أعْــداءُ الشِّعــر

‘فالدَّازين، أي كينونة الإنسان، أكان ذلك في تعريفه العامي، أم الفلسفي،
مُحَدَّد بوصفه، الحَيّ الذي تَتَعيَّن كينونته بالقُدرة على الكلام’

مارتن هايدغر

لم أستغرب لِما قاله رئيس الحكومة الجزائرية عن الشِّعر، باعتباره مَضْيَعَةً للوقت، ولا فائدةَ له، وأنَّ ازدهار البلاد، لا يكون بالشِّعر، أو بـ ‘الأدب’، إجمالاً، فالرياضيات والعلوم، هما ما يضمن هذا الازدهار. كما لم استغرب، ما وقع فيه رئيس الوزراء، من خَلْط بين الشِّعر والقرآن، أو بالأحرى، من توظيف القرآن للاستهانة بالشِّعر، وبالقرآن نفسه، ما دام هذا من ذاك، كما يُقال، وما دام القرآن نفسه، بما يحمله من فكر، ومن تعبيرات جمالية ذات خصوصية لغوية غير مسبوقة، أو جاءت لتخرج بالعربية من سياق تعبيري، كان فيه الشِّعر هو ‘ديوان العرب’، إلى سياق تعبيري، الحدود فيه بين الشعريّ والنثري، أصبحت ملتبسةً، أو متداخلةً، يصعب تمييزهما، في النص الديني نفسه، هو تعبير باللغة، أو ‘إعجاز’ لغوي.
لن أدخل مع رئيس الحكومة الجزائري في أي نقاش، ولن أُحَمِّلَه ما لا طاقةَ له به، أو أتَّهِمَه بالمَسِّ بالدين، فهذا رجل جاهل، بما تعنيه الكلمة من فقر في المعرفة الشِّعرية، وفي ما تتأسَّس عليه المعرفة الإنسانية من قدرة على التخييل، وعلى توليد الأفكار والمعاني، وابتداعهما. فمفهوم الشِّعر كما يفهمه هذا المسؤول في حكومة دولة عربية، هو نفس المفهوم الذي نجده عند ‘العوام’، وهو هنا الكلام التخييلي، التهويمي، الذي لا صلةَ له بالواقع، أو هو قفز على الواقع، وخروج عليه، أو هو، حتى أعود للقرآن نفسه. ‘أضغات أحلام’، وسحر.
الشِّعر، كان تأسيساً للوجود، وكشفاً لمعنى وجود الإنسان على الأرض، وهو كينونة الكائن نفسه، وعلاقته بالأشياء المحيطة به، التي هي لغة في طَيِّ النسيان، ما لم يأخذها الشَّاعر ليخرج بها إلى حَيِّز هذا الوجود المُتَكَتِّم، دائما على أسراره، المنطوي على التباساته، وسَدِيمِيَتِه، أو عَمائه، بالتعبير الصوفي، التي يعمل الشَّاعر، أو تعمل اللغة الشِّعرية، بما فيها من تخييل، وبما فيها من قدرة على التكثيف، والاختزال، على كشفه، أو الإنصات لسديميته، وعمائه. كل الأشياء في الشِّعر، تتكلَّم، وتحتاج لمن يُنْصِت إليها، أو يخرجها من حالة التَّكَتُّم، والكُمون، إلى حالة النُّطْق، أو الإفصاح، والظهور. فهايدغر، حين راهَن في مشروعه الفلسفي العميق، وهو أحد أهم فلاسفة القرن العشرين، على الشِّعر، فهو كان يُراهن على أرضٍ، هي نفسُها التي راهن عليها الفلاسفة والمفكرون العرب، من مثل الفارابي وابن سينا، وابن رشد، في صياغة مفهوم للشِّعر، لم يكن يلْزِم هؤلاء بضرورة الخوض فيه، وهم من هُم في العلم، وفي الطب، وفي الفقه، والفكر، لولا ما استشعروه من قيمة لهذا الخطاب، الذي وجد القرآن نفسَه مُحاصراً به، فاضْطُر لتمييز نفسه، باعتباره وَحْياً، أو كلاماً نازلاً من السماء، عن هذا الخطاب الذي هو ‘صناعة’ بشرية، وهو إبداع إنساني صرف، لا يتدخَّل فيه الغيب. فَغَيْبُ الشِّعر، هو هذه الخيالات العميقة، الكاشفة، التي تُخْرِج الكامن من صمته، ومن انطوائه، إلى انفراجه، وانشراحه، وهذا، وحده، يكفي ليجعل الوجود يَتَكَشَّف، ويَتَعَرَّى، ويشرع الإنسان في اسْتجلاء ما انطوى منه، أو فيه، ليصير في فكر، وفي خيال الإنسان، مقدمةً للمعرفة، بما تعنيه من فيزياء، وكيمياء، ورياضيات، أو علوم صرفة، بالإجمال>
فالشِّعر، كما كان ذهب إليه هايدغر، وغيره ممن عرفوا ما يعنيه الشِّعر، هو وَعْي الوجود، وأن الكينونة بلا شعر، هي كينونة عارية، تفتقر للِسَكَن، أو لا سكن لها. وهذا ما كان هايدغر وصل إليه من خلال قراءته لأشعار كل من هولدرلين، وريلكه، وبندار، وغيرهم ممن فتحو أمامه طُرُقاً، في فهم كثير مما كان مُصْمَتاً، أو غير قابل للانشراح. فـ ‘تحرير الأفق’ عند هايدغر، هو ما يُمَهِّد الطريقَ نحو، أو في اتِّجاه، هذا السديم، والعماء، الذي طالما بقي مُشْكِلاً في ‘كينونته’، أو مُنْطوياً عليها، دون طائل.
بناءً على ما قاله الوزير الجزائري، وما يقوله غيره من المسؤولين في البلاد العربية، من ملوك ورؤساء، ووزراء، وغيرهم ممن يتحمَّلون مسؤولياتٍ في إدارة الشأن العام، فالإنسان العربي، سيكون، حين نُخْرِجُه من الشِّعر، بالمعنى الذي أشرتُ إليه، هنا، وفي أكثر من مكان، وباستشارة المفكرين والشُّعراء الكبار، بلا رأسٍ، أو سُنبلة بلا زرع.
الشِّعر معالي الوزير، ليس ما تقرأه، أو ما قرأتَه من أناشيد مدرسية، أو من نصوص ‘شعرية’، ضَحْلَةٍ، في المقررات المدرسية الباردة، والكسيحة. الشِّعر هو وجود في قلب الوجود، هذا الوجود الذي لا يعني تسليع الإنسان، وتحويله إلى مجرد مستهلك، يُقْبِل على الْتِهَام الأشياء دون مساءلتها، ودون اختبار ما يمكن أن تُضيفه لوجوده من قيمة إنسانية، يبقى فيها هو ذاتُه، وليس مجرد آلةٍ، بالتعبير الشهير للفارابي، الذي كنتُ أؤكِّد عليه باستمرار، وأكَّد عليه غيري من الشُّعراء الذين أدركوا الفرق بين الشِّعر باعتباره تحريضا للإنسان على أن يكون كامل الوجود، وبين الإنسان، حين يكون بلا إرادة، وبلا وجود، أو وجوده هو العدم نفسه.
ما لا يُفْصِح عنه ‘أعداء الشِّعر’، وأعداء الفكر والفلسفة، والجمال، من المسؤولين الكبار، وحتى الصغار في الوطن العربي، هو هذا التحريض الدَّائم، الموجود في هذه المعارف، على النقد، والفضح، والمراجعة، وإعادة تشكيل الوجود، وصياغة معانيه، التي لا تقبل التجديد، حين يكون الإنسان مجرد حَيْسُوبِيّ، أو مجرد تقني، وظيفته إطفاء الحرائق، وحَلّ بعض المعضلات المؤقتة والعابرة، مثل من يصلح عطب آلة توقَّفت عن الإنتاج، لأن ما يهمه ليست الآلة، في ذاتها، كابتكار وخيال، بل ما تنتجه، وما تحققه من ربح مادي، آني، ليس أكثر>
فتودوروف، في كتابه ‘الأدب في خطر’، كان فضح هذا التَّخَلُّف في تفكير الدولة، حين تعمل بجناح دون آخر، فحين نعمل على تكريس مجتمع العلم، دون معرفة، فنحن كمن يصنع مجتمعاً، يُحَلِّق بجناح واحد، ما يعني أنه مجتمع معطوب، فاقِد للتوازن، تكون فيه العلوم ذاتها، فاقدة لشرعيتها المعرفيه، لأنها علوم بلا نَظَر، أو علوم تحكمها الآلة، ولا يحمكها النظر، الذي هو إبداع، وخلق، وابتكار. وهذا ما نعيشه في مجتمعاتنا العربية بشكل خاص، فنحن نعمل بابتكارات الآخرين، وليست لنا ابتكاراتنا نحن، نعمل بتقنيات الغرب، وبحواسبه، وآلاته، ولسنا نحن من ابتكرنا هذه التقنيات، بعكس ما نجده في الفكر والشِّعر، وفي الرواية، والفنون المختلفة، فهذه هي ابتكاراتنا التي نُضاهي بها الغرب، ونتفوَّق عليه في بعضها، لأننا تجاوزنا مرحلة التبعية والتقليد، وراجعنا لماضينا، باستعمال ابتكارات الغرب نفسه، لكن باختراقها، وباختلاق أفكار ومعاني جديدة، لا سابق لها.

مَسَح الوزير الجزائري تاريخ المعرفة العربية كاملاً، وتاريخ المعرفة الإنسانية، أيضاً، واختزلهما في جهله القاتل، الذي هو نفس جهل الكثيرين ممن يحكموننا، ممن لا هُم أهل علم، ولا هُم أهل أدب، جاؤنا من النقابة أو من الحزب، أو من رجالات النظام، وليس من الفكر، والثقافة، والعلم نفسه. والدليل هو هذا التَّدَنّي، والاضمحلال الذي وصلت إليه مدارسنا، ووصل إليه تعليمنا، وجامعاتنا التي تحتل أدني المراتب، وأحقرها في الترتيب العالمي، وعلى رأسها كليات العلوم التي يتبجَّح بها هذا الوزير الجاهل، للأسف، بقيمة الشِّعر، وبقيمة الخيال.

اطلُب، السيد رئيس الوزراء من اليونسكو أن تحذف اليوم العالمي للشِّعر من برنامجها السنوي، واطلب من فرنسا أن تلغي ربيع الشِّعر، ومن الناشرين، الذين سبقوك للتحامُل على الشِّعر، وإلغائه من برامجهم، أن يمتنعوا عن نشر الشِّعر، وكل ما له صلة بالشِّعر، الفلسفة مثلاً، واطلُب من كليات الآداب والعلوم الإنسانية، أن تحذف اسم امريء القيس، وطرفة، ولبيد، والبحتري، وآبي تمام، وأبي نواس، والمتنبي، والمعري، ورامبو، وبودلير، وبول إلوار، وسان جان بيرس، وبول فاليري، من برامجهم، لأن هؤلاء هم سبب التخلُّف والتَّرَدِّي الذي تعيشه الأمة العربية، ذات الرسالة الخالدة!

إنكم معالي رئيس الوزراء، حين تُحارِبُون الشِّعر، وهذه حرب مُمَنْهَجَة، ومُخَطَّط لها، بالأسف يشارك فيها بعض المثقفين أنفسهم، فأنتم تحاربون الإنسان المُفَكِّر، المتحرر من التبعية والاجترار، ومن الفكر السلفي الماضوي، الذي هو فكر تكرار واجترار، وفكر قَهْر، وقَتْل، لا فكر ابتداع وابتكار. وهذا ما ساهَم منذ أمَد بعيد في هذا التخلف الذي نعيشه، عربياً، في جميع الأصعدة. فنحن حين نقصي الإنسان من الوجود، ونستدرجه ليصير آلةً، فنحن نخرج بالمجتمع من بشريته، وإنسانيته، إلى نوع من البهيمية العمياء، التي يموت فيها الصوت، ويبقى الصَّدى هو ما يحكم الوجود. أليس هذا هو ما نحن فيه من تَرَدٍّ، وتخلُّف، وانتكاس، وهيمنة للأصوليات التي هي حربٌ أخرى على الشِّعر، لأنها حرب على العقل، وعلى الخيال، وعلى ابتكار القيم، والمعاني الجديدة.

الشِّعر أكبر من أن يستهين به، أو وزير تجرُّه عربة الحزب، أو الدولة إلى الوراء، أو هو من يجرُّ هذه العربة إلى حافة الهاوية، ليُلْقِي بها في الفراغ، أو مجهول، هو لا يُدْرِك خطورتَه على وجوده نفسه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية