«أفندينا» رواية الكاتب المصري محسن الغمري: بنية الإيهام والمراجعة وتغييب الهوية المستقرة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

تأتي رواية «أفندينا» للكاتب المصري محسن الغمري لتثير الكثير من الأسئلة، ولكن بعض هذه الأسئلة يرتبط بالكتابة الروائية التاريخية في العقود الأخيرة التي انطوت على مفهوم خاص، لا يأخذ من الماضي بقدر ما يعطي محيلا هذا الماضي إلى حركة دائمة، لإقامة حوار له خصوصية ينطلق من مناح فكرية معاصرة. ويرتبط بهذا النمط الكتابي تغيير في طبيعة الدوافع، ووقوفها وتوزعها بين عقد المشابهة بطريقة إسقاطية بين الماضي والحاضر، أو تعاظمها على هذا المسلك، حين تجعل الآني والمعاصر رافدا للماضي، فلا يظل هذا الماضي ثابتا في ظل سردية وحيدة مشدودة للصمت والثبات والامتداد.
فالرواية تجعلنا نعيد التساؤل والنظر والمقاربة والمراجعة حول مرحلة زمنية مهمة من تاريخ مصر، وربما تكون هذه المرحلة الزمنية الممتدة من بداية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين – بالرغم من أن الرواية تقف عند نهاية عهد عباس حلمي – هي المرحلة الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي، وفي تنميط العادات والتقاليد التي يتمّ تداولها في اللحظات الآنية بالرغم من انتقالها من بيئات بعيدة.
في إمداد القارئ بالسياقات وتولد هذه السياقات بوعيها اللافت، وبداية تشكل هوية منفتحة على الآخر بعيدا عن الدين أو العرق أو الجنس انطلاقا من رؤية وتوجيه محمد علي، تشكل الرواية بالإضافة إلى ذلك خطاب مراجعة حول مرحلة زمنية ترتبط بشخصية عباس حلمي، واعتمدت في تحقيق ذلك على مجموعة من الآليات الفنية الخاصة ببنية الرواية وتشكيل السرد. أهمها اعتمادها على كتابة المذكرات (المخطوط) الذي يعثر عليه بطلان يمثلان اللحظة الآنية، ويمثلان – في ظل حضور المخطوط الذي يعيدان نسخه – سياقا للمشابهة والمقارنة في معاينة التحولات والتباينات بين الماضي والحاضر، وفي ثبات الأنساق التي تنتهجها الدول الكبرى في وجود أجندات طويلة المدى للتطويق والسيطرة مطروحة للتحقيق، خاصة حين يتعلق الأمر بمكان حيوي يكتسب حضوره التاريخي من مكانه الجغرافي.

بنية الإيهام (المذكرات والمخطوط)

يتشكل خطاب (القولي) من خلال اعتماده على المذكرات (المخطوط) التي تمت كتابتها بعد نهاية الحدث، وكتابتها بعد العودة إلى قريته، وهي على هذا النحو تؤدي إلى وجود شيئين: الأول يتمثل في قراءة الأحداث وتأويلها، فالمذكرات لا تقدم وعيا لحظيا آنيا، وإنما تقدم للقارئ وعيين، وعي لحظة المرور بالحدث، ووعي خاص بلحظة الكتابة، وهذا الوعي الأخير لا يخلو من التأويل، ومن ثم لا تخلو الكتابة في نص المخطوط  من إضاءات معرفية مرتبطة بمقاربة الحوادث بشكل مختلف، ومن الهمّ التأويلي في نمطي التبرير والدفاع اللذين تنتهجهما في معاينة سلوك وتوجهات عباس حلمي المغايرة لتوجه الجدّ محمد علي.
وهناك – أيضا – نتيجة لهذه البنية الإيهامية الخاصة بالمذكرات مساحة كبيرة من الاستباقات والنبوءات، وهذا يجعلها منفتحة على التشويق، مثل قول الشيخ الضرير(حسن الفناجيلي) للقولي صاحب المخطوط أو المذكرات حين ذهب إليه بنفحة مالية أرسلها إليه عباس حلمي لتحقق نبوءة حكمه (حزين أنا على صاحبك، فهو لا يعلم أنه يسعى إلى نهايته)، أو في حديثه عند ميلاد الأميرة زينب وإشارته إلى دورها لحظة ميلادها في تشكيل الاتجاه المقابل والمضاد لعباس حلمي، من خلال قوله (لم يخطر ببال بشر أن هذه المولودة الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة سيكون لها في الغد حول وقوة للغاية في حياة ابن أخيها الأمير عباس حلمي).
الخطاب في ظل حركته بين بلاط الحكام والحرملك يظل مشدودا إلى مساحة محددة، يمارس فيها النص الروائي من خلال عمليات الاختيار والتحبيك قدرته في تشكيل سردية المراجعة، ولكن هناك كوة تنفتح على المصريين بداية من دخول جاريته (روبية) إلى بيته الذي عاشت فيه بعد موت زوجته، وانفتاحه على جاره (مسعود) حيث يكشف جزءا من هوية هؤلاء المصريين في انفتاحهم على الآخر المغاير، فهم يحتفون بالغريب أكثر من احتفائهم بنماذجهم وأنفسهم، ربما بسبب ميراثهم الطويل المرتبط بالحاكم الأجنبي.
إن هذه الآلية لا تجعل التاريخي دائم الحضور في الآني، وإنما تجعل الآني دائم الحضور في الماضي مؤثرا فيه، بل تجعله يتجلى بشكل مغاير من خلال الانتصار لرؤية معاصرة، تثبت ديمومتها واستمرارها ووجودها في ظل معاينة الماضي بوجوده الهامشي، فينعش هذا الهامشي، ويصبح مساويا للخطاب المتفق عليه. لقد ولدت آلية المخطوط مساحة للتأويل، مساحة لتقديم خطاب مغاير، فهناك خطاب تاريخي عليه شبه اتفاق، ولكن الرواية فيما يخصّ عباس حلمي تقدم من خلال المخطوط المرتبط بخطاب (القولي) وتأويله، خطابا آخر، بداية من الكلمة الدالة (المغدور به) التي شكلت نقطة الانطلاق، وأصبحت محركا ومسيجا للرواية وتحبيكها سواء في مجال اختيار الأحداث الكاشفة، أو في تكوين وتشكيل الشخصيات.
في ظل هيمنة وصدارة خطاب المذكرات المشكل داخل المخطوط، بما يجلبه من هواجس القيمة المختزنة المناوئة للسائد، هناك توجه آخر يتمثل في خطاب معاصر من خلال شخصيتين معاصرتين -السفير الذي حصل على المخطوط لطبيعة عمله وسفرياته، وصديقه الذي شكلت له شخصية عباس حلمي حضورا لافتا من البداية- تقومان بفعلي القراءة والنسخ، وهو تداخل مهم بالرغم من حضوره البسيط في نص الرواية، فقد كان من الضروري في ظل التنبه إلى قيمة وحيوية الآني في رؤية الماضي، وتحريكه أو تقليبه في ظل جدل وجهات نظر مختلفة أن يتمدد هذا الخطاب، ويأخذ مساحة أكثر اتساعا، للكشف عن الجانب المعرفي الخاص بمنطلقات الرؤية.
وفي سياق هذا الحضور المبتسر للخطاب المعاصر تتباين وظائفه، ففي أغلب الأحيان يأتي بوصفه إعلانا عن الوجود، وفي التذكير الدائم للقارئ بأن ما يقومان بتدوينه ونسخه خطاب ماض، ولكنه وثيق الصلة بالحاضر، وإمكانية تكراره، بالإضافة إلى حضور التجاوب والتباين بين الزمنين.

الخطاب المضاد وتغييب الهوية المستقرة

تشكل الرواية من خلال خطابها الخاص بالمخطوط خطابا يمكن أن نطلق عليه خطابا مضادا، أو خطاب مراجعة لما اتفق عليه، أو كان عليه نوع من الإجماع والشيوع. فالقارئ لإسهامات غالبية المؤرخين لتاريخ أسرة محمد علي، سوف يقابله خطاب تنميطي خاص بعباس حلمي، تتشكل حدوده في إطار أحكام جاهزة مستقرة، فعهد أو فترة عباس حلمي في ظل ذلك الخطاب كان عهد تراجع على أكثر من صعيد، وأنه كان عصرا يرتبط بالتخلي عن الأسس التي كونها جدّه، حيث توقفت حركة التقدم والنهضة.
ولكن الجزئية الأكثر أهمية في الخطاب التاريخي المؤسس والمتفق عليه عن عباس حلمي تتمثل في معاداته للتحديث، ولحركة الترجمة، وإغلاقه لمدرسة الألسن، ونفيه لرفاعة الطهطاوي إلى السودان وآخرين من الأساتذة والمهندسين النابهين، وكذلك إعادته للمبتعثين، بالإضافة إلى تعاليه في تعامله مع الأجانب وقناصل الدول الأجنبية.
تتأسس ملامح هذا التوجيه السردي بداية من ميلاده بالسعودية أثناء حملة أبيه الأولى عليها، وظروف ميلاده التي جعلته مريضا بالصرع، وطبيعة هذا المرض التي جعلته أكثر حدة وابتعادا وأكثر توجسا وريبة. ولكن الجزئية الأكثر أهمية في هذا التوجيه السردي تتمثل في ارتباطه بالشيخ الإحسائي السلفي الذي أثر في رؤيته للآخر المباين، ولغير المسلمين بشكل عام، وانحيازه لأيديولوجيا الدين التي تؤمن لأصحابها يقينا فريدا ومستقرّا.
لقد أصبح عباس حلمي وفق هذا التوجيه السردي ينطلق ويتصرف وفق محدد وسنن أيديولوجي يرتبط بالدين الإسلامي، وذلك من خلال تأثير شيخه الحنبلي السلفي، وارتباطه وصداقته بالوهابيين، فقد رفض وضع شارة الحداد على ذراعه قائلا (تلك بدعة محدثة ليست من الإسلام في شيء). ولكن هذا الانتماء يصبح ذا أثر سلبي إذا ارتبط بتحديد حدود الأمن القومي، فحين جمع جدّه محمد علي كبار رجال دولته للتشاور حول حملته على الشام، قدم عباس حلمي رأيا استوجب توبيخ عمه إبراهيم قائد الحملة، لأنه في بناء رأيه يستند إلى محدد أيديولوجي، يجعله يقف بحدود أمن مصر القومي عند خليج السويس، مبررا ذلك بقوله (ونكفي أنفسنا شرّ القتال، ونتجنب ارتكاب إثم كبير بإراقة المسلم دم أخيه المسلم).
يكشف خطاب الرواية عن رؤية مشدودة إلى نسقين متقابلين، يسهمان في تشكيل هويتين، أو – بشكل قد يكون أكثر دقة – في تشكيل توجهين، يرتبط الأول منهما بالاحتياج للآخر في جزئيات تفرده وإنجازه، بينما يتوقف التوجه الأخير عند حدود الذات مستندا إلى يقينه بذاته والاكتفاء بما لديها. وإذا كانت الرواية تشير بخطابها إلى توجهين كاشفين عن هوية منفتحة على الآخر والإفادة منه، وهوية محتمية بما لديها مكتفية به، فإنها في الوقت ذاته تؤسس من خلال جدل التشابه والاختلاف بين خطابها وخطاب الجبرتي التاريخي حضورا لافتا، فثمة تشابه في الأطر العامة يظل حاضرا للإشارة إلى خطاب الجبرتي التاريخي، وثمة تباين تتشكل حدوده من حدود الموقعية، وحدود الوظيفة المعرفية، وطبيعة الانتماء والأصول لصاحب كل خطاب.
فالجبرتي في هذه الرواية وجه ورمز للمثقف الحقيقي، لا يكتب إلا ما يؤمن به ولو ألحّ محمد علي في الطلب لتغيير خطابه، وقد أدى ذلك إلى تفاقم علاقته بالسلطة في عهد محمد علي الذي أوحي للدفتردار بتأديبه والتعامل معه، وتسبب ذلك في مقتل ابنه خليل الجبرتي. ويمكن أن نتوقف في إطار تلك الجزئية للإشارة إلى المغايرة بين خطاب الجبرتي وخطاب القولي، نظرا لانتمائه إلى مسقط رأس محمد على، ومدى أثر ذلك في تبريره ومقاربته لبعض الحوادث.
ثمة فارق أخير في المقارنة بين خطاب تاريخي متفق عليه، بل وعليه إجماع وانتشار وشيوع، وخطاب منزوٍ لا تتم الإشارة إليه كثيرا في كتب التاريخ، يتجلى ذلك في تصوير لحظة النهاية الخاصة باغتيال عباس حلمي، فالسبب الرئيسي الذي تذكره الكتب التاريخية يتمثل في سوء معاملته لبعض مماليكه، فاجتمعوا عليه في نوبة من نوبات حراسته وقتلوه. ولكن خطاب رواية أفندينا لا يكتفي بهذا السبب بمفرده، وإنما يضيف إليه سببا آخر عملت الرواية على التأكيد على مشروعية حدوثه من بداية السرد من خلال التوجيه السردي الخاص بخصومة عمته نازلي له ولأمه.
فقد أشارت الرواية إلى الخطاب المتفق عليه والمرتبط بضلوع مماليكه في قتله، لأنهم أكثروا الغمز واللمز لمن عينه رئيسا عليهم، وهو حسين باشا الصغير، وقد أمر عباس حلمي بجلدهم، وإرسالهم للإسطبل للعمل، وتشفع لهم رئيس خزانته، فعفا عنهم وقتلوه. وقد جعل الخطاب الروائي عملية الاغتيال مشدودة إلى الجانب السابق، وإلى جانب جديد، وهي رواية مدام أولمب التي أشارت إلى أنها سمعتها بمصر في أوائل عهد إسماعيل، ودونتها في كتابها «كشف الستار عن أسرار مصر»، وهي رواية تفيد ضلوع عمته نازلي في مقتله، وإرسالها شخصين من تركيا للمشاركة في قتله.

محسن الغمري: «أفندينا»
مؤسسة أروقة للدراسات والنشر، القاهرة 2021
393 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية