الناصرة: “القدس العربي”: يحذر أكاديمي إسرائيلي بارز من احتمال تكرار مفاجأة حرب 1973 منبها من وجود تهديدات داخلية وخارجية على إسرائيل من أبرزها تعاظم قوة الجيش المصري وبذلك يحذو حذو جنرال في الاحتياط نوه هو الآخر لمخاطر الجيش المصري.
ويقول إليشع هاس إن إسرائيل تقف في “يوم الغفران” 2021 في مواجهة مزيج من القدرات الهائلة لدى العدو وإسكات متكرر لقدرات جيشها ويتساءل هل نواجه إخفاقاً آخر كما في إخفاق حرب 1973؟ وكاتب المقال المطول المنشور في موقع “ميداه” اليميني (تولى ترجمته للعربية مركز “مدار”) البروفسور إليشع هاس هو الرئيس الفعلي لـ”فوروم أساتذة الجامعات من أجل المناعة السياسية والاقتصادية”، وهو إطار محافظ ذو نزعات صقريّة.
ويستذكر قول وزير الأمن الراحل موشيه ديان في شهادته أمام لجنة أغرانات (لجنة التحقيق الإسرائيلية الرسمية التي أقيمت بعد حرب تشرين/ أكتوبر – 1973) إن خطأه الكبير كان يتمثل في تقييمه الذي قلّل فيه من قدرات الجيش المصري وبالغ في تقييم قدرات الجيش الإسرائيلي.
ويتساءل هاس مجددا ما هي الكلمة المفتاحية في كلام وزير الأمن صاحب الثقة كبيرة بالنفس فيقول إنه كان يعلم أن جيشين مصريين وُضعا في حالة تأهب على ضفاف قناة السويس، وكان يعلم أن خمسة فيالق سورية تم وضعها في حالة تأهب على مرتفعات الجولان، لكنه واصل منع القيام بأية استعدادات لاحتمال قيامهم ببساطة بتشغيل المحركات والتقدم.
وضمن استعراضه أوجه الفشل التاريخي يقول هاس إن الشيء الوحيد الذي تم القيام به هو نقل اللواء السابع إلى الجولان (وهو الأمر الذي تم ضمن إجراء تسبب بتأخير خطير للغاية في تعبئة قوات الاحتياط مساء يوم الحرب) ويتابع هاس “جاء الجواب على هذا السؤال في حينه من قبل اللواء الراحل يانوش بن غال الذي وضع القاعدة التي نصّت على أنه يجب أن نستعد للحرب حسب قدرات العدو وليس حسب تقييمنا لنواياه.
وهكذا، قام بن غال طيلة العام 1973 بإشغال اللواء الذي تولى قيادته في إجراء الاستعدادات المكثفة بناء على فرضية أن الحرب على الأبواب، وقد اثبتت معركة تل المخافي ذلك معركة تل المخافي وتسمى أيضاً وادي الدموع أو بالعبرية عِمِق هبيخي؛ وهو الاسم الذي أطلق على منطقة في مرتفعات الجولان بعد أن أصبحت موقعاً لمعركة رئيسة في حرب تشرين 1973. يشار أن في السادس من اكتوبر/ تشرين الأول 1973 هاجمت الفرقة السابعة مشاة السورية اللواء السابع المدرع الإسرائيلي.
وينوه هاس إلى أن الكلمة الأساسية في كلام وزير الأمن هي “التقييم” ويتساءل لماذا لا يعرف وزير الأمن قدرات المعركة التي يتولى مسؤوليتها؟ لماذا يحتاج إلى تقييم يتبين أنه خاطئ في النهاية؟ وبرأيه هناك العديد من الإجابات المحتملة على هذا السؤال، لكن إذا تبنينا نهج يانوش بن غال، ومفاده أن هناك واقعاً يجب التعاطي معه، فإننا نواجه سؤالاً راهناً للغاية هذه الأيام في “يوم الغفران” الحالي في 2021.
ويرى هاس أن إسرائيل تواجه في “يوم الغفران” هذا العام 2021 مزيج هائل من القدرات لدى العدو وإسكات متكرر لقدرات جيشها من قبل المستوى السياسي ويضيف منبها “دعونا ننتقل من الصعب إلى السهل. لقد وقّع الرئيس المصري السابق أنور السادات اتفاق سلام بعد حصوله على موافقة شرعية من مشايخ الأزهر لتوقيع اتفاق مؤقت. هناك تصريح بل واجب لخرقه، وفقاً لقدرات الجيشين، المصري والإسرائيلي. منذ اليوم الأول تم انتهاك الاتفاق بينما سلّمت الحكومات الإسرائيلية بحقيقتين أساسيتين: الأولى، أنه لا يوجد أي تطور في العلاقات المدنية بين البلدين؛ والثانية أن الجيش المصري يتعاظم إلى أبعاد هائلة وأصبح اتفاق نزع السلاح في سيناء مجرد حبر على ورق”.
وليس هذا فحسب إذ يزعم هاس أن تقارير في الأيام الأخيرة قد أفادت بأن مصر ستتفاجأ إذا لم تستجب إسرائيل لطلبها بإرسال قوات عسكرية إلى شبه جزيرة سيناء، وبأحجام مماثلة لما قبل حرب1973. ويدعي إن مصر دولة فقيرة وجائعة لكنها تستثمر في زيادة حجم وقدرة جيشها وكأنها دولة غنية وللتدليل على ذلك يقول إنها تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين ضاعفت في السنوات الأخيرة قدرات الجيش المصري في عدة قطاعات.
ويوصي هاس الإسرائيليين بتصفّح موقع المقدّم (احتياط) إيلي ديكل، وأن يأخذوا فكرة حول القدرات وشكل التقديرات التي يضعها الجيش المصري في اتجاه الشرق، سيناء والنقب. منوها أن ديكل مقدم (احتياط)، وهو خبير في الاستخبارات الميدانية، يقوم ببساطة وبعيون مهنيّة بدراسة صور الأقمار الصناعية على موقع غوغل فهناك ثروة من المعلومات المتاحة علناً، وما عليك سوى معرفة كيفية التمعّن في الصور. ويؤكد هاس إن الجيش المصري عشيّة “يوم الغفران” 2021 أكبر بكثير من الجيش الإسرائيلي، إنه جيش مجهز بمعدات غربية متطورة ويتمتع بمساعدة مالية كبيرة من الولايات المتحدة.
وضمن التفاصيل يضيف “على سبيل المثال، دبابة المعركة الحربية المصرية هي دبابة أمريكية متطورة جدا، ومؤخرا اشترى المصريون ألف وخمس ناقلة دبابات، وشيدوا ستين جسرا فوق قناة السويس، وشقوا الشوارع المؤدية إلى النقب، وقاموا بإعداد خزانات وقود لجيشين في سيناء، بل إنهم يبنون قاعدة جوية في سيناء. لقد تمركز هذا الجيش الضخم شرقاً، بين القاهرة والحدود الإسرائيلية.
وتشمل هذه القدرات القدرة على نقل جيشين إلى سيناء خلال 48 ساعة أو أقل، وهو ما يكفي لشل الاقتصاد الإسرائيلي”. كذلك يستذكر أنه سبق للمخابرات الإسرائيلية أن تفاجأت في الماضي بحملتين من هذا القبيل، في العامين 1960 و1967: في الحالة الأولى تسببت القوى العظمى العالمية في انسحاب الجيش المصري، وفي الحالة الثانية كان يجب علينا خوض الحرب.
ويقول هاس محذرا إن من دفع ثمن التقييمات الخاطئة وتقاعُس القيادة العليا والمستوى السياسي في العام 1973، هم جنود وضباط القوات الهجومية ويوضح أن الثمن كان دموياً بما يفوق القدرة على التحمّل، وكان بذل الأرواح بالغا. مقدما مثلا آخرا يقول هاس إن جنود اللواء 188 قاتلوا ببسالة وشراسة لا حدود لهما، لكنهم أيقنوا أنه في نهاية المطاف، يمكن للحجم الكمي لقوات العدو أن يعوّض عن قدراتها في حال كانت متدنية.
وضمن التوصيات يرى هاس أنه من أجل تفادي العودة إلى اعتراف بخطأ “في تقييم قدرات الجيش الإسرائيلي مقابل قدرات العدو” بعد ثمن الدم الذي يمكن تخفيضه بواسطة التحضير المناسب، يوصى بشدة بقراءة مقالات اللواء (احتياط) إسحاق بريك.
وبريك هو من الجيل الذي دفع بدمه ثمن أخطاء التقديرات الخاطئة في القيادة العسكرية العليا العام 1973، وعلى مدى تسعة عشر يوماً عاصفاً، قاد سرية دبابات على خط الجبهة الأول، خط النار، المعروف أيضاً باسم “خط الدم”، بتفانٍ شديد، وهو يعرف جيداً طعم ساحة المعركة”.
ويضيف هاس في هذا المضمار: “في آخر منصب له في المؤسسة الأمنية، أجرى اللواء بريك بحثاً معمقاً لم يقم بإجرائه أحد حتى الآن. على امتداد عقد من الزمن، زار كل واحدة من وحدات الجيش الإسرائيلي ثلاث مرات وتعرف على حالتها، ليس من تقارير قادتها، وإنما من فحص الأمور ميدانياً على الأرض، في المستودعات، في التدريبات، في مستودعات وقت الطوارئ، في جودة الصيانة وفي شهادات الجنود الذين يجرون الاستعدادات للحرب من خلال التدريبات والتزوّد بالمعدات والتجهيزات. وهو لم يكتف بـ”تقييمات” ضباط كبار. لقد وجد اللواء بريك أن الجيش الإسرائيلي يعتمد مرة أخرى على المعجزات، ولم يكن على استعداد لمواجهة محتملة مع قدرات العدو المؤكدة”.
وحسب هاس فإن الجيش السوري وبما يتجاوز قدرات الجيش المصري اليوم آخذ بإعادة التأهيل والإصلاح، وأن نظاماً صاروخياً في لبنان بات جاهزاً ليضرب لنا الجبهة الداخلية، وأن قطاع غزة ليس جزيرة سلام، وفي الضفة الغربية تعمل عدة كتائب دربتها القوات الأميركية وقوّات مجهزة بالسلاح الإسرائيلي بموجب اتفاق أوسلو. ويضيف لتحذيراته هذه “التلميحات الفظة” التي تلقيناها من البلدات العربية داخل الخط الأخضر، وهذه إشارة من هاس لمشاركة فلسطينيي الداخل في هبة الكرامة في مايو/ أيار الماضي.
ويمضي في تساؤلاته “صباح السابع من تشرين الأول 1973، خدمت كقائد سرية في اللواء التاسع. خرجنا فجراً من قاعدة الطوارئ في يُكنعام، ومررنا، طابوراً من الدبابات والمدرعات، في شوارع الناصرة في طريقنا إلى جنوبي الجولان. لم يطلق أحد النار أو يشوّش مسيرنا، ورأينا النظرات المرتعبة على الشرفات. هل هناك من يوهم نفسه بأنه في فترة طوارئ مستقبلية ستكون قوات الاحتياط فعالة عندما تغلق طرق الشمال والجنوب كتائب “شغب” عربية داخل إسرائيل التي لم تُحاكم بعد على أعمال الشغب العام 2021 ولا على هبة القدس والأقصى عام 2000 ولاقوا التشجيع من “لجنة أور” وسياسيين من بعض الأحزاب؟.
كما يقول إن العرب المشروع الصهيوني هاجموا فقط عندما قدّروا أن إسرائيل ضعفت وأن ميزان القوى سمح بالنصر، ارتكبوا أخطاء في الماضي، لكن ليس هناك ما يضمن أنهم لن يستمروا في ارتكاب الأخطاء والهجوم مرة أخرى. كل شيء جاهز والجميع ينتظرون مؤشرات الضعف في استعداد اليهود للقتال. إن تجربة الصهيونية التي امتدت على مدى مئة عام تثبت أن الاندلاع يمكن أن يحدث كلّ يوم. ويؤكد إذا كنا راغبين في الحياة، فيُحظر علينا الاعتماد بأعين مغمضة على المسؤولين عن أمن الدولة”.
في الخاتمة يقول هاس إنه يجب الانتباه للحقائق التي يتم الكشف عنها كل يوم ومطالبة القائمين على الاستعدادات للحرب بتقديم إجابات قبل الحرب وليس في لجان التحقيق. لذلك، كي لا نضطر مرة أخرى لسماع أخطاء أي وزير دفاع ولا اعتذاراته، نحن مطالبون بالاستفادة من “يوم الغفران”، لإجراء حساب نفس على صعيد وطنيّ يتطرق إلى القدرات وليس إلى التقييمات. منوها إلى أن الاستعدادات لحرب مفاجئة تستغرق وقتاً طويلاً، وبالتالي، يجب أن ندعو الحكومة إلى التعاطي مع الواقع غير السار الذي يتم الكشف عنه في أعمال الكثيرين، بمن فيهم إيلي ديكل وإسحاق بريك، وتفادي أي وضع يتحدث فيه وزير أمن ما بشكل يائس عن احتمال “تدمير الهيكل الثالث”، في حين أن المستوى العسكري الهجومي يبذل روحه في المعركة.