة سجن كئيب. سيقرأ في الصحف عناوين تحية لقادة باعوا القضية، وربما ستتم دعوته لاحتفالات أقيمت بغية تكريمه، وستعي حواسه بكل قسوة كيف تم اختزال بطولته وكفاحه وأيام جوعه ببضع كلمات وبعض دبكات فرح هنا وهناك! ما حال سنين طويلة من الأسر؟ ماهيتها وما كنهها؟ تراها مضت ثقيلة، وهو يرى وجه سجانه وجلاده كل يوم. تراها كانت أبية تعجز الكلمات عن وصفها، وتخجل الأقلام من محاكاة ألم مجبول بعزة نفس وحب وطن. سيحصي أعوام عمر وقد فنت، وسويعات فرح وقد راحت، ولحظات ألم في الأفق وقد لاحت! سيتذكر جوعه ووحدته، وسيتبادر إلى ذهنه رفاقه في السجن، وسيطرق عقله أحاديث عزم وتصميم كان يحدث بها نفسه صبح مساء. سيروي لعائلته وأحبابه قصة مقاومة، وسيهمس في أذن القدر حلم طفولة وحكاية وطن بنت فخرها سواعد حرة. كانت أعواماً من نصر لا محالة، وعشق ابتلاه رب البلاد والعباد به، وهناء يرفل في نعمه حتى تصعد الروح إلى بارئها. ستهدأ كل مظاهر الاحتفال بعد أيام من فك الأسر، وسيعيش الأسير المحرر واقعاً آخر من المقاومة. كان قبل زمن في زنزانة مساحتها أمتار معدودة، وها هو اليوم سيختبر سجناً أوسع، وقيوداً متمثلة بحواجز عسكرية أينما حط البصر، وســــيارات عسكر افترشت أرض الوطن احتلالاً واستعماراً. كان قبل أيام لا يرى إلا وجه سجانه، والآن يكحل ناظريه بمرأى ابتسامة أمه ساعة شروق الشمس وساعة غروبها. أراه يتقاسم لقيمات طعامه مع أمه، وأذنه تنصت حباً وحناناً لدعائها وأسرارها. أتخيله يشارك أهله جلسات أنس ولحظات فرح حرم منها على حين غرة! ستمضي سنون أخر، وما حاله إلا وقد جدد العهد على الكفاح ولو قضى عمراً آخر في الأسر. سيبتسم في وجه القهر، وسيرفع حجراً من نار رفضاً ومقاومة، وسيشد عضد آخرين، وسيعلنها مقاومة أخرى، وإن اختلف شكلها. لن يستسلم، ولن يرضخ لنير احتلال، ولن يهاب دوي رصاصة علا في أنحاء المعمورة. إرادته ما انكسرت، وعزيمته ما لانت، وهمته ما انطفأت! لله درك! دخلت السجن شاباً يافعاً، وخرجت منه كهلاً منهكاً من سنين أسر. تتوقف الأقلام عند مدح مقاومتك، وتنحني الهامات استحياء من عظمة صبرك، ونرفع الأيادي احتراماً لصفة أسير مقاتل التصقت بك طوال ما تبقى من عمرك، وتصمت الألسن رهبة لحظة تبرير تقصيرنا بحقك. حريتك لم تكن يوماً مسلوبة؛ فأنت حر ابن حر قبل أسرك وبعده. أهل فلسطين، أنتم الأمل، وأنتم الرجاء، وبسواعدكم ستحرر الأرض وما رحبت، وسترتسم يوما ما بسمة وطن على وجوه كل منكم. أنتم عزة أمة، وتحملون راية نصرها وإبائها، وتعلون كلمة حق في عصر ساد فيه الظلم بلا رحمة. فحنظلة ناجي العلي مدبر وجهه منتظراً يقظة أمة، فهلا استيقظت من سباتها ؟!