أعمال العراقي سومر الهنداوي… أو ما تُضيفه التقنية للبنى الفكرية

حجم الخط
0

فعالية أي نص حروفي أو بصري يغتني بما يمتلكه المنتج من بنية فكرية؛ خاصة وشاملة. ونقصد بالخاصة، ما يتعلق بحيثيات وممكنات إنتاج النص، وبالشاملة ما يُعين النص على النهوض باقتدار، فالامتلاء الفكري يُحقق بنية جمالية خالصة، وبالتالي يوفر حراكاً ذهنياً عند المتلقي، أي استجابة ثقافية. فالنص الذي لا يتحاور مع متلقيه، محكوم عليه بالموت وفشل التحقيق لمبرر إنتاجه، لذا يمكننا الجزم بأن أي تقنية مرهون وجودها وتطورها بما هو مستحصل فكرياً.
ولعلنا في هذا نعني به فحص لوحات الفنان سومر الهنداوي على طريقة وأُسلوب مدرسة (الجشتالت). فقد منحتنا النظرة الشاملة مثل هذا الاستنتاج الذي أقرَّ لنا حقيقة تلك العلاقة المنظور إليها من باب انتماء النصوص البصرية هذه إلى حاضنتها. فالمتن الفكري قادر على فتح الآفاق الممكنة أمام المنتج، لأنه يستخلص الحقائق المتعلقة بالبنى المتعددة، فمن باب البنية الاجتماعية، نجد متعلقا لإنتاج مجموعة ظواهر، طرحها الفنان بكيفيات متعددة ومدروسة ومتقنة. فالأشكال لا تعاني من زوائد سردية بصرية، بل يحكمها التراص والتماسك، وتركيز ممكنات التعبير، وخلق جدلية الفحص البصري. إن اشتغال اللوحة في هذا الضرب حقق حواراً حول ما يتضمنه جدار اللوحة. كذلك ما توفر من حوارات تنتمي إلى البنية الفلسفية. فثمة فيوض خلق جدل فلسفي، لاسيما تواؤم الأشكال المتمثلة للجسد، فالفنان لم يُبق الأجساد على سكون دائم كنموذج في لوحة، إنما وفر لها حراكاً يخلق جدلاً في هذا المضمار. ولعل بقية البنى ارتكزت ـ كما سنقرأ ـ على حوار دائم ومتجدد. وتجدده ناتج من امتلاك المنتج والمتلقي لمثل هذه المُعينات، التي تُديم الصلة بينهما على نحو حوار وجدل مستمرين، لأنها مرتبطة بكشوفات جديدة على غرار المقولة.. أنت لا تدخل النهر مرتين.

التقنية والسرد

ما نعنيه بالعلاقة بين السرد والتقنية الفنية؛ هي مجموعة أنساق تضع محتويات اللوحة وفق نمط المنظور السردي. بمعنى ثمة حراك لظواهر مرموز لها بمجموعات من الأشكال، تعتمد التقنية الفائقة الجمال أساساً لها. وهذا يضعنا إزاء مضامين يمثلها السرد باعتباره يُخبرنا عن أشياء تشغل أمكنة. هذه الأشياء أو الأشكال تتجاوب مع بعضها بعضا دون التخلي عن أُسس التقنية، أي التوازي السردي، فليس من شكل دون حمولاته، التي بالإمكان التشبث بها لمعرفة الدال والمدلول بصيّغ متنوعة حاملة لعناصر الدهشة. ومنها الألوان ودهشتها من منطلق التجاوب مع القرين، فليست هناك مسافة فراغ في المعنى بين هذه الصياغات، بل ثمة أُلفة لونية وخطية ونحتية. لعلنا في هذا نُدرك مساحة الفكر التي تتداولها الأشكال في اللوحة، فلما كان هناك سرد تصويري، فهنالك دوافع تُنظّم هذا النسق. وهو ناظم ينتمي إلى الفكر الذي لا يقف عند حدود اللوحة، وإنما ينفتح وفق تجاوب المتلقي البصري. من هذا نؤكد على أن جدار الفنان ينتمي إلى التنوع في حركة البنية الفكرية. فالأشكال تُجري تحاوراً ذاتياً باستمرار مع المتلقي البصري. وتلك حسنة تجدد مهمة توفرت عند الفنانين الرواد والمحدثين، في كونهم ذوي ثقافة عالية، استلهموا هذه الخاصية من احتكاكهم بالآخرين أثناء دراساتهم أو استقراهم في المهجر.

والفنان سومر كان ضمن هذا الكسب الفني، الذي وسّع دائرة رسوماته ومنحوتاته، وقرّبها من منظورين الأول: منظور من يعيش معهم على صعيد الحياة في المهجر، والثاني: وفق فيه مثل هذه الصياغات لتقترب من المتلقي الآخر في الوطن. فهو لم يتعإلى تقنيا على جيله، بقدر ما أغنى تجربته، وحرك حمولاته الفكرية لصالح التعبير عن الوجود في الداخل، وفي الوقت نفسه وازن الأمر مع وجوده بين فنانين كبار وذوي تجارب متنوعة في المهجر. إن هذا الغنى في التجربة لا يمتلكها الفنان لذاته، وإنما وظف ما رأى وتعلم لصالح الفن العراقي. تماماً كما فعل الفنان جواد سليم في منحوتاته، حيث توّجها في نصب الحرية الخالد. إن تزيين جدران العمارات بمنحوتات الفنان سومر في المهجر، تعني الكثير من الاعتبارات، وأولها حالة القبول لأعماله النحتية، ليس لأنها تعبر عن مكنونات الواقع هناك، بل إنها وكما نرى جازمين؛ تعبر عن حالات وظواهر إنسانية بتقنية عالية الدقة، وحِرَفية منفتحة على مدارس النحت، ومنها مزاوجة الموروثات كما فعل النحاتون العراقيون ومنهم محمد غني حكمت، الذي ترك لنا ثراء نحتيا معبراً عن تاريخ وواقع ومرويات وأساطير عراقية، ترقى إلى العالمية من باب المرويات الإنسانية. وبهذا النهج وفر إمكانية تؤكد انعدام القطيعة الفنية في تجربته، بين جُهده في الخارج والآخر الذي في الداخل، كونه يمثل تاريخا فنيا ينتمي إلى عائلة فنية كبيرة في إسهاماتها ومنجزاتها الفنية.

إغناء النص البصري

الإغناء في الشيء لا يأتي اعتباطاً، بل هو نتاج التراكم الكمي، الذي يخلق لنا النوع. والفنان يعمل عبر كل نتاجه الفني، رسما، نحتا، على أن يضع علاماته القابلة للتأويل والقراءة والاجتهاد. هذه القراءة لا تبتعد أو تنعزل عن مرامي اللوحة، بقدر ما تكون من ضمن حيثيات البناء وتراكم المعنى. فالفنان كما نراه يثابر على تجديد الوسيلة والهدف في أعماله. فبالوسيلة يختار التقنيات كما ذكرنا، وفي المعنى يُزيد من سعة رؤاه المرتكزة على بنية قارّة من معارفه. لذا نجده أكثر حرصاً على مسألة تعاقب النتاج الفني. فلا هو يغادر الما قبله، ولا يغفل عن إقامة الصلة مع الآتي. فجدلية كهذه قادرة على ترصين التجربة. ومن هذا الإغناء للنص يبرز كثيراً النمط البانورامي، الذي هو السدة واللحمة في النحت والرسم. فليس ثمة عشوائية أو زيادة في الشكل، فقط هنالك حالة التماسك والصلة والحميمية. وهي من خصائص البانوراما التي ترتبط مباشرة بالسرد والروي.
إن ترحيلنا لبنيات فنية تخص المكتوب إلى المرسوم، دافعه النسق الذي ينتمي إلى الفن عبر بنية السرد أو الروي، بمعنى لا تستوقفنا سوى الأفعال التي تُحققها الأشكال، فهي في توافق دائم لإظهار معنى ما. وعلى جدل مستدام لعكس العلاقة في المعنى، والعكس يصح. إن ما ينظّم إلى الإغناء هو البُعد الهندسي الذي ينعكس على أشكال اللوحة بتقنية أيضاً. الهندسة هنا تعني استكمال حدود الشيء وربطه بغيره، والابتعاد عن إحداث الفراغ في اللوحة. فالسردية فن تسلسل المعنى، دون الإخلال بالنمط المتجدد، كذلك اللوحة، فهي تتوسل وتستعين بالأنماط ولا تغادر هويتها السردية البصرية. لذا نرى أن الناظم الهندسي في اللوحة، هو أُسلوب تكامل التقنية، بما تضفيه من مرونة على الأشكال والوحدات السردية في اللوحة.

المهمل مركزاً

لعل دائرة المهمل اتسعت وغيّرت من وجودها المادي ومحتواها باتجاه الإنتاج، أي أن المهمل غدا مُنتَجاً بكيفية فنية، بمعنى أصبح له ظِل وأثر. وبهذا بدا أكثر تأثيراً وتعشيقاً بأقرانه. ولما كانت لوحة الفنان مركبة من طبقات مستوعبة ومحتوية مستويات ذهنية فكرية، لذا ظهر المهمل أكثر تأثيراً من موقعه في اللوحة، فالفنان اتخذ من هذه المفردات النمط الفكري ذاته، والمعشقة في محتوى اللوحة، ركيزة أساسية مزدوجة القصد. فمرة تعبر عن ذاتها منطلقة من وجود قار، وفي أُخرى تُسفر عن قدرتها واستعدادها للتآلف مع ما تبقى من مفردات. علماً وكما نرى أن كل مفردة على سطح جدار الفنان، له وظيفته التي لا تتخلص من نمط استكمال وظائف أُخرى لأشكال قرينة فنياً، ومستقلة بدلالتها موضوعياً. المهمل في اللوحة صاعد ومتكافئ وغير معزول. فهو ينبئ بعدم الاضمحلال في الوجود، ويؤكد قابليته الأزلية. لأنه أساساً كان مركزاً فضعفت كفاءته، والفنان من أعاد له تلك الكفاءة المضمرة، أو ربما المتلاشية. إنه فهم فلسفي لوجود الأشياء وتأثيرها الدائم في الوجود الذاتي والموضوعي، إن مركزية الأشياء وهامشها مرهون بقوة الآصرة الفكرية، وهي ذات علاقة ليس في ماديات الأشياء، بقدر ما لها صلة بالخصب والنماء. فالتعشيق نوع من أنواع إعادة الهيبة إلى وجود الأشياء. والأشياء بما تتركه من أثر يمكن البناء عليه. وفعلاً هذا ما عمل عليه الفنان في محاولة منه إلى تصعيد المهمل والمتروك، وجعله يقترب من وجود الممركز.
إن صناعة المهمش (المهمل) ووضعه موضع المقتدر والمكمل، يتطلب مهارة فنية وفكرية، لذا نجد في تجدد التعامل معه من قبل الفنان، يرقى إلى ابتكار الوسيلة الجديدة في إحياء ما هو متروك في البيئة. تماماً كما فعل بعض الفنانين في صناعة أشياء مركبة من نفايات البيئة، غير أن الفنان سومر ابتكر موضوعياً كيفية التعامل معه بصيغة التوازي والتوازن، عبر إضفاء شكل فني الاستدعاء، وتحريكه ضمن سردية اللوحة. إن المسميات الفنية في لوحاته متآخية الصيرورة، وملتزمة في جعل التعبير الفني والموضوعي مستكملا لذاته، على الرغم من التوفر على وحدات ركبت اللوحة مقطعياً.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية