أفلام مصرية خذلها الجمهور وأفسدتها الأيديولوجيا

كمال القاضي
حجم الخط
0

عبر أزمنتها المختلفة لم تستمر السينما المصرية على وتيرة واحدة، بل تباينت في طرحها وأفكارها ومضامينها وشكلها، وقد أخذت كل مرحلة من مراحلها سمة خاصة فأدى ذلك إلى ثرائها واختلافها، وتبعاً للمراحل التي مرت بها السينما في مصر جاءت إبداعات مخرجيها الكبار تحمل بصماتهم الفكرية والفنية وتعبر عن قناعتهم السياسية والأيدلوجية، فهناك من انتصر للرؤية الفنية وهناك من ركز في المضمون السياسي كي يُسجل لنفسه وللتاريخ رأيه بوضوح في ما يشغله من قضايا ومُشكلات وأحداث.
على رأس المخرجين والمبدعين الذين اهتموا بالسينما كصناعة وإبداع وفرجة، المخرج يوسف شاهين، فقد فطن مبكراً لخطورة التعويل في أفلامه على وعي المثقفين فقط وتقديم جرعات سياسية زائدة عن المطلوب، ولهذا توخى الدقة في طرحه وحرص على أن تحمل أفلامه كافة عناصر الجذب بنسب متساوية، خاصة في أعماله الأولى الشهيرة كفيلم «صراع في الوادي» وفيلم «الأرض» وفيلم «باب الحديد» وهي النماذج الجماهيرية بامتياز في حصيلة إبداعه السينمائي كله تقريباً مُحققاً التوازن المطلوب في معادلة النجاح قبل عدوله عن هذا الاتجاه وانشغاله بأفلام الإنتاج المُشترك وقبوله بشروط التمويل الفرنسي وتقديم أفلام ذات طبيعة فكرية وفلسفية كـ»المهاجر» و«المصير» و«الآخر» و«عودة الابن الضال» و«الاختيار» و«العصفور» و«اليوم السادس» و«حدوتة مصرية» و«إسكندرية ليه؟» وغيرها من الأنماط المختلفة التي أثارت في حينها جدلاً واسعاً.
وبهذه المجازفة خسر يوسف شاهين نسبة غير قليلة من جمهوره، لا سيما جمهور القاعدة العريضة من عموم المشاهدين الذين حاول إعادتهم في أيامه الأخيرة بفيلم «هي فوضى» ونجحت محاولته إلى حد ما لكن بعد فوات الأوان.
كذلك تنبه المخرج الكبير صلاح أبو سيف منذ رحلته الإبداعية إلى ضرورة ربط الجمهور كله بدون تمييز بأفلامه مُدركاً لأهمية أن تكون السينما للجميع فقدم سلسة من أهم الأفلام الواقعية، «بداية ونهاية» و«شباب امرأة» و«القاهرة 30» و«الفتوة» و«السقا مات» و«بين السماء والأرض» و«المواطن مصري» ولم يبالغ في مسألة التضمين السياسي الغامض برغم أن جميع أفلامه حملت هذا البعد، بيد أنه في تجربة خاصة جداً قدم الحدوتة السياسية بشكل رمزي في فيلم البداية وقد استوعبها الجمهور وتفاعل معها، كون الحالة السينمائية والفكرية كانت جلية وواضحة. ويُعد أبو سيف من أبرز المخرجين الذين نجحوا بجدارة في الجمع بين المدرستين، الرمزية والواقعية في الكثير من أفلامه.
أما المخرجون الذين غلبت على أفلامهم النبرة السياسية المُعارضة فيبرز من بينهم بالقطع المخرج توفيق صالح، حيث كان من المُغرمين بتسجيل رأيه السياسي وإعمال الحاسة النقدية في كل تفصيلة من تفاصيل الفيلم. فهو صاحب الرؤى الجريئة في أفلامه «المخدوعون» و«المتمردون» و«درب المهابيل» كما أن لغته السينمائية تميزت واختلفت تماماً عن أبناء جيله من المخرجين، لكنها كانت عصية على الفهم والاستيعاب بالنسبة للسواد الأعظم من الناس لذا عاشت سينما توفيق صالح مُغتربة في مناخ غير مناخها ومحيط غير محيطها، فقد انعكست ثقافته واغترابه على معظم أفلامه فعاش هو وإبداعه في عزلة تامة. المخرج يسري نصر الله أيضاً من المخرجين المتميزين النخبويين العائشين في فلك سينمائي خاص، والموجهة أفلامه إلى نماذج معينة من الجمهور، إذ تميزت أفلامه المعروفة «سرقات صيفية» و«مرسيدس» و«المدينة» و«باب الشمس» بالخطاب الثقافي الاستثنائي فوضعت مسافة بينة وبين الجمهور العادي وجعلته يخضع في عملية التقييم إلى مقاييس ومعايير خاصة، فهو برغم تميزه الشديد كمخرج إلا أنه ليس ضمن المخرجين الشعبيين الذين تُحقق أفلامهم مُعدلات رقمية مُرتفعة في شباك التذاكر، فهو لا يعتمد على الأفكار الدراجة في أطروحاته ولا يعتني كثيراً أو قليلاً بالتوابل الحريفة والمُشهيات التي تجذب الجمهور وتُثير شهيته، والتجربة الوحيدة التي حاول الاقتراب فيها من الذوق الشعبي وهي فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» لم تُحقق المرجو منها كما كان متوقعاً.
وقد عانى المخرج الراحل هشام أبو النصر من هذه المُعضلة، فهو كمثقف وأكاديمي لم يستطع الإفلات من طبيعته فعمد خلال مشواره السينمائي تقديم ما يُرضي غروره ويُعبر عن آرائه وقناعاته، فأنجز عدة أفلام كان من بينها، «قهوة المواردي» و«الأقمر» و«البيات الشتوي» و«خطة بعيدة المدى» و«العصابة» و«الغيبوبة» وحرص في كل هذه التجارب أن يكون مُغايراً، لكن فشلت حساباته فلم يستطع تحقيق التواصل المطلوب مع الجمهور المُستهدف إلا في حدود ضيقة للغاية، لأن المسافة بين ما يريده السوق وما تقبله طبيعة المُبدع ظلت عائقاً.
الأمر نفسه ينطبق بقوة على المخرج سيد سعيد صاحب التجربة الوحيدة الفريدة في مجال الفيلم الروائي الطويل «القبطان» ذلك الفيلم الذي حصد العديد من الجوائز في المهرجانات الدولية، بينما لم يستمر في دور العرض المصرية أكثر من بضعة أيام لذات الأسباب المذكورة سلفاً وهي عدم قدرة المُشاهد العادي على استيعاب ما تم طرحة من أفكار سياسية وفكرية وفلسفية وتعالي الخطاب السينمائي بدرجة كبيرة على المُتلقي.
لم يفلت من شرك الأزمة المُشار إليها غير بعض المخرجين الذين امتلكوا خبرة التوظيف الدقيق لأدواتهم الإبداعية والجمع بين ما يُعجب الجمهور وبين ما يُحقق لهم الرضا النسبي على المستوى الشخصي، من هؤلاء المخرجين الكبيرين داود عبد السيد وخيري بشارة فكلاهما صنع سينما راقية بمواصفات مُختلفة وشروط مقبولة، فقدم الأول «الصعاليك» و«سارق الفرح» و«الكيت كات» و«رسائل البحر» وقدم الثاني «يوم مر ويوم حلو» و«أمريكا شيكا بيكا» و«إشارة مرور» و«آيس كريم في جليم» وتجارب أخرى مهمة.
وبهذه العينات المُختارة نكون قد أشرنا إلى أزمة السينما المصرية والأفلام التي شكلت محنة لمخرجيها بابتعادها عن مُعطيات التجارة والترويج والتمسك بالقيمة الإبداعية والموضوعية ولو على حساب الإيرادات ومعيار الانتشار والنجاح الجماهيري.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية