في أرض فلسطين أطفال ليسوا كغيرهم من البشر، فحياتهم ملأى بمشاعر متدفقة كدفق نهر منهمر، وأحلامهم كبيرة بحجم سماوات سبع، وابتساماتهم ترى فيها ألق وطن، ودموعهم سببها حنين إلى ماض لم يعيشوا منه سوى سيرة حدود تتقلص أمام أنظارهم رويداً رويداً ،،، بلا رحمة ولا هوادة. تحدث الواحد منهم، فلا تلمس إلا براءة طفولة امتزجت بوعي بالغين. سنوات عمرهم لم تكن يوماً عادية رتيبة بلا طعم أو رائحة. بل هي خالطت أمنيات الكبار، فاتحدت وترعرت وكبرت في كنف حاضر شاق بكل لحظاته. أحلامهم منها الكبيرة ومنها الصغيرة. كبيرة في طموحها، وصغيرة في براءتها. فالصغيرة منها كانت لعبة حديثة، وملاعب متسعة، وليلة هانئة دون دوي قذيفة رجت زوايا البيت من عظمها، وساعة نوم لا يكدرها صوت سيارات مجنزرة ودبابات، ويوماً مشمساً دون المرور عبر حواجز عسكرية، ومدرسة منتظمة ذات جدران ومقاعد. أما الكبيرة منها تتمحور جميعها حول وطن كامل حاله قطعة واحدة كبدر انتصف سماء ليلة صيفية غناء. تنظر إليهم، فتعجب وتصمت وتتألم وتفخر! كل ذلك في نفس اللحظة، ولا تدري ما الحديث المنصف بحقهم والعادل بمعاناتهم، وتوقن أخيراً أن الكلمة الحق السواء هي الخجل من ضعفنا وعجزنا. يستيقظ صباحاً من فراشه، ويلبس ثياباً عادية ليمارس حياة غير عادية، ويستعد ليوم حافل بالمغامرات. أتخيله أمام مرآة يشاهد انعكاسات ابتسامة مشرقة ثابتة، يمشط شعره بثقة وأمه تحيطه بكلا ذراعيها مغدقة حنان أمومة، وأبوه يعظه كيف يدبر أمره ويهتدي دربه ويعلي شأنه. يفتح باب بيته، ويصادف أصدقاء الحي، وينطلــقون فرادى وجماعات نحو مدرسة متهالكة بعيدة. يرى أحجاراً توسطت الطــرقات، فيتناولها ويخبـــئها في حقيـــبته احترازاً من واقع مجهــول ومن نداء مقاومة تدق أجراسه فجأة. يصل بعد عناء وحواجز إلى مدرسته، ومعلمته تستقبله بدروس ليست بيسيرة عازمة على تنشئة جيل الغد، والجندي المحتل يرقبه من خــارج المبنى محترساً من عدوه القادم. تارة الطفل مرتعد خائف وتارة أخرى مصـــمم واثق، وهو بين هذه وتلك. ينهي مدرسته، ويحث الخطى عائداً، والفلسطيني المقاوم بداخــــله يكبر بقسوة غير مكترث بمرارة واقع أحاط به. يحادث رفاق صفه كطفل، ويرمق آثار الاحتلال كصنديد. يتوق شوقاً إلى طفــــولة غضـــة تمتع بها أبناء أوطان أخر، ويصارع نضج كفاح ينمو شيئاً فشيئاً. عينه تصور ما يحدث من ظلم وأذى، ويخـــزنها عقله في مؤخرة رأسه، فتنتقل إلى قلبه، وتعتصر يده إصراراً تلك الأحجار التي أخفاها صباحاً. طفولة بريئة مقاتلة، وبسمة إباء شجاعة، ودمعة حزن تسبقها إلى عين رأت، وهمة عازمة على استرداد حق غاب. لله دركم! بمفهوم عالم منقوص، أنتم أطفال لا أكثر. لكن، بنظر كل شريف، أنتم العزة الباقية وحلم المستقبل وأمنية الغد. ربما طفولتكم ذهب منها الكثير، إلا أن حياتكم تسطرت بمجد تليد، وعز عتيد، وحق سديد. أحلامكم تدفعنا للصمت استحياء، وحياتكم تناجي ثنايا روح تدارت عن عين الأنام خلف حجاب، ومقاومتكم صميم براءة حق وعدل مستقبل سيأبى إلا أن يحل. خبئوا أحجاركم، وادخروها جيداً، وارسموا عليها خريطة فلسطين التامة، وقوموا بتلوينها بأقلام حرية، وتوارثوها لولد الولد؛ فرسالتنا مستمرة بكبرياء وشرف. كفكفوا دموعكم، واملأوا بها حارات فلسطين عنداً وصلابة. لن نهون، ولن نستسلم، ولن نرضخ، والأرض تحريرها ثمنه ثورة. حتى ذلك الحين، لكم مني سلام إكبار تشهد عليه الخليقة. حسام خطاب الأردن [email protected]