أغلبية الشعب تعاني والدخل لا يكفي احتياجات الأسرة ودعوة لإعادة النظر في المستحقين للدعم الحكومي

حسنين كروم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: سيطرت كارثة قطار محطة مصر، الذي اصطدم برصيف ستة، على اهتمام الأغلبية، لا بسبب عدد الضحايا الاثنين والعشرين فقط، مع أن حوادث مروعة حدثت من قبل وراح ضحيتها المئات، لكن الحزن والغضب بسبب المشاهد التي نقلتها الكاميرات عن احتراق الضحايا، وتفحم جثثهم، وهو أمر أصبح متاحا، بسبب تقدم وسائل التنكولوجيا. والمطالبة بتحميل وزير النقل المستقيل المسؤولية الجنائية عن ضحايا الحادث، واستمرار الإشادة بإنجازاته واعتباره خبيرا دوليا، وتحميل نظامي السادات ومبارك مسؤولية انهيار مرفق السكة الحديد.

وقد تابع الرئيس السيسي حالات المصابين في المستشفيات، وأسند الإشراف على وزارة النقل إلى وزير الكهرباء الدكتور محمد شاكر. وحددت وزارة الكهرباء ثلاثة أشهر من الآن لبدء تشغيل أكبر محطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في إفريقيا في منطقة بنيان في أسوان على مساحة تقترب من تسعة آلاف فدان. وقالت الوزارة إنها تكلفت مئتين وخمسين مليار جنيه، وستنتج كمية كهرباء تعادل تسعين في المئة من إنتاج محطة كهرباء السد العالي.

المطالبة بفتح صفحة السكة الحديد بكل مشاكلها بشرا ومعدات وإدارة والإهمال والفساد يهددان حياة مصر والمصريين

ومن الناحية الأمنية أمر وزير الداخلية اللواء محمود توفيق بشن حملات ضد أوكار البلطجية والجريمة والهاربين من تنفيذ الأحكام في أربع محافظت هي، الشرقية والإسماعلية ودمياط وبورسعيد، لملاحقة هذه العناصر، التي يعتقد الأمن أنها من الممكن أن تكون بيئة حاضنة للإرهابيين، وكذلك مصدر معلومات عنهم للأمن. ولا يزال الاهتمام الأكبر للأسر هو غلاء الأسعار، واقتراب موعد امتحانات الثانوية العامة، واستمرار استفادة الكثيرين في المحافظات من برنامج السيسي «مئة مليون صحة» للكشف على المواطنين مجانا، وعلاج غير القادرين على نفقة الدولة وإجراء العمليات الجراحية لهم. وإلي ما عندنا..

مشاهد حزينة

ونبدأ بأبرز ما نشر عن كارثة القطار في محطة مصر في القاهرة ومقتل أكثر من عشرين وإصابة آخرين في مشاهد حزينة خلعت قلوب الناس جميعا، وكان رد الفعل مصحوبا بالغضب الشديد الذي لم يهدئ منه استقالة وزير النقل هشام عرفات، وتم فتح ملفات الإهمال في هذا المرفق، التي قال عنها هاني عبد الله رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف»: «استقال وزير النقل هشام عرفات من منصبه، وقبلت الحكومة الاستقالة، في رسالة واضحة ومباشرة أيضًا، ألا عودة إلى التراخي، وإلقاء المسؤولية «بشكل منفرد» على أي حلقة من حلقات الإهمال، الكل سواء، القانون لا يعرف الفرق بين الوزير والغفير، ويد العدالة لن تبتعد عن أحد، استقالة الوزير «أي وزير» أو إقالته «في شقها السياسي» لا تُغني، جزمًا، عن استكمال تحقيقات المسؤولية القانونية، أو إجراءات المحاسبة النيابية أمام البرلمان. الأيام المقبلة ستؤكد هذا، فدولة القانون ـ قطعًا ـ تُعبر عن نفسها، فعندما يتصادم «جراران» على شريط واحد للسكة الحديد فهذا ابتداءً، مسؤولية كل مسؤول عن منظومة النقل، وعندما يتشاجر عامل مهمل مع آخر، ويترك الجرار ليحصد أرواح عشرات الأبرياء فتلك جريمة، لا تسقط عن كاهل الصغير والكبير داخل المنظومة ذاتها، ولنا أن نقيس على هذا كل الخروقات في المنظومة نفسها».

الدول الفاشلة

«حادثة قطار محطة مصر مؤلمة وصادمة، فهي مؤلمة من الناحية الإنسانية وغير مسبوقة في تاريخ حوادث قطارات هذا البلد، وصادمة لأنها تعني أن أولويات التنمية لم تضع إصلاح مرفق السكك الحديد كأولوية قصوى، حتى وصل الأمر إلى حادثة على رصيف محطة العاصمة. والحقيقة في رأي عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، أن أسوأ ما يهدد مصر هو الإهمال والفساد وسوء الإدارة والأداء، وهذا التبلد النادر في الإحساس بغالبية الناس، حتى بدا ما يعانيه ويطمح إليه أغلب الشعب في وادٍ، وما هو مطروح من أولويات اقتصادية وتنموية في وادٍ آخر. قضية بناء دولة المؤسسات ومواجهة حالة شبه الدولة، التي تكلم عنها الرئيس، ومخاطر السقوط في الدولة الفاشلة، أمر لا يتعلق فقط بالتحديات السياسية، كما يؤكد الخطاب الرسمي حين يحذر بشكل دائم من خطر الإرهاب، إنما أيضا بسوء الأداء وغياب الرؤية الإصلاحية وعدم الثقة في المجتمع ومساعدته (ببناء دولة القانون) على إخراج أفضل وليس أسوأ ما فيه. لقد عرف العالم تجارب شهدت انتخابات ديمقراطية، وبعضها فتحت بابا لتداول السلطة، ومع ذلك اعتبرت دولا فاشلة من حيث المعايير السابقة، ولعل المثل الكاريكاتيري المضحك المبكي هو الصومال، التي احتلت المركز الأول بين الدول الأكثر فشلا في العالم، رغم أن فيها رئيسًا قيل إنه منتخب، وأحل مكان رئيس سابق، وفيها برلمان يقال إنه يجتمع، كل ذلك لم يخف أو يوقف انهيار مؤسسات الدولة الكامل، وغيابها العملي عن حياة المواطنين، حتى نساها العرب والعالم وباتت مهددة بخطر التحلل والفناء.
والعراق بدوره نموذج آخر لدولة تحاول ألا تكون فاشلة، فهو يحتل المركز الخامس وسط ترتيب يضم 177 دولة في تقرير أصدرته مجلة «السياسة الخارجية» الأمريكية الشهيرة قبل الثورة المصرية بقليل (تحسن مؤخرا) وجاء الثالث عربيا بعد الصومال والسودان، رغم أنه يعرف انتخابات ديمقراطية وتداولا للسلطة، إنما عجز عن أن يبني دولة مؤسسات حقيقية، رغم ثرائه النفطي وإمكاناته الكبيرة. صحيح لو كان هناك في مصر أعظم رئيس وأكفأ حكومة، فلن تحل مشاكل الإهمال والفساد في يوم أو شهر أو سنة، في الوقت نفسه لا يمكن إصلاح مؤسسات الدولة بدون إرادة سياسية تعتبر أن الإصلاح المؤسسي والكفاءة والمهنية، هي قيم عليا قبل أي ولاء سياسي أو أمني، والتوقف عن اعتبار الرتوش الشكلية نوعا من الإصلاح. إن ضحايا مصر من حوادث العبارات والقطارات والطرق السريعة، تفوق ضحايا الإرهاب بمراحل، وحان وقت البحث في تفاصيل الصورة وأسباب الخلل، ولماذا فشلنا في إصلاح منظومتنا الإدارية وتصويب أدائنا السياسي، ولماذا غابت حتى الآن أي خطة قابلة للتطبيق لإصلاح السكك الحديد، ما سيعني الحفاظ على أرواح الشعب لا مجرد إصلاح مرفق عام».

بناء الإنسان المصري

وإلى «أخبار اليوم» ورئيس تحريرها عمرو الخياط، الذي أشار إلى تفشي الفساد والإهمال وقال: «في مواجهة هذه الحالة فإن الدولة باتت ملزمة بإطلاق مشروعها القومي لمكافحة الإهمال، اتساقا مع دعوة السيد الرئيس لبناء الإنسان المصري، إذا كانت الدولة تكافح الفساد المالي، فإن الفساد الإداري هو المورد الرئيسي لكل أصناف الفساد الإهمال هو الأب الشرعي للفساد، الإهمال يستبيح الإنسان المصري فيسلبه حقه أو يمنعه من الحصول عليه، أو يمكن من لا يستحق من الاستيلاء على ما لا يستحق. بناء الإنسان المصري لن يتم إلا بمواجهة حقيقية لهذا الإهمال، بناء الإنسان المصري لن يستقيم مع أجيال ناشئة وسط حالة مجتمعية تألف وتستبيح الإهمال، الآن الجميع أمام مسؤولياته، أفرادا وإعلاما ومؤسسات، الإهمال والدولة لا يجتمعان إما الدولة وإما الإهمال. دولة 30 يونيو/حزيران التي استطاعت أن تهزم الإرهاب لا يمكن أن تستكين للإهمال».

القدرات البشرية

وفي «الأهرام» قال فاروق جويدة إن الوزارة لم تهتم بالعنصر البشري وبالتدريب، وإبعاد السائقين المدمنين وأضاف: «بدأت الحكومة تعرض إنجازاتها والمليارات التي دفعتها لإنقاذ هذا المرفق، الذي انهار تماما في سنوات مضت. الحكومة تؤكد أنها منذ 2014 أنفقت 56 مليار جنيه على السكة الحديد، منها 11 مليارا لاستيراد جرارات و18 مليار جنيه لشراء العربات، وكانت كل هذه المشتريات تستعد لدخول الخدمة، ولنا أن نتصور أن تترك الحكومة هذه المبالغ الضخمة والمعدات المستوردة لهذه القدرات البشرية، التي لا تصلح لشيء، لقد كنا دائما نقول إن أزمة مصر الحقيقية في قدراتها البشرية، التي وصلت إلى أسوأ حالاتها، ومهما كانت المحركات والعربات الحديثة المستوردة، فإن العامل البشري يمكن أن يفسد كل شيء. الطائرة التي ثمنها ملايين الدولارات يمكن أن يسقطها شخص واحد مع سوء القيادة، ولهذا فإن إحدى مشكلات مصر العامل البشري، الذي تخلّف كثيرا، إننا نعلم أننا أمام معدات انتهى عمرها الافتراضي، وأن المطلوب ليس فقط معدات جديدة، ولكننا في حاجة إلى عناصر بشرية واعية، وعلى درجة من الفهم، ليس المهم شراء المعدات، ولكن يسبق ذلك كله تطوير البشر وهذه هي المهمة الصعبة. عزاؤنا لضحايا الحادث الأليم ونرجو أن نفتح صفحة السكة الحديد بكل مشاكلها بشرا ومعدات وإدارة».
قطار المأساة

بينما اقترح زميله في «الأهرام» عبد العظيم الباسل تقسيم المرفق إلى عدة شركات وخصخصة الإدارة وقال: «في كل مرة تقع فيها كارثة في السكة الحديد تتعالى تصريحات المسؤولين بضرورة تطويرها، والإعلان عن خطط تحديثها، باستيراد عربات وجرارات جديدة والمطالبة بهيكلة إدارتها، والاهتمام بتدريب العاملين فيها، في معهد وردان التابع لها، الذي لم ينجح حتى الآن في تقديم كوادر بشرية مؤهلة أو عناصر فنية ذات خبرة للعمل في السكة الحديد، رغم ملايين الجنيهات التي تصرف على برامج التدريب. واذا كان رئيس لجنة النقل في البرلمان قد طالب عقب الحادث بضرورة تغيير لائحة الجزاءات في الهيئة، حتى تكون أكثر صرامة وأشد ردعا، فإن ذلك يؤكد وجود تراخ في محاسبة المقصرين، على النحو الذي كشفه نائبه بأن سائق القطار كان موقوفا عن العمل منذ 6 أشهر، بسبب تعاطي المخدرات. والسؤال من سمح له بقيادة قطار المأساة؟ وأيا كانت أسباب ما حدث فإنها تبدأ وتنتهي بالإهمال الذي لا يقل خطورة عن الإرهاب، فكلاهما يحصد أرواح الضحايا في غيبة من الضمير. إن ما حدث يفرض على وجه السرعة خصخصة الإدارة في السكة الحديد وتفكيك شركاتها كلا على حدة، بدلا من جمعها تحت هيئة واحدة تصعب عليها ملاحقة الإهمال، لذلك فإن استقالة الوزير وحدها لا تكفي».

ذهبوا وبقيت حكاياتهم

لكن بدلا من خصخصة الإدارة اقترح محمد السيد صالح في «المصري اليوم» إسناد الإدارة إلى الجيش والمخابرات، مثلما تفعل الصين، خاصة أن نظامنا كما قال يقترب من نظامها، وأشاد بوزير النقل المستقيل هشام عرفات وبكفاءته وقال: « 6 وزراء للنقل أطاحت بهم حوادث القطارات على مدى عقدين فقط، ذهبوا وبقيت حكاياتهم، لم يتحسن الأداء في السكة الحديد خطوة واحدة للأمام! كل هذه الحوادث المؤثرة بدأت في عهد مبارك وصولاً لحادث الأربعاء الماضي، هل تسببت حوادث قديمة مؤثرة في استقالات أو إقالات للوزراء، لا أمتلك المعلومات، ولكنني أعلم أن حظوظنا من الحوادث الدامية لم تنقطع، منذ جرت القطارات في بر مصر لأول مرة عام 1854. اصطحبنى عرفات بسيارته وبرفقتنا الزميل خير راغب في سيارته الخاصة على طريق شبرا- بنها الحر قبيل افتتاحه التجريبي، كان فخورا بمقدرة الوزارة على تحقيق إنجاز في الطرق يوازى مثيله في الغرب، وبجودة لا تقل عن الطرق التي تنفذها «الهيئة الهندسية»، هو درس في ألمانيا وخبرته المهمة في الأنفاق والكباري، كانت أزمته الكبرى في ملف السكة الحديد وضعف مخصصاتها. أعرف جيدا أن الرئيس يقدره جيدا لكنه ذهب كغيره، ولا أعتقد أن القادم لديه عصا سحرية أو عشرات المليارات ودماءً جديدة لكى يعيد بناء منظومة خربة تمامًا. لن تتحسن منظومة السكة الحديد بتغيير وزير أو محاكمة رئيس هيئة كرسي «النقل» عليه عفريت فوق كل القضبان. ألف دليل على الإهمال أسفل كراسي كل القطارات، آلاف الإقالات والدعاوى والجنايات الجاهزة، نحن في طريقنا لزيادة خطوط السكة الحديد سنوصلها للعاصمة الإدارية وللعين السخنة ولأكتوبر وللعلمين، سننشئ خطا جديدا وسريعا لأسوان، مطلوب إدارة شبه عسكرية أو مخابراتية للسكة الحديد. أزمتنا أننا أقحمنا مؤسستنا الوطنية في مناحي الحياة المدنية، من توفير المأكل والمشرب والسكن، وهي وظائف ليست لها، ولم نكلفها بهذا المرفق المطلوب له الدقة والقوة والالتزام والتدريب. في الصين القطارات تديرها المخابرات والجيش نحن قريبون من الصين سياسيا فلماذا لا نقلدهم في هذا المجال أيضا، ولو بشكل مؤقت حتى تنضبط الأمور؟ أدعو أيضاً إلى ضرورة اختيار سائقي القطارات بدقة مع تأهيلهم في معاهد على غرار معاهد الطيران المدني، مع الاهتمام بالتدريب المستمر لكل العاملين في السكة الحديد. الأمر ليس عيباً، العيب أن نكون الدولة الثانية في العالم التي تسير خطوطاً للسكة الحديد ولا نتعلم من أخطائنا».

الفيسبوك يعدم وزيرا!

«كان حمدي رزق في «اليوم السابع» على على موعد مع الوزير هشام عرفات، وكان يتمنى حسبما يقول، أن يتم اللقاء على متن قطار يجري بنا على خط بنها أو طنطا، وأسجل انطباعاته، وأفكاره، وخططه المستقبلية على وقع عجلات القطار وهو ينهب الأرض وصولا للمحطة التالية، في عملية إنقاذ السكك الحديد التي قررها السيد الرئيس، وتحوي مخططا مدروساً موقوتاً لإعمار ما جرى تخريبه في سنوات عجاف مضت وعبرها قطار العمر. ويواصل الكاتب قوله، أذكر تلك المناقشة على الهواء مباشرة التي تحدث فيها الرئيس من القلب إلى الوزير عرفات، موجهًا حديثه إلى الشعب، بأن تكلفة إصلاح السكك الحديدية بالمليارات ندبرها من لحمنا الحي، ولن نبخل عليها لأنها تحمل أرواحًا، لافتا الانتباه إلى أن الإصلاح جد مكلف لخزينة مرهقة، والأمر يحتاج إلى تكاتف الشعب، ولكن ثعالب الإخوان والتابعين حوروا كلام الرئيس تحويرا إجراميًا، لغرض في نفس من لا يستحون. من الحقيقة الساطعة أن هذا الرجل ساقه القدر الرحيم ليتولى رعاية شؤون المصريين الذين لم يجدوا من يحنو عليهم طويلاً. استقالة الوزير عرفات نوع من اللياقة السياسية، وإحساس بهول المصيبة، ورغبة في تحمل نصيبه من الغرم، نموذج ومثال للوزير المسؤول إذا ما حدث ما ينقض مسؤوليته السياسية والأدبية والوطنية، استقال الوزير في لحظة فارقة شاهد فيها النار تلتهم البشر، وهو عاجز عن إطفائهم، لحظة إنسانية لن ينساها الوزير هشام ولن ينساها أي مصري كان، صدمتنا فجأة، وخطفتنا جميعا، وأيقظتنا فزعين على هول ما نرى من مشاهد رهيبة، والضحايا يفرون من النار، تمسك فيهم النار، يتفحمون على الهواء مباشرة ويدخلون البيوت فزعين عبر سائل التواصل الاجتماعي التي لم ترحمهم أو ترحمنا. الوزير عرفات لم يتحمل المشهد، فاستقال والنار مشتعلة، فقال البعض أراح واستراح، ولا هو أراح أحدًا، هذا رجل كان يعمل بجد في صمت، لكن المصيبة فوق الاحتمال، ولا استراح، يقينا بكى كما بكينا، وتمزق قلبه، وتلخبطت حياته، وصار ينعى أهله بين الضحايا، من ذا الذي قال إنه فرّ من الحريق، الحريق نال منه كما نال من الضحايا، الحريق طالنا جميعا، حرق قلوبنا كافة. الاستقالة هنا واجب، والبعض لا يزال يماري في الحق والواجب، واجب الوزير كان منع هذا الذي حدث، فإن حدث هنا فالمسؤولية تستوجب الاستقالة، ليس لدينا رفاهية الخسارة، الخسارة في حادثة على السكك الحديد وصفا «كارثة»، معركة الوطن لا تحتمل خسارة جديدة، وأي وزير سيخلفه سيواجه بإرث فظيع يجري على السكك الحديد وفي محطاتها وأحواشها التي تحوى عناكب بشرية من ذوات الدم البارد، سائق جرار القطار «المتهم» نموذج ومثال. إعدام الوزير عرفات على حوائط الفيسبوك سهل وميسور، ولكن الحقيقة المؤكدة أن الوزير اجتهد وواصل الليل بالنهار، ولم يجلس في مكتبه يوما، كان يتنقل من قطار إلى مترو الأنفاق، يتفقد الناس بلا حراسة، ويدون الملاحظات في محاولة واقعية، لبحث حلول جذرية لتطوير سكك حديد مصر. لا أملك سوى أن أعزيه في الضحايا، والحق أن الوزير هشام لم يخن الأمانة، بل كان أمينًا مؤتمنًا، ولكن القضاء والقدر له الكلمة في الأخير، والسكك الحديد أطاحت بوزراء كثر، تدهمهم القطارات في كارثة، يقالون أو يستقيلون، والاستقالة خير وأبقى في الذاكرة لأنها تأتي طواعية، تعني الكثير أقلها الاعتبار للبشر، والامتثال لحكم الضمير، الوقوف حدادا على الأرواح البريئة التي صعدت إلى السماء تشكو ظلم أهل الأرض».

جوانب مضيئة

وفي «الجمهورية» اتجه سمير رجب ومحمد عتمان للإشادة ببطولات وشهامة الشباب المصري إذ قال سمير: «في الوقت الذي شاء قدرنا أن يكون لدينا واحد أحمق متهور مثل علاء فتحي، فمعنا أيضا نموذج مشرف هو محمد عبد الرحمن، بائع السوبر ماركت الذي ألقى نفسه في النيران لإنقاذ من امتدت ألسنتها إليهم، تلتهم أجسادهم التهاما، لقد أبلى بلاء حسنا، حيث بذل المستحيل مستخدما المياه تارة و«البطاطين» تارة أخرى، بينما كان يحث غيره على أن يفعلوا مثلما يفعل. مهما كان الحال فإن بنيان مجتمعنا متماسك والحمد لله، وسوف يبقي كذلك حتي نهاية العمر. وكما أن هذا المجتمع يضم بين جنباته غيوم الشر، فهو أيضا يشتد عوده بأيادي الخير. أما مدبولي فقال: أما الدرس الرابع والخامس فيتمثلان في الجوانب المضيئة لهذا الشعب التي تظهر بشكل خاص وقت الأزمات، وتجلت في شجاعة وشهامة الشاب وليد مرضي الذي أسرع يتحدى النيران المشتعلة في أجساد الضحايا ويطفئها بوسائل بدائية «المياه والبطاطين» وساهم وصديق له في إنقاذ 10 أشخاص، والأجمل من عمله الجليل تواضعه في حديثه لوسائل الإعلام، بتأكيده على أنه قام بواجبه وقوله إنه لم يفكر حين رأى وسمع أصوات استغاثة الضحايا، سوى في كيف يمكنه أن يخمد النيران التي نشبت في أجسادهم، والشهامة كانت السمة الغالبة على تصرفات المصريين، حتى عهد قريب وليس من الصعب عودتها عبر إعلام واع يبث الفضيلة والقدوة الصالحة، وعبر تعليم متطور يغرس فينا القيم الأصيلة، ويحافظ على هويتنا، ويحصن شبابنا أمام الغزو الفكري الأجنبي. والجانب المضيء الآخر يتمثل في مبادرة الشعب من جميع الفئات والأعمار للتبرع بالدم لضحايا الحادث، وتشهد على ذلك الطوابير الطويلة أمام مراكز التبرع في المستشفيات. رحم الله كل الشهداء وحفظ الله مصر وأهلها ورد كيد أعدائها في نحورهم».

اقتراحات للحكومة ووزارة التموين

أما علاء عريبي في «الوفد» فيقول: «بالفعل إعادة النظر في المستحقين للدعم أصبح من الضرورات، صحيح أن أغلبية الشعب تعاني، والدخل لا يكفي احتياجات الأسرة، لكن الدعم يجب أن يقتصر على مستحقيه، ليس من المنطقي أن يدعم القادر على شراء السلع بأسعارها السوقية. وتنقية الجداول سوف يوفر كثيراً لخزينة البلاد، كما أنه سوف يتيح للحكومة توجيه المبالغ التي يتم توفيرها للإنفاق على مشروعات أخرى. وفي السياق ذاته نقترح على الحكومة ووزارة التموين بعد تنقية الجداول، وحصر الأعداد فيمن تراهم يستحقون بالفعل الدعم، أن تقوم الوزارة بتصنيف المستحقين إلى شرائح حسب الحاجة، على سبيل المثال، الشريحة الأولى تخصص لأهالينا الأكثر فقرا، والثانية للفقراء، على أن تشمل الشريحة الأولى جميع الفئات التي تعيش تحت خط الفقر، مثل: السيدات المعيلات، العمالة غير المنتظمة، أصحاب المعاشات، ممن يقل دخلهم الشهري عن 2000 جنيه، وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة في حصرهم. الشريحة الثانية تخصص للفقراء أو الفئات التي لا يكفي دخلها احتياجاتها الأساسية، وللحكومة أن تضع ضوابط وشروطاً لحصر هذه الشريحة، خاصة أن أعدادها تصل إلى الملايين، لارتفاع نسبتها بين نسبة السكان بشكل عام. الهدف من تصنيفنا هذا هو إعادة النظر في توزيع السلع، خاصة الخبز، إذ نقترح على الوزارة توزيع الخبز المدعم على الشريحة الأولى فقط، وأن تقوم الوزارة ببيع الخبز نفسه بسعر أعلى للشريحة الثانية بعيداً عن أسعار الخبز الحر، وليكن سعر الرغيف 10 قروش أو 15 قرشاً، ونعتقد أن العدالة الاجتماعية تقتضى هذا، ليس من العدل مساواة من هم تحت خط الفقر بمن هم فقراء أو من متوسطي الحال، يجب أن نعيد النظر في تسعير السلع المقدمة، لا نقصد رفع الدعم، بل تدرجه، تفاوت سعر السلعة داخل الدعم من شريحة إلى أخرى، على سبيل المثال: يباع الخبز للأكثر احتياجا بسعر 5 قروش، ويباع للشريحة الثانية بـ10 أو 15 قرشاً، ويباع للشريحة الثالثة بـ20 قرشاً، الشيء نفسه يتبع مع بعض السلع الأخرى، من هنا يمكن أن نطبق عدالة اجتماعية حقيقية بين الشرائح، ويمكن أن نوفر أيضاً مبالغ كبيرة وتوجيهها إلى خدمات أخرى للفئات نفسها، في العلاج، في التعليم، في المواصلات وغيرها. ونقترح أيضا إعادة النظر كل ستة أشهر، أو كل عام في المستحقين للدعم، وفي الشرائح، وتنقية الجداول ممن تغيرت ظروفهم للأفضل أو للأسوأ، باستبعاد من تحسنت ظروفهم من جداول الدعم، وتصعيد بعضهم إلى شريحة أخرى والعكس. ونقترح أخيراً ألا يقتصر الدعم على السلع فقط، بل يشمل الصحة، والمواصلات وغيرها من الخدمات التي تحتاجها هذه الشرائح».

التعديلات الدستورية

وإلى التعديلات الدستورية التي تراجع الاهتمام بها كثيرا بعد أن خطفت كارثة القطار الاهتمام ومع ذلك واصل يوسف سيدهم رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة «وطني» مناقشتها وقال عن التمديد للرئيس السيسي: «دعونا‏ ‏أولا‏ ‏نعترف‏ ‏بأن‏ ‏الرغبة‏ ‏في‏ ‏إطالة‏ ‏فترة‏ ‏الرئاسة‏ ‏من‏ ‏أربع سنوات‏ ‏إلى‏ ‏ست‏ ‏سنوات‏ ‏ليست‏ ‏رغبة‏ ‏مطلقة،‏ ‏تستهدف‏ ‏إطالة‏ ‏أمد‏ ‏رئاسة‏ ‏رؤساء‏ ‏لا‏ ‏نعرفهم‏ ‏سيخلفون‏ ‏الرئيس‏ ‏السيسي‏، ‏إنما‏ ‏هي‏ ‏رغبة‏ ‏ملحة‏ ‏لتثبيت‏ ‏الرئاسة‏ ‏الحالية‏ ‏للرئيس‏ ‏السيسي‏ ‏استشعارا‏ ‏بالإنجازات‏ ‏العظيمة‏ ‏التي‏ ‏حققها‏ ‏خلال‏ ‏فترة‏ ‏حكمه‏ ‏وقيادته‏ ‏للبلاد‏ ‏على‏ ‏الأصعدة‏ ‏السياسية‏ ‏والأمنية‏ ‏والاقتصادية‏، ‏وغيرها‏ ‏من‏ ‏مجالات‏ ‏التطوير‏ ‏والإصلاح‏، ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏يخلق‏ ‏توجسا‏ ‏حول‏ ‏ضمان‏ ‏استمرار‏ ‏ذلك،‏ ‏وعدم‏ ‏تعثره‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏انقضاء‏ ‏فترة‏ ‏رئاسته‏ ‏الثانية‏ ‏عام‏ 2022 ‏وصعود‏ ‏شخص‏ ‏غيره‏ ‏إلى‏ ‏السلطة،‏ ‏بموجب‏ ‏الدستور‏ ‏الذي‏ ‏يحظر‏ ‏تجديد‏ ‏انتخاب‏ ‏الرئيس‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏مرة‏ ‏واحدة. ‏‏كما‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏نعترف‏ ب‏أن‏ ‏التوجس‏ ‏من‏ ‏صعود‏ ‏شخص‏ ‏آخر‏ ‏إلى‏ ‏السلطة‏ ‏حال‏ ‏انقضاء‏ ‏الفترة‏ ‏الثانية‏ ‏للرئيس‏ ‏السيسي‏ ‏عام‏ 2022 ‏مبعثه‏ ‏واقع‏ ‏الفراغ‏ ‏السياسي،‏ ‏وتلكؤ‏ ‏الإصلاح‏ ‏الحزبي،‏ ‏وانعدام‏ ‏الرؤية‏ ‏في‏ ‏قدرة‏ ‏التكتلات‏ ‏الحزبية‏ – ‏التي‏ ‏طال‏ ‏انتظارها‏- ‏عليى ‏إفراز‏ ‏وتقديم‏ ‏قيادات‏ ‏سياسية‏ ‏تستطيع‏ ‏إقناع‏ ‏الجماهير‏ ‏بقدرتها‏ ‏على‏ ‏القيادة‏ ‏ومواصلة‏ ‏مسيرة‏ ‏الإصلاح‏ ‏والتطوير‏ ‏والعمل‏ ‏المضني‏ ‏الدؤوب‏، ‏التي‏ ‏اضطلع‏ ‏بها‏ ‏الرئيس‏ ‏السيسي‏.‏ ‏لكن‏ ‏تبقى‏ ‏أسئلة‏ ‏في‏ ‏غاية‏ ‏الأهمية‏ ‏معلقة‏ ‏تبحث‏ ‏عن‏ ‏إجابات‏، ‏وهي‏ ‏أسئلة‏ ‏دستورية‏ ‏أتصور‏ ‏أنها‏ ‏تقتضي‏ ‏إجابات‏ ‏دستورية‏ ‏أيضا‏، ‏كما‏ ‏أتصور‏ ‏أن‏ ‏تلك‏ ‏الإجابات‏ ‏يتحتم‏ ‏أن‏ ‏تتبلور‏ ‏الآن‏ ‏ونحن‏ ‏في‏ ‏مرحلة‏ ‏مناقشة‏ ‏التعديلات‏ ‏الدستورية،‏ ‏لتكون‏ ‏هادية‏ ‏للجميع‏ ‏قبل‏ ‏الذهاب‏ ‏لصناديق‏ ‏الاستفتاء‏».

لا تنمية بدون دستور يُحترم

وفي «الشروق» حذر عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ النظام بأنه سيواجه اضطرابات ضخمة إذا عدّل أو ألغى الدستور، وقام بتخويفه، أي تخويف النظام بأن ذكره بما فعله رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا عام 1930، عندما ألغى دستور سنة 1923 الذي صدر بعد الثورة الشعبية في مارس/آذار 1919 ضد الاحتلال البريطاني وقال: «تولى صدقي رئاسة الحكومة بمرسوم صدر من الملك فؤاد الأول في 19 يونيو/حزيران عام 1930ومنذ تنصيبه سعى إلى كتم أنفاس البلاد والعباد بالعنف والقمع سجن المعارضين، وعمل على إسكات الصحافة وحصارها، فعطل عشرات الصحف وحبس في محاكمات مصطنعة عشرات الصحافيين وقنن ذلك عبر تعديل قانون العقوبات وقوانين الصحافة والمطبوعات، وأخرج بالاتفاق مع السراي دستور 1930 الذي منح الملك صلاحيات واسعة على حساب البرلمان. لم يمنع قمع صدقي وجبروته أصحاب الرأي من ممارسة حقهم الطبيعي في الدفاع عن حرية الشعب، وعن منجز ثورة 1919 وكان صدقي قد تولى الوزارة عقب تقدم وزارة حكومة مصطفى باشا النحاس باستقالتها، إثر محاولات الملك عرقلتها، ووصلت الأزمة إلى ذروتها بعد رفض فؤاد التصديق على قانون لمحاكمة الوزراء الذين ينقلبون على الدستور، أو يقومون بحذف حكم من أحكامه، أو تعديله بغير الطريق الذي نص عليه الدستور. لا استقرار ولا تقدم ولا تنمية بدون دستور يُحترم، يحدد القواعد ويرسم العلاقات والعبث والتلاعب بنصوصه، لن يفضى إلا إلى اضطرابات وكوارث فتعود الأمة إلى العصور الحالكة».

اغتيال حديقة عامة

«أشعر في الكثير من الأحيان بأن يداً خفية تبحث في البلد عما هو جميل، ولا يهدأ لها بال حتى تهيل فوقه التراب، كما يعتقد سليمان جودة في «المصري اليوم»، ويبرر اعتقاده هذا بالتساؤل، وإلا فما معنى أن تهجم إحدى شركات الإسكان التابعة للقطاع العام على حديقة البرج في المعادي، فتقتلع أشجارها ونخيلها، تمهيداً لإقامة مول فوق أنقاضها؟ إن ما حدث من جانب الشركة في حق أبناء المعادي هو ضد ما يقوم به رئيس الجمهورية في هذا الشأن على طول الخط وعرض الخط أيضاً. فالرئيس يتبنى مبادرة ترفع شعار «حياة كريمة» ولابد أن معنى الحياة الكريمة التي تقصدها المبادرة وتسعى إليها، ليس فقط أن يأكل المواطن، أو أن يشرب، ولكن معناها بالتأكيد أن يجد هذا المواطن هواء نقياً يتنفسه، ولن يتاح الهواء من هذه النوعية إلا في حديقة عامة، من نوع ما قامت بلدوزرات الشركة بتسويتها بالأرض. والرئيس لا يتوانى عن حضور المناسبات العامة الخاصة بالبيئة، ولا عن دعمها بكل ما هو ممكن، فإذا جاءت شركة لتفسد هذا كله، فليس أقل من وقفها على الفور عما تفعله، وليس أقل من إعادة الشيء في الحديقة إلى أصله، وليس أقل من رد الاعتبار لكل واحد من أبناء الحي الهادئ، الذي من حق أبنائه على الدولة أن يظل هادئاً، وألا تسمح هناك بأي تخريب من نوع ما جرى. إنني أتكلم عن قضية أعم من الحديقة المعنية، هي حق كل مواطن في أن تُتاح له بيئة نظيفة في كل مكان، ولا أتحدث فقط عن حي المعادي، أو عن حي الزمالك، أو حتى عن مدينة المنصورة، التي اشتهرت بأنها عروس الدلتا، ولم تكن تتحسب لوجود مصنع سماد طلخا بالقرب منها، الأمر الذي لوث كل شيء في حياة الناس، وهو ما أشرت إليه في هذا المكان قبل أيام، وأعيد الإشارة إليه من جديد لعل وعسى. وأفعل ذلك لأن على المحافظ كمال شاروبيم أن يتحرك هناك، وأن يبحث للناس في المنصورة وضواحيها عن حل، فهذه مهمته، وهذه مسؤوليته، وليس من المقبول أن يترك المشكلة حتى تتضخم وتصل إلى باب الرئيس من خلال استغاثات عاجلة. ولا يجوز أن تكون قضية الحديقة العامة التي جرى ويجري اغتيالها في المعادي، على مسافة أمتار من مكتب الدكتورة ياسمين فؤاد، وزيرة البيئة، ثم يبحث المتضررون عن الوزيرة، فلا يجدونها، وينتظرون موقفاً مسانداً من جانبها، فلا يعثرون لها على أثر. إذا لم تنتصر الوزيرة فؤاد لكل قضية بيئية ذات صلة مباشرة بالصحة العامة، وإذا لم تقف إلى جوار أبناء الحي، وغير أبناء الحي في القضايا المماثلة، فمن سوف ينتصر، ومن سوف يقف؟ اغتيال أي مساحة خضراء هو اعتداء على روح الإنسان لا يليق السكوت عليه».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية