أصابع لا أنامل فيها

كثير من الدراسات الدينية تجعل مداخلها لغوية، لأن الخطاب الديني هو خطاب لغوي في الأساس ولذلك يمكن أن تعتمد مداخل لسانية في دراستها. المداخل اللسانية للدراسات الدينية توفر لمثل هذه الخطابات منهجا قبل أن توفر له مفاهيم نظرية يعتمدها للوصول إلى الأفكار التي يريد الوصول إليها، أو يقوده الخطاب إليها. نقدم في ما يلي نموذجا من المصنفات التي اعتمدت اللغة أساسا في الدراسة الدينية.
من الكتب المهمة التي أعيد طبعها مرات، دراسة لجورج أ. ليندبارك صدرت بالأنكليزية عنوانها «طبيعة العقيدة: الدين واللاهوت في العصر ما بعد الليبرالي».
يعتمد ليندباك مقاربة «ثقافية – لغوية» لدراسة الدين. في هذه النظرية يمكن أن يعتبر الدين نوعا من «الإطار الثقافي و/ أو اللغوي، أو الوسيط الذي يشكل مجمل الحياة والفكر «الدين يكون ههنا» ظاهرة مجتمعية فعالة تشكل ذاتية الأفراد، ولا تكون مظهرا من مظاهرها. ويتعامل مع الدين على أنه نظام لغوي سيميائي له ضرب من النحو الداخلي، الذي يتقيد به كي يستوعبه الأفراد ويعبرون في مقام أو سياق مسور بالزمان والمكان. الدين في هذا التصور هو فعل خارجي يصوغ الذات ويشكل عوالمها. لا يكون الدين بطريقة ما، بل يكون التدين بطريقة أو بأخرى.
من المصنفات المهمة التي اتجهت في دراسة الدين وجهة لسانية، كتاب «اللغة والدين» Language and Religion وهو كتاب صدر عام 2010 للجامعي الكندي من جامعة ويليام دونز William Downes اعتمد فيه النظرية العرفانية للدين كي يدرس مواضيع كلاسيكية تتعلق بما فوق الطبيعة والوحي، وتسلح الباحث بأدوات لسانية براغماتية للجواب، الجواب على سؤال أساسي في البحوث الدينية هو: كيف يمكننا التفكير في الأشكال الثقافية للحياة وفي النسق الاجتماعي؟ حاولت العرفانية بما هي برنامج بحثي جديد، ولاسيما من بوابة علم النفس التطوري، أن تبين كيف يمكن للدين، إن نظر إليه بواسطة بعض العمليات العرفانية، أن ينشأ من تطور الذهن والدماغ البشريين؟ ويستعمل الذهن Brain في هذه الدراسات، في سياق توصيف تجريدي لخصائص الدماغ Brain؛ والذهن هو التجربة الفردية أو التوظيف البشري الفردي للدماغ؛ أما الدماغ فهو الحالة الفيسيولوجية للذهن لكن الذهن/ الدماغ لا ينفصلان إلا لأسباب منهجية لذلك يستعملهما المؤلف في زوج هو زوج الذهن/ دماغ Mind/Brain.
المقاربة العرفانية للدين، التي انطلقت أبحاثها في آخر تسعينيات القرن الماضي تسمت بـ»علم الدين العرفاني» Cognitive Science of Religion وسرعان ما أثمرت بحوثا كثيرة تبنت مكتسبات علم النفس التطوري، أو ركزت على نتائج علم الأعصاب، ولاسيما تلك التي تعلقت بالترابطات العصبية للتجرية الدينية. المهم أن مثل هذه الدراسات أظهرت نقاشات حول ماهية الدين، وكيفية تأثيره في الأنواع البشرية، ولمَ لم يذبل الدين في سياق حداثة علمانية، ولماذا ظل موجودا بشكل يصعب دائما إصلاحه ويعسر دوما تفسيره.
ينخرط كتاب «اللغة والدين» في سياق هذا الاستثمار العرفاني للحقل الديني. ويختار المؤلف مقاربة «براغماتية عرفانية» تركز على الحالات العقلية والارتباطات الذهنية بين المشاركين في المحادثة، أو المتقاسمين للخطاب. يستفيد المؤلف من نظرية الإفادة لـ Dan Sperber and Dierdre Wilsonالتي طورها الباحثان من مبادئ بول غرايس Paul Grice. خلاصة نظرية الإفادة أن الإنسان وهو بخيل بطبعه، ميال إلى الكسل، لا ينتج إلا ما يفيد، ويتعاون المتكلم مع محاوره في توجيه الكلام إلى الإفادة. الطابع العرفاني الذي أضيف إلى نظرية الإفادة تمثل في القول بوجود ربط بين مفهومي الجهد المعرفي، الذي يبذله المرء في معالجته للمعلومات ذهنيا، والإفادة التي يمكن أن ينقلها إلى غيره عن طريق اللغة أساسا. فحين أقول لك (الله موجود) أو (ونعم بالله) في سياقين من السياقات التي تستدعي هاتين العبارتين، فإني أكون قد ساهمت في الإفادة بأقل جهد معرفي وسيبذل السامع جهدا ذهنيا قليلا في تفكيك شيفرة قولي، لأن هذا الكلام مألوف ولا يقتضي إجهادا عقليا كبيرا. لكن حين أقول لك: (كما أن واحدا في واحد يساوي واحدا، فكذلك الله واحد) فإني أكون قد أرهقت ذهن المستمع إليّ بإجراء عمليات ذهنية معقدة (الحساب والقياس) من أجل فكرة بسيطة لا تتطلب كل هذا التقعيد. لا نريد أن نقول بهذا إن هذه الجملة الأخيرة فارغة من محتواها، ولا إن فيها من العبارات ما يزيد على حجمها، بل تعني أن هناك جهدا إدراكيا يتكبده الذهن وهو يعالج هذا القول أكثر مما يبذله وهو يعالج (الله واحد) بمفردها.

في هذا العالم تكون الأصابع بلا أنامل، لأن الأنامل وبدلا من أن تشير إلى المتعالي تكتب وتُعض لا ندما على التفريط في الحق، بل على مطاردة الحقائق الموسومة ظلما أو عدلا بالعلمية.

لا تعني المقاربة اللغوية في كتاب كهذا الكتاب، المبادئ العلمية التي تخص مستويات الدراسة الصوتية أو الصوتمية، وبناء الجمل والتراكيب والمعجم، ولا كيفيةَ نشأتها وتنشيطها في الذهن/الدماغ؛ لكنها تعتني بكيفية استخدام اللغة لتوصيل الرسائل، وتنفيذ الإجراءات ضمن سجلات مختلفة من الصلاة، والوعظ، ودراسة الكتاب المقدس، إلى المشاركة في القداس، أو مناقشة علم الكلام، أو اللاهوتيات وغيرها. إن أقوالنا عموما وأقوالنا الدينية خصوصا، ترتبط بالعالم وتنقل محتوياته إلى مستخدمين آخرين للغة، وتنتج بواسطة العقل/الدماغ. والانخراط في البراغماتية العرفانية، يوجب على الدارس أن يجيب على أسئلة من نوع: ما الذي يجعل المفاهيم الدينية، ومن ثم الأفكار عموما ذات طابع تديني؟ وينشأ من هنا سؤال رئيسي: ما هو الدين باعتباره متصورات؟ كيف تنبثق الأفكار الدينية وتتصل ببنية الذهن/ الدماغ وعملهما؟ كيف يستوعب البشر الأفكار الدينية، وكثيرٌ منها مبهم وغامض؟ وكيف يستخدمون تلك الأفكار؟ لماذا تنتشر هذه التمثيلات في الذهن/ الدماغ عبر التاريخ، بحيث تكون عالمية عمليا، لكنها في الوقت نفسه متنوعة للغاية؟
وأخيرا ، لماذا تقبل المجتمعات البشرية، مجتمعات الذهن/ الدماغ بشكل جماعي المعتقدات الدينية، المزعومة حول الحقائق الغامضة، وهل أن هذه المعتقدات شبه المفهومة يمكن أن تكون صحيحة إلى حد ما، وهل لها في الواقع مبرر عقلاني تعتمده أساسا للعمل؟ على الرغم من أن هذه الأفكار المطروحة هي ذات منحى «فكري» ، فالمعتمد المنهجي هو اعتبار اللغة وسيلة يتم من خلالها إظهار الفكر الديني ونشره، لذلك تكون البراغماتية في تخصصا في اللسانيات يطور نظريات حول كيفية استخدام اللغة لإظهار الأفكار وإيصالها داخل المجتمعات، وفي القيام بذلك يصور العالم بشكل فردي وجماعي.
هذه المشاغل التي عرضناها في الكتابين، والتي تحيل على تنويع المناهج في دراسة الظاهرة الدينية المتشعبة، لا تبدو مهمة طبعا بالنسبة إلى المؤمن المتدين أو المتهجد، أو السالك إلى مراقي الحق. الذهن لديه له معنى القلب، والروح لديه لها معنى النفس التي تتوق إلى التحرر في جسد هو سجن، والأصابع لا قيمة فيها إلا إلى أنامل تشير إلى المطلق. لكن مشاغل الدارسين هي غير مشاغل المتألهين المتدينين. الدارسون في هذه السياقات العرفانية يعتقدون أن الذهن، وإن شئت قلت النفس، في تفاعل مع الجسد، وأنه لا أحد يسجن أحدا، بل الكل يتفاعل من أجل أن يعالج باللغة، أو بغيرها من العلامات، بالإشارة أو بالعبارة، أفكارَ الدين المجردة كي يفهمها في علاقتها بالإله، وفي علاقتها بنفسه، وفي علاقتها بغيره، وفي علاقتها بعالم غير منظور مأساته معه، وسائله الإدراكية التي تعمل بلا تعب قد لا تصل إلى أن تدرك ما يراد منها أن تدركه، لكنها تساعدها على أن تبني العالم.
في هذا العالم تكون الأصابع بلا أنامل، لأن الأنامل وبدلا من أن تشير إلى المتعالي تكتب وتُعض لا ندما على التفريط في الحق، بل على مطاردة الحقائق الموسومة ظلما أو عدلا بالعلمية.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية