غزة- “القدس العربي”: تشهد أسواق بيع الأضاحي في قطاع غزة، ركودا كبيرا، يفوق ما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية، بعد أن أحجم الكثير من السكان على شراء الأضاحي هذا العام، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وعدم حصول الموظفين أيضا على رواتبهم كاملة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها السلطة الفلسطينية، التي تشرف على قسم كبير من الموظفين الحكوميين، وحركة حماس التي تشرف على جزء آخر من الموظفين.
ورغم توفر الماشية من خراف وعجول بكثرة في الأسواق والمزارع المختصة ببيع لحوم الأضاحي، إلا أن ارتفاع أثماها بشكل أكبر مما كانت عليه في الأعوام الماضية، زاد الأمر صعوبة، وحال دون انتعاش سوق الأضاحي الذي ينتظره تجار الماشية بفارغ الصبر.
وحتى هذه الأوقات التي تقترب منها الأيام العشر الأوائل في شهر ذي الحجة العربي، من الانتهاء، والذي يصادف يوم العاشر منه اليوم الأول لعيد الأضحى، التي تنحر فيه الأضاحي، إلا أن نسبة الإقبال على شراء الأضاحي لا تزال ضعيفة جدا، ولم يتحرك السوق شيئا رغم دفع الحكومة الفلسطينية رواتب موظفيها بدء من يوم الأربعاء.
الأسعار شهدت ارتفاعا بسبب موجة الغلاء العالمي في ظل وضع اقتصادي سيء
ويقول محمد عودة أحد تجار الماشية، الذي تواجد بجواره قطيع من الأغنام التي يملكها، وقدم بها للسوق المخصص لبيعها في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة “السوق ضعيف، السنة هذه السوق ما فيه بيع (لا يوجد إقبال على الشراء)”.
ويوضح بأن أمله في ربح مبلغ مالي في هذا الموسم، من خلال بيع عدد رؤوس من الماشية، تبخر، ويرى أن الوضع الاقتصادي الذي يمر به سكان غزة، منع الكثير من شراء الأضاحي، ويؤكد أن عددا كبيرا من زبائنه الذين اعتاد على بيعهم الخراف خلال المواسم الماضية، أبلغوه حين تواصل معهم عدم قدرتهم على توفير ثمن الأضحية.
وخلال حديثه لـ”القدس العربي”، أشار هذا التاجر إلى خرافه التي قدم بها للسوق، بأشكالها وأسمائها المختلفة، وأثمانها المتفاوتة، وقال إنه لم يبع أي منها حتى قبل انفضاض السوق بساعة تقريبا.
وفي ذلك السوق الذي يعتبر من أكبر أسواق الماشية في القطاع، وهي أسواق يطلق عليها اسم “أسواق الحلال”، وعلى غير العادة تقل حركة المرتادين، بمن في ذلك المتفرجين، على خلاف كل عام، فيما تنتشر الخراف بشتى أنواعها، وعدد من العجول بشكل كبير.
وفي ذلك السوق يقول التاجر أبو خالد “العرض أكثر من الطلب بكثير”، ويقول إنه لم يرى إلا قليلون ممن قدموا إلى السوق، وعادوا إلى بيوتهم بالأضحية، ويؤكد لـ”القدس العربي” أنه في حال لم يتحرك السوق، وبقي على هذا الشكل فإن التجار سيتكبدون خسائر كبيرة، ويؤكد أن الموسم الماضي كان رغم قلة بيعه، أفضل من الموسم الحالي.
ويشير هذا التاجر إلى أن إجراءات الحصار الإسرائيلي والفقر الذي يعاني منه سكان غزة، أثر كثيرا على شراء الأضاحي.
ويأتي هذا الموسم، في وقت لا يزال فيه موظفو السلطة الفلسطينية يتقاضون ما نسبته 80% من قيمة رواتبهم لدى الحكومة، للشهر السابع على التوالي، بسبب الأزمة المالية التي تعاني منها الخزينة الفلسطينية، لعدة أساب أبرزها الخصومات الإسرائيلية على عوائد الضرائب، وبسبب قلة أموال الدعم الخارجي، كما لا تزال الجهات الحكومية التي تديرها حركة حماس في غزة، تدفع ما قيمته 60% من رواتب الموظفين التابعين لها.

وقد أحجم الكثير من الموظفين الحكوميين هذا العام، خاصة الذين يتبعون للسلطة الفلسطينية، عن شراء الأضاحي، لعدم امتلاكهم الأموال.
والجدير ذكره، أن سلطات الاحتلال تفرض حصارا محكما على قطاع غزة منذ 15 عاما، أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية بشكل خطير جدا، وزاد من معدلات الفقر والبطالة.
وكان تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية، انتقد بشدة هذا الحصار، الذي يندرج ضمن “العقوبات الجماعية” وينتهك حقوق الإنسان، وطالب برفعه بشكل كامل وفقًا لقرار مجلس الأمن 1860، وأكد أن مستويات البطالة في غزة، بسبب الحصار أصبحت الأعلى في العالم، حيث وصل معدل العاطلين عن العمل إلى 46.6 فيما، صل معدل البطالة بين الشباب (الفئة العمرية 15-29 عامًا) إلى 62.5 بالمائة.
كما أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوغاريك، قبل أيام، خلال مؤتمر تطرق فيه لهذا الحصار المفروض منذ 15 عاما أنه جعل نحو 80 بالمائة من سكان غزة يعتمدون الآن على المساعدات الإنسانية.
وأوضح بأن العاملين في المجال الإنساني، يحتاجون هذا العام إلى 510 ملايين دولار لتوفير الغذاء والمياه وعدة خدمات أخرى منها الخدمات الصحية للسكان.
وبالعادة يتم التضحية بالخراف أو الماعز بشتى أنواعها، شرط أن تكون ملائمة للشروط، كما يتم التضحية بالعجول، من خلال اشتراك سبعة أفراد على الأكثر في كل ذبيحة.
ولم تفلح حتى اللحظة محاولات التجار لإغراء الزبائن عن طريق “تقسيط الأضحية” في دفع الزبائن على الشراء، وهو أمر يتبع في غزة منذ سنوات، يقوم ببيع الأضحية، أو أخذ “حصة” في العجل الكبير، ودفع ثمنها من خلال دفعات شهرية ثابتة تدفع على مدار الأشهر القادمة.

ويقول محمد أسعيد الذي ينشط في هذا الوقت وأبناءه في بيع العجول، إن محاولاته كباقي التجار الذين يعرفهم في بيع العجول عن طريق التقسيط لم تفلح كثيرا، وأن نسبة من زبائنه الذين اعتاد على شرائهم في المواسم الماضية بالدفع الكامل للأضحية، هم من لجأوا للشراء بالتقسيط.
ويوضح أن الأمر سيجعل من هذا الموسم يمر على المزارعين بـ”صفر ربح”، أو تكبد عدد آخر خسائر مالية، لافتا إلى أن أثمان الأعلاف وثمن النقل والشحن للعجول والخراف أصبح أعلى مما كان عليه سابقا، ما أدى إلى ارتفاع الأثمان، في وقت يعاني فيه سكان غزة من الفقر.
ويؤكد كسابقية من التجار، أن الموسم الماضي رغم أنه لم يكن مميز من ناحية البيع، إلا أنه كان أفضل بكثير من الموسم الحالي، وأن العروض التي تقدم للسكان لإغرائهم بالشراء، تقابل بعزوف منقطع النظير.
وكانت وزارة الزارعة في غزة، الجهة التي تشرف على استيراد العجول والماشية، أكدت أن هذه الأصناف متوفرة بشكل جيد في أسواق القطاع، وبأسعار مناسبة في أسواق قطاع غزة وتفي باحتياجات المواطنين، لافتة إلى أن قطاع غزة يحتاج إلى 17 ألف رأس من العجول وما يقارب 22 ألف رأس من الأغنام في موسم الأضاحي لهذا العام 2022.
ووفقاً لتقرير الادارة العامة للخدمات البيطرية بالوزارة، فإن الكميات المتوفرة حالياً من العجول والأغنام في مزارع التربية في قطاع غزة تصل لحوالي 18 ألف رأس من العجول، و22 ألف رأس من الأغنام، وذلك في ضوء إحصائيات دوائر الخدمات البيطرية المنتشرة في المحافظات.
كما يوضح التقرير أسعار العجول هذا العام والتي تتراوح ما بين 17-20 شيكل للكيلو غرام القائم قبل عملية الذبح (الدولار يساوي 3.5 شيكل) وهي تقديرية يمكن أن تتغير بزيادة أو نقص الطلب، وللأغنام تتراوح ما بين 4.5-6 دينار أردني للكيلو غرام وقد تختلف حسب الوزن والنوع.
وأشارت وزارة الزراعة، في بيانها، إلى تطبيق مجموعة من إجراءات الصحة والسلامة والتي تتلخص في: إجراءات الفحص الظاهري للأضاحي على المعابر من خلال الأطباء البيطريين المتواجدين على معبري كرم أبو سالم ورفح التجاري، وأخذ عينات من الحيوانات المستوردة وفحصها مخبرياً للتأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض المشتركة والوبائية، كما يتم متابعة هذه الحيوانات في حظائر التجار من خلال دوائر الخدمات البيطرية في جميع المحافظات.
كما تقوم طواقم الوزارة بإجراء عملية تنظيم لذبح الأضاحي مع الجهات المختصة، والتي تشمل المذابح والنقل والحفظ، وتوفر الشروط الصحية لعملية الذبح، حيث تنفذ في هذه الأيام زيارات بشكل مستمر على المذابح، لإلزام أصحابها بالتوقيع على التعهدات الخاصة حول الالتزام بالشروط الصحية خلال عملية الذبح كنظافة الأرضيات والمياه والتوزيع وتوفر التهوية اللازمة.
ومن شأن قلة عدد المقبلين على شراء الأضاحي، أن تزيد من مأساة الأسر الفقيرة، التي تنتظر هذا الموسم، للحصول على كميات وفيرة من اللحوم، والتي تقوم بدورها بتخزينها، لتكفيها لعدة أشهر قادمة.
جدير ذكره أن هناك مهن أخرى ترتبط بموسم الأضاحي، أولها يكون قبل الذبح، من خلال نشاط المحال التي تعمل على شحذ السكاكين الخاصة بالذبح والتقطيع، وأخرى يوم الذبح، من خلال نشاط شبان يقومون بجمع جلود الأضاحي لبيعها لاحقا.




