بيروت – «القدس العربي»: مضحك جهاز رقابة النصوص الفنية والأدبية في عالمنا العربي. يتميز بالباع الطويل في ابتكار المماحكات «وخود وجيب»، والهدف تيئيس الكاتب، ودفعه للإعتزال.
في العرض المسرحي «أكاديمية الضحك» على خشبة مسرح «دوّار الشمس» مواقف غاية في الطرافة والذكاء تدور بين مراقب وكاتب. مراقب مرتاح لوضعه، لا يملّ ولا يكلّ في طلب تغير جملة من هنا، وأخرى من هناك. فيما يمتاز الكاتب بصبر أيوب، ويتحرّق لتحديد موعد لعرضه المسرحي. كاتب يطمح لأكل العنب، ويترك للرقيب أن يحدد مصير الناطور.
سبع مرّات قصد الكاتب مكتب قراءة النصوص. وفي كلّ مرّة يدور بينه وبين رئيسه حوار طرشان، ليس فيه لمعة ذكاء تشفي الغليل.
رئيس مكتب قراءة النصوص يُنصّب ذاته مشاهداً ومواطناً. يقرر أن يشعر بالنص ويتفاعل معه. يوجه النص، ويملي بالمطلوب والمناسب للمواطن في هذه المرحلة. وظيفة رئيس مكتب النصوص تُحتّم عليه أن يكون متخشّب الإحساس. تفسيره لنص كوميدي فيه الكثير من التسطيح: «تافه.. قرأت وما ضحكت.. ولا حتى ابتسمت.» حواره مع الكاتب يظهره خالياً تماماً من كل معرفة وثقافة. حاله يؤدي لتوالد الضحك منه وعليه. يتقن عمله تماماً لحدود حوار الطرشان بينه وبين كاتب كل امله تحرير نصه. مراقب متسلط وجاهل. يحفظ ويطبق إملاءات مطلوبة منه. يتمسّك بالرقابة تحت شعار كتم المعرفة، ونحر الوعي.
تختار السلطات باحتراف من سيمثّلها في مثل تلك المهام. فالكاتب المبدع يتواصل مراراً وتكراراً مع مراقب نصوص بيروقراطي عنيد. يرفض منح بركته لعمل ضاحك. ويطمح لعمل فني يتضمن أيديولوجيا تتناسب مع مرحلة الحرب، والظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
كل ما يريده الكاتب الحصول على موافقة رسمية لإخراج مسرحيته الجديدة. يجتهد بكل قواه كي لا يستفز المراقب. لكنه لا يتمكن من الصمود فينزلق نحو التزلّف، والتهريج، والرشاوى. يعيد كتابة النص مراراً. ومع كل تعديل يصاب النص بمزيد من الإضحاك.
وهكذا تتراكم الأحداث، بعد سبع لقاءات بين الكاتب والمراقب. مما يؤدي لتوالد كوميديا جديدة، تثبت أنّ الكاتب ليس خاضعاً تماماً، وأن الرقابة ليست أداة تكسير بالمطلق. بل يمكن للدراماتورغ المبدع أن يستفيد من غبائها لتطوير عمله.
عُرضت مسرحية أكاديمية الضحك على مسرح دوّار الشمس في بيروت، تميزت بالرصانة في تقديم اللحظات الكوميدية المتوالدة من بعضها البعض. كما تميزت بخفة حضور ممثليْها، وبنصها المشغول بدقة، ليقول رأي سلطة تناهض الضحك والحب والرومنسية.
«أكاديمة الضحك»، تأليف كوكي ميتاني. إخراج الدكتور سمير عثمان الباش. تمثيل لجين اسماعيل وكرم حنون.