أسلوب الفرنسي جاك تاتي الخاص: بدأ بـ«يوم الاحتفال» وترسخ بـ«خالي»

حجم الخط
0

أدرجت «نتفليكس» فرنسا، مع بداية الشهر، 3 أفلام للمخرج الفرنسي جاك تاتي، هي «إجازة السيد أولو» عام 1953 و«خالي» عام 1958 و«بلايتايم» عام 1967. يمكن لها، أن تقدم فكرةً جيدة عن هذا المخرج الاستثنائي في عموم تاريخ السينما، لسبب أول هو تأسيسيته لأسلوب صار خاصاً، شكلاً وموضوعاً، وذلك في عموم منجزه السينمائي.
كنت قد كتبت في «القدس العربي» 10 سبتمبر /أيلول 2017 عن تحفته «بلايتايم»، وفي هذه المقالة أكمل تناول أفلامه من خلال اثنَين من أهمها هما «يوم الاحتفال» عام 1949، و«خالي». الأول لكونه باكورة أعماله وفاتحة أسلوبه، والثاني لتمثيله مرحلةً أساسية في مسيرة تاتي السينمائية، ولإكماله موضوع السخرية في الفيلم الأول.

«يوم الاحتفال»

هو الفيلم الروائي الأول لتاتي، وهو الممهد، بموضوعه، للثيمة الأساسية في باقي أفلامه، وإن أتت بمقاربات مختلفة، وهي نقده لأسلوب الحياة الغربي المتزايد في اعتماده على الصناعة والتكنولوجيا. وإن كان تاتي نفسه قد استخدم الألوان في تصوير فيلمه، حيث صوره بنسختين، أبيض وأسود، وملون، ليكون الفيلم الفرنسي الملون الأول، لكن خللاً حال دون أن تظهر النسخة الملونة منه قبل عام 1994 حيث أمكن ترميمها.
في قرية فرنسية صغيرة، أهلها بسطاء، الجميع يعرف بعضه بعضا، يجول ساعي البريد فرانسوا (جاك تاتي) على دراجته الهوائية بين البيوت والمحال وفي الشوارع، الجميع يحييه، يتوقف دائماً ليحكي مع أحدهم أو يساعد آخر، يمازح الأطفال ويمازحه أصدقاء. الألفة حاضرة، ومعها المواقف المضحكة، الأقرب للتهريج، بما يناسب أجواء الاحتفال الذي تشهده القرية. فليست الكوميديا هنا في الحوارات، وهي مقلة أساساً، بل في أسلوب يذكر بتشارلي شابلن وبستر كيتن، أسلوب تهريج بدائي، ما زال يبعث على الضحك حتى زمننا هذا.
تبقى الألفة حتى يتم عرض فيلم في خيمة في الساحة، يتناول الأساليب الحديثة المتبعة في خدمة البريد في الولايات المتحدة، فيخرج المشاهدون ويعيب بعضهم على فرانسوا تخلفه مقارنةً بالخدمة الأمريكية الحديثة. يقرر الأخير أن يقدم، على دراجته، خدمة كالأمريكيين، ما يعني أن يقدم خدمة سريعة، إنما بدون طائرات وسيارات كما في أمريكا، بل على دراجته التي يسهل تعطلها. فصار يسرع، جداً، في التنقل على الدراجة مردداً «بالأسلوب الأمريكي» كلما التقى أحدهم وحاول كالعادة فتح حديث عادي معه. فأفقد «الأسلوبُ الأمريكي» علاقاته الودية مع أبناء قريته، وحوله إلى آلة سريعة غير آدمية، تقدم الخدمة بسرعة إنما بدون حياة اجتماعية أو علاقات شخصية مع متلقي الرسائل.
لا يمكن تفادي القراءة التاريخية للفيلم، فقد جاء سنة بعد خطة مارشال لإعادة بناء الاقتصاد في أوروبا الغربية، إثر الحرب العالمية الثانية، ومنها بدأ الأسلوب الأمريكي يغزو القارة، فكان الفيلم نقداً باكراً جداً لذلك.
بستة أفلام فقط بدأها بهذا الفيلم (Jour de fête)، استطاع تاتي أن يكون اسماً لامعاً، كمخرج، وتحديداً ككوميدي وكساخر حافظ على موضوعه ذاته في أفلامه، وعلى تقارب في شخصياتها الرئيسية التي يؤديها هو، وعلى تقارب في الأسلوب كذلك. نال الفيلم جائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينيسيا السينمائي.

«خالي»

قد يكون الأعلى تقييماً من بين جميع أفلام تاتي، وفيه ثبت شخصية مسيو أولو التي كانت الشخصية الرئيسية في أربعة من أفلامه، كان «خالي» ثانيها، شخصية هي أكثر ما اقتُرنت باسم تاتي سينمائياً، وكذلك بثيمة أفلامه، وهي النقد والسخرية من الحداثة التكنولوجية في زمن ما بعد الحرب العالمية الثانية. هو الفيلم الملون الأول لتاتي.
الكوميديا في الفيلم أقرب للتهريج، حركات يقوم بها تاتي تحديداً، ميزته وميزت مسيو أولو، فكانت الكوميديا في أفلامه مقترنة به كممثل فيها. الحوارات في الفيلم قليلة، ومسيو أولو لا يحكي فيها كلمة واحدة، لكنه يُكثر من المؤثرات الصوتية لوظائف كوميدية.
الخال في الفيلم هو مسيو أولو، ما يعني أن هنالك شخصية رئيسية أخرى هي ابن اخته، طفل لم تلوثه الحياة الكهربائية والميول الاستهلاكية (والأسلوب الأمريكي في الفيلم أعلاه)، التي سيطرت على والديه، فكان أقرب إلى خاله، إلى الحرية والتلقائية في سلوكه بخلاف عبودية الأم لزوجها وعبودية الزوج لعمله، وهو مدير مصنع. اعتماد الأبوين الكلي على الأجهزة الكهربائية في البيت، وضعهما في مآزق كوميدية، كان طبعاً بحضور الخال لتشتد الكوميديا بتجاور أسلوبَي الحياة، وبهزء الخال، بحركاته، من سلوكهما، وباشتباكه مع تعقيدات التكنولوجيا، في المطبخ والحديقة. في وقت كان معظم ما مثل أسلوب الحياة الحديث بلون رمادي، السيارات والأجهزة وغيرها، كان بيت أولو وحارته مزهواً بألوان طبيعية، الشجر والحجارة وغيرها، وفي وقت كانت الأصوات المعدنية مزعجة وشبه دائمة في بيت الوالدين، كانت أصوات الحارة المختلطة تعج على الناحية الأخرى، وكان الخال يدير زجاج نافذته لتنعكس أشعة الشمس على كناري في الحي فيطلق تغريداته. في الفيلم العديد من المقابلات بين أسلوبَي الحياة، أحدهما فرنسي محلي والآخر متخم بالأجهزة الأمريكية.
والفيلم لم يخلُ من سخرية من الرياء الاجتماعي، الهيبوكريسي، الذي تتشاركه أخته وجيرانها، تقول إحداهن بأن البيت فارغ، فترد الأخرى بأنه حديث وكل الأجهزة موصولة ببعضها. تحاول أخته أن تزوجه من إحدى جارتها فدعتهما وآخرين إلى بيتها، هناك يحكي لها الخال في أذنها نكتة فلم تضحك، فيبتعد عنها.
صُور (Mon oncle) بنسختين، فرنسية وإنكليزية. نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان كان السينمائي.

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية