أفلام 2019: انتخبها الجمهور وفازت بالجوائز

كمال القاضي
حجم الخط
0

كثيرة هي الرؤى السينمائية التي طُرحت خلال عام 2019 وتناولت قضايا مختلفة، تنوعت بتنوع الكتابات والثقافات ومواطن الإنتاج، ولكن القليل من تلك الأطروحات السينمائية هو الذي أحدث الصدى وترك الأثر. ولأن السينما هي اللغة العالمية والثقافة السمعية والبصرية، العابرة للحدود بغير حواجز ولا تأشيرات سفر، فقد تعين في ظل هذه الخصوصية أن نُلقي الضوء على أهم الأفلام العالمية والعربية لنرصد درجات التفاعل والتأثر بلغة التواصل الفريدة، والتي تنعكس من خلال حجم الإقبال الجماهيري والتقييم العام الذي يحدد في أحيان كثيرة بوصلة التوجه ويُبرز أوجه التميز والتلاقي الثقافي بين الشعوب.

الجوكر

ولتكن البداية من الفيلم الأمريكي “الجوكر” للمخرج وكاتب السيناريو تود فيليبس، باعتباره الفيلم الأكثر حظاً في تميزه الفني وردود الأفعال الإيجابية التي صاحبت عرضة الأول وأدت إلى ضجة نقدية وجماهيرية واسعة الصدى والتأثير، أخذت ملامح عديدة من الاهتمام، من بينها حصوله على جائزة الأسد الذهبي من مهرجان فينسيا السينمائي وهي الجائزة الأعلى قيمة وتقديرا، فضلاً عن حصد الفيلم لأكثر من مليار دولار على مستوى الإيرادات، مما جعله يحتل المرتبة 42 كأحد أهم الأفلام على مستوى العالم وأعلاها ربحاً.

وقدم الفيلم الذي قام ببطولته النجم خواكين فينيكس رؤية اجتماعية وإنسانية وسيكولوجية لحياة مهرج يعيش في مدينة فقيرة تتسم الحياة فيها بالبؤس والجريمة، وفي ظل الظروف الصعبة يُصاب البطل آرثر بنوع من الاضطراب النفسي فيدخل مستشفى حكومي للعلاج وهو المتعايش على منحة التضامن الاجتماعي، لكنه في الوقت نفسه يتمتع بموهبة كبيرة تلفت إليه النظر كونه يقوم بأعمال بهلوانية تسخر من الحياة القاسية وتعبر عن رفضه للظواهر السلبية التي تؤدي إلى معاناة الشعب، فيكتسب آرثر بذلك حب وتعاطف الجماهير ويصبح شخصية مرموقة اجتماعياً وفنياً.

الأيرلندي

ويمثل فيلم “الأيرلندي” للمخرج مارتن سكورسيزي علامة من العلامات الفارقة في السينما الأمريكية حديثة الإنتاج، فقد جمع بين ثلاثة نجوم كبار من الحاصلين على جائزة الأوسكار، آل باتشينو وروبرت دينيرو وجو بيتشي، الأمر الذي ضاعف من أهميته وأكسبه ثقة الجمهور والنقاد، فتحول من مجرد فيلم سينمائي إلى حدث فني كبير احتفت به معظم الأوساط السينمائية وامتلأت به دور العرض  داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، فضلاً عن مشاركته في العديد من المهرجانات الدولية الكبرى التي كان آخرها مهرجان القاهرة السينمائي، حيث افتتح به مؤخراً دورته الحادية والأربعين.

ويناقش فيلم “الأيرلندي” في إطار بوليسي مثير واحدة من قضايا المجتمع الأمريكي المهمة في الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث تفشي ظاهرة القتل والخطف والسرقة، ويركز بصفه خاصة على الجريمة الأكثر غموضاً في سجل الجرائم الأمريكية، وهي المتعلقة باختفاء الزعيم النقابي جيمي هوفا والذي يجسد شخصيته آل باتشينو في محاولة لفتح ملف الجرائم السياسية والعلاقات المشبوهة المتشابكة بين زعماء المافيا ورجال السياسة والسُلطة.

ويحتل هذا المحور مساحة درامية واسعة يتصدرها روبرت دينيرو بتجسيده لشخصية واحد من زعماء العصابات الخطرة، وفق السياق العام للأحداث والفكرة الجوهرية التي تعمل على فضح التاريخ المجهول للولايات المتحدة الأمريكية ودلائل القسوة في طبيعة السلوك الخاص لتنظيمات السُلطة والمال والنفوذ.

الخيال العلمي

ولم تخرج أفلام الخيال العلمي بصياغتها الأمريكية من دائرة التميز والمنافسة في عام 2019 لكنها قدمت صوراً مدهشة من الإثارة والمتعة، معولة بالأساس على الحالة الافتراضية التي تُفسح المجال الكامل للحُلم أمام المواطن الأمريكي ليعيش ويُبدع ويبتكر، وهي نوعية خاصة من سينما تأثيرية تعمل على التنشيط الذهني والنظر لأبعد من الواقع، هذه الأجواء توافرت في فيلم “الزجاج” بطولة بروس ويلز وصمويل جاكسون وسبنسر برايت كلارك وشارلين ووادرد، والفيلم يحكي قصة البطل ديفيد دون الذي يختبئ في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية ليكون بجانب عدوه اللدود جلاس بتواطؤ من الطبيب الذي يُثبت من خلال التقارير الطبية المزيفة أنه مريض ويحتاج بالفعل لعلاج داخل المستشفى.

وتُصاغ الأحداث في قالب بوليسي مشوق ويعمل المخرج نايت شيمولن على إدخال بعض المفاجآت الدرامية كنوع من الإثارة وهي طريقة متبعة في أفلام الخيال العلمي، وتوحي الفكرة العامة للفيلم بأن البطل يشبه الزجاج الصلب غير القابل للكسر وهو يقدم نموذجاً خيالياً لصلابة الإنسان في مواجهة الظروف الصعبة التي تهدد أمنه وحياته.

الورثة

“الورثة” هو عنوان الفيلم الفرنسي ذو الطابع الإنساني الذي يمثل نوعية رائجة في السينما الفرنسية والتي تعمل على ترسيخ القيم الإنسانية وتهتم بتقديم الحالات الاستثنائية على مستويات مختلفة، كما في الرؤية الإخراجية لماري كاستيل. حيث تدور الأحداث حول شخصية مُعلمة بإحدى المدارس الفرنسية تحاول تقديم النموذج الأمثل لمعنى البطولة والمقاومة لطلاب الفصل الأول الثانوي، فتنظم مسابقة قومية للطلاب الضعفاء في التحصيل الدراسي يكون محورها المقاومة كعنوان رئيس وهدف أساسي، ومن خلالها يتم تحفيز الطلاب على التحدي والإنجاز ومقاومة الضعف، وتنجح الفكرة وتغير من مستوياتهم تغييراً جذرياً.

روما

ويعد الفيلم المكسيكي “روما” للكاتب والمخرج ألفونسو كوارون نموذجاً لسينما متطورة من حيث الصناعة والماهية الموضوعية لما تطرحه من قضايا تمس في المقام الأول المواطن المكسيكي، وهي هموم ترجمها بصدق فيلم “روما” الذي تدور أحداثه حول حياة عائلة تنتمي للطبقة المتوسطة وتعيش إبان فترة السبعينيات، ظروفا جد صعبة في ظل متغيرات اجتماعية متلاحقة تؤثر سلباً على المستوى المعيشي للسكان، وفي هذا الإطار تتم المعالجة بشكل إنساني، أتاح للأبطال، فيرو نيكا غارسيا وناتسي غارسيا ومارينادي تافيرا، فرصة التعبير عن قدراتهم التمثيلية وأدخلهم عالم المهرجانات والجوائز من أوسع الأبواب، حيث حصل الفيلم على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وجائزة أفضل تصوير سينمائي.

 

السينما العربية

وحول تميز السينما العربية في عام 2019 تأتي النوعيات الإنسانية والمركبة من الأفلام في المقام الأول، فهناك على سبيل المثال الفيلم التونسي “بيك نعيش” للمخرج مهدي برصاوي والذي عُرض في القاهرة ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي وحصل على نصيب الأسد من الجوائز المهمة، من بينها جائزة صندوق الأمم المتحدة التي تُمنح للأفلام الأكثر تميزاً، كما حصل أيضاً على جائزة لجنة التحكيم الخاصة وجائزة أفضل فيلم عربي. وتتمحور القصة الواقعية حول أسرة أصيب عائلها في أحداث ثورة الياسمين فعجزت عن توفير المطلوب من مقومات المعيشة، بالإضافة إلى إصابة طفل صغير بطلق ناري استلزم إجراء جراحة عاجله له في وقت حرج، وتشير الأحداث إلى الأزمة العامة المترتبة على حالة الفوضى والانفلات.

ويشكل الفيلم إسقاطاً على الواقع التونسي بتفاعلاته الحالية وأزماته الراهنة إلى حد كبير.

بيروت المحطة الأخيرة

“بيروت المحطة الأخيرة” للمخرج إلي كمال، واحد من الأفلام اللبنانية التي تميزت بطريقة خاصة في الطرح، فهو تركيبة سينمائية فريدة يختلط فيها المحتوى الروائي بالوثائقي والتسجيلي، متجاوزاً قاعدة التصنيف، إذ يطرح بجرأة مشكلة الهوية والحدود والصراعات الدائرة حولها والمؤدية لمشكلات كبرى يعاني منها المواطن العربي المغترب في وطنه وزمانه ومكانه.

ويعد هذا الطرح متناغماً مع هم السينما الفلسطينية التي سجلت رصيداً وفيراً من الجوائز خلال عام 2019 كفيلم “بين الجنة والأرض” للمخرجة نجوى نجار الحاصل على جائزة نجيب محفوظ كأحسن سيناريو من مهرجان القاهرة، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين ولكسمبورغ.

الفيل الأزرق 2

وتقدم السينما المصرية خلال 2019 نموذجاً مغايراً للسائد من خلال فيلم “الفيل الأزرق” الذي دخل كل من كاتبه أحمد مراد ومخرجة مروان حامد عالماً جديدا من الواقعية السحرية، حيث يمزج بين ما هو واقعي وما متخيل عن العالم الغيبي والميتافيزيقي ومواطن القوة الخفية داخل الإنسان، فيثير شهية الجمهور ويفتح شبابيك التذاكر بدور العرض على مصارعها ويحقق أرقاماً فلكية من الإيرادات، ويحصد الجوائز بتأثير الخلطة الفنية التي تم تقديمها من خلال الأبطال كريم عبد العزيز وهند صبري وخالد الصاوي وأبطال آخرين كان لهم حضور قوي أداءً وتمثيلاً، ومثل الفيلم بالنسبة لهم نقلة نوعية مهمة أضافت لرصيدهم الفني والجماهيري الكثير.

 

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية