القاهرة ـ «القدس العربي»:
«لم أصحب أبداً النساجين الأطفال إلى قاعة فن أو متحف».
(رمسيس ويصا واصف)
هذه المقولة التي حققها المعماري المصري رمسيس ويصا واصف (1911 ــ 1974) على أرض الواقع، من خلال المدرسة الفنية التي أنشأها منذ منتصف أربعينيات القرن الفائت، والتي بدأت الإنتاج الفعلي عام 1952. درس رمسيس واصف العمارة في كلية الفنون الجميلة في باريس، وعاد مدرساً للعمارة في كلية الهندسة، إضافة إلى تدريس مادتي العمارة وتاريخ الفن في كلية الفنون الجميلة. لكن الرجل كان يبحث عن الفن المصري الفطري، والفنان الذي لا تسيطر على مخيلته إلا بيئته التي يعيش فيها بالفعل، يستقى منها الأفكار والألوان والتشكيل. بمعنى مرجعية بصرية طبيعية، لا يحد منها دراسة منهجية أو قواعد مفروضة، يمكن أن تكبح جماح الخيال. ومؤخراً أقام غاليري (أوبنتو) في القاهرة عرضاً لأعمال فناني المركز ــ ما يُقارب الـ 90 عملاً ــ التي تتفاوت تواريخ إنتاجها، بداية من عام 1955، وحتى عام 2022.
التجريب والخيال الفطري
ووفقاً لفلسفة رمسيس واصف، التي وجد مجال تطبيقها في (الحِرف اليدوية) أسس مركزه الذي يقع في قرية (الحرّانية) في محافظة الجيزة، التي تبعد عن القاهرة بحوالي 30 كم. ومن أطفال هذه القرية ـ أطفال تتراوح أعمارهم ما بين 8 و12 عاما ـ كان الجيل الأول الذي بدأ اللعب والعمل معاً، فأنتج مجموعة من الفنانين الفطريين، فقط .. أعطاهم الرجل الأصواف الملونة وتركهم على سجيتهم، يفعلون ما يحلو لهم، يجسدون بالخيوط كل ما يدور في مخيلتهم، إضافة إلى فنون يدوية عديدة، أهمها (النول) و(الباتيك) ـ فن الرسم على القماش بالشمع ـ مع ملاحظة أن جميع التصميمات لا تكون مرسومة مسبقاً، بل من خيال النسّاج/الفنان، ويتم تنفيذها وفق هذا الخيال وحده، فلا يمكن التنبؤ بالعمل أو معرفة شكله، إلا عند الانتهاء منه، فالعمل على النول لا يتيح رؤية التصميم في شكله النهائي إلا بعد الانتهاء من تنفيذه.
من ناحية أخرى نجد أن جميع الخامات المستخدمة يتم تحضيرها وصناعتها داخل المركز نفسه، من القطن المصري والصوف البلدي والصبغات النباتية، التي تتم زراعتها أيضاً داخل المركز، وبيد الفنانين أنفسهم. يعمل في المركز الآن 22 نساجاً من الجيلين الأول والثاني، وقد وصلوا إلى مستوى حرفي لا يُضاهى، وأعمالهم تطوف معارض العالم.

فنانو المركز
روح المكان
لكن الأمر بدأ منذ بناء المكان، الذي لم يأت بعيداً عن بيئة الأطفال، فقد قام أهالي القرية أنفسهم ببناء المكان كما يبنون بيوتهم، من قوالب الطين المجفف والمحروق، إضافة إلى العديد من القباب والأقبية، وكأنه وُجد ليبقى شاهداً على ما كان، وهو ما حدث بالفعل، فقد أصبح يحيط بالمكان العديد من البنايات الشاهقة أو بنايات الإسمنت، حيث الحجرات الضيقة والحرارة الخانقة، ولم يبق من مظاهر القرية الأصلية سوى مركز رمسيس واصف، والقليل جداً من البيوت.
الجماليات
من خلال الأعمال المعروضة واختلاف أعمار صانعيها، يمكن ملاحظة حالة التوافق والتناغم التام مع البيئة التي يعيش بها هؤلاء، إضافة إلى مظاهر الاحتفالات والأحداث المهمة، كيوم العُرس ويوم السوق الأسبوعي، حيث البيع والشراء لمنتجات بيوت القرية. مع ملاحظة أن أهل القرية من الفنانين ينتمون إلى قرية لا تنتمي إلى قرى شمال مصر تماماً أو جنوبها، فهي بين بين، فنجد لقطات للماعز والجِمال، مع مساحات كبيرة خضراء تمثل محصول الخضر والفواكه التي تتم زراعتها بالمكان، كذلك يحاول الفنان هنا تفعيل خياله في رسم وتصميم عوالمه بطريقة غير مباشرة، أمر يُشبه إلى حد كبير التجريب والاختزال، ناهيك من النِسب والأبعاد غير الدقيقة، فينتج مشهداً أقرب إلى عالم اللاوعي منه إلى الواقع، وهو ما كان يُبشر به السيرياليون بشكل أو بآخر، بأن يكون الفعل الإبداعي من خلال (مخيلة طفل) فالثورة على الأكاديمية حققها الفنان المصري هنا، دون سفسطة وعبارات غامضة أغلب مَن يتفوهون بها لا يعقلونها.
وتأتي الأعمال فنجد معظمها يجمع العديد من العناصر، بمعنى الحشد البصري لهذا العالم أو ذاك، مجموعات من.. بشر، حيوانات، طيور، أشجار، زهور، بيوت، حقول، وصولاً إلى تجسيد حكايات من الموروث الشعبي أو الديني، وفق خيال الحكاية التي تتواتر فتصبح جزءاً من ثقافة الفنان ورؤيته، كـ(آدم وحواء) وجنتهم الموعودة، أو رسم (قط) على طريقة الأسد الذي يرسمه الفلاح وشماً فوق ذراعه، دليل الشجاعة، وهو أشبه بالرسومات في العصر المملوكي، وينتشر رسمه في الموالد والأعياد المصرية الشعبية المُنتشرة في هذه الأماكن.

الفنانة صابرة سعود

الفنانة جارية محمود

الفنان محمد موسى