أغيوم أم حجر أعمى؟

حجم الخط
0

لو لم يصطدم القطار في ذلك اليوم الغائم بطيف شعاع لما تعرض لعطل طارئ عند المنحدر الصخري بين أعلى الجبل والبحيرة قرب أشجار الجكرندا ؛لو لا ذاك الحادث الطارئ لما اختارني من بين المسافرين ولظل مقعدي شاغرا.
كل مقعد خال أمام نافذة في القطار
هو مقعد الغريب
ذكرى فرح غائب،
مزيج بين الألفة والوحشة،
أنت وظلك،
وحنين الظبي للندى.
***
كان بوسع القطار أن ينجو من الكمين ويتقمص دور حطاب الوهم ويمزج في صفيره بين نداء الأيائل وعويل الذئاب.
إلا أن القاطرة حصان قديم
المحطة اختراع غجري
وسكة القطار سؤال الغربة الطويل
والريح دليل المسافر.
كان بوسع القطار ألا يصدق وحشة الذئاب ؛ ألا يطمئن لوداعة اليقين ؛ألا يتمادى في توغله في غابة البياض
لكن النافذة كائن ليلي يصطاد طرائد الوجود
والغيوم جسد الأبد وروح العابر
والريح دليل المسافر.
أهي غيوم تقودها الصدفة أينما تشاء
أم جسور تربط الواقع بالمجاز؟
أهي قافلة ذئاب أم حقول عنب مكتنز ؟
يخيل إلي الآن أنها قطيع من الأيائل على حدود الخطر
هو حصتي من توغلي في الوجود
يوما ما
سأقوده حتما
إلى حافة السديم.
***
ما أراه

يسأل القطار
لا تطمئن لما يقوله الظمأ لماء يلمع
ففي خيال الذئب الظبي ظبي
وفي خيال الرمل الماء هو الأخ الشقيق للسراب
أما ما أراه
فهو مسلكي الخاص في المدى
تجيب النافذة.
***
كان بوسع النافذة أن تتجنب فتنة الأفق وتتحاشى سؤال المصير (هل هذه العربات التي تجري في رأسي تحمل الغيوم؟) وتكف عن كتابة هذا النص إلى نهايته من دون أن تقترح خيارات العودة. لو لم يتحامل القطار على دهشة النافذة ويقفز من علو شاهق في اتجاه السديم. كان من الممكن أن يلتفت القطار إلى الوراء كي يتأكد من غرابة ما يحدث له
كما يفعل الراسخون في السراب،
كما يفعل الواثقون في الماء
كما يفعل الغرقى العائدون من قمر حزين.

أجمل ما يفعله القطار أنه يتحاشى الالتفات إلى الوراء.
الكتابة أيضا تفعل ذلك.

***
للكتابة مهمة النوافذ في القطار.
إنها تسند الذاكرة، تحمي الدهشة من الانهيار، وتنسج الكائن نسيانا هناك حيث الحاضر يسرق المستقبل والعابر الأبدي. هناك حيث الأشياء تستعيد رغبتها في الطيران. ففي الكتابة كما في قطار الغرباء كل شيء يستأنف لعبة الركض خلف المصائر، الأشجار
والريح
والغيوم
والجبال.

الكتابة حالة اختطاف العالم
في مهب لحظة تشظيه السحري.
نوافذ القطار أيضا تفعل ذلك.
***

قف أيها القطار
اليد التي تكتب شعرا لا تشيخ

الوحشة قدر الذئاب
وقدري أنا أن أعبر في السراب
وأكتب خطاب الغيوم
وارسم فيما أنا ذاهب إليه

أنا أيضا يا غيوم أكتب باسم مستعار – رشيد منسوم
وذاهب إلى البعيد … البعيد
ولست أدري ما سأفعل هناك.
هويتك أن تقايض الحياة بالدهشة
وهويتي أن أتوغل في المجهول.
دهشتي عصاي
ووجهتي المجهول

بالتأكيد والت ويتمان ذلك الشاعر الأمريكي القروي كان على حق. أجمل قصيدة نثر نكتبها هي الموت. نكتبها بعينين شبه مغمضتين عن العالم، لا نفعل شيئا سوى أننا نستأنف الركض خارج سياج اللغة… عيناي ما ذنبهما إذا كنت أجهل طريقهما إلي؟ ربما كانتا يوما ما لجدة من قبيلة المايا أو لطائر أفريقي أو لميت أرهقه الموت

ثمة دائما شيء ما يربطنا
إلى المجهول

وما المجهول؟

رائحة زهرة اللوتس
خروج الضوء عن طاعته
أم مسافة شاغرة للركض؟

عيناي تعلمان أن ويليام أديسون الذي أكتشف الكهرباء هو نفسه من سرق شهوة الليل.
عيناي لا تكترثان لأسئلة الضوء بالكاد تقوى على صياغة احتمالات العتمة

سحقا لك يا ويليام
سحقا
لقد اختطفت شهوة الليل!
انتباه! قطار الغرباء سيدخل العتمة

هل الموت موت
إلا لأنه يحرمنا من حصتنا اليومية من الدهشة؟
(ربما هي مواخذتي الوحيدة على الموت)
هل بوسع القطار أن يجري خارج الاستعارة العظيمة؟
هل بوسع النافذة أن تتوغل بين الوردة وشهوتها؟
أنا لا أسأل لكي أجاب
لكن لأعمق جرح الفراش
وأصرخ على قطيع لغيوم ليس لي
على طريق الخطر
ولأقول للحجر الأملس في الوادي
أني منذ هذه اللحظة
أدرب موتي على الدهشة
وذاكرتي على النسيان.

*شاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية