«أكثر من صورة في شريط الكاميرا» مجموعة الشاعرة المصرية نورا عثمان: الصور المجازية للذات والوجود وفاعلية القوى المتضادة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوانها «أكثر من صورة في شريط الكاميرا» تستجيب الشاعرة المصرية نورا عثمان لمناح معرفية تتحرّك في إطارها، للوصول إلى الصور الباطنية العديدة للذات، من خلال تكديس فارق بين الظاهر الواقعي الجسدي، والباطني المتخيل، وهو فارق لا يلغي الظاهر أو يباينه، ولا يستطيع أن يلمّ شتات هذا الباطن بكل هيئاته وأشكاله وأزمنته الخاصة التي تتحوّل إلى زمان خاص لا يخضع للتراتب والنمو المعهود. فالباطني دينامي مصنوع تتغيّر هيئته وشكله حسب هذا الظاهر وسياق تجاوبه، فالخيالات والأحلام- وربما الذاكرة أيضا- لا تخلو من الصناعة وإثبات الفاعلية، لأن تشكيل ذلك لا يخلو من راهنية مشدودة للظاهر الواقعي أو الجسدي، فالظاهر الجسدي- بالرغم من كثيرين يفرقون منه-يتجلى محرّكا لكل أنماط المتخيل.

ويمكن أن يجد المتلقي ذلك واضحا في مجموعة التصديرات، سواء أكانت تصديرات نثرية أو فوتوغرافية، فهناك ثلاث تصديرات نثرية، يتمثل الأول منها في الإهداء، وهو مشدود إلى عالم الذات، وما تؤسسه من حيوات جانبية (إلى حديقة قلبي الممتلئة بالزهور، لكل زهرة عالمها، ولكل زهرة باسمها). فالحديقة هنا كيان مصنوع للاستقواء، والزهور ليست سوى صور متخيلة للذات، وهي صور عديدة ومتشابكة، وإن كان لكل واحدة منها عالم يخصها. حتى في التصدير الثاني المأخوذ من باسكال كينيار، تظلّ الفكرة حاضرة وإن أخذت بعدا معرفيا عاما، فصور العالم الباطني دافقة الحضور، ففي حركة الإنسان وعالمه، هناك عالم متوار يحتاج إلى تصوير والتقاط.
نصوص الديوان في معظمها محاولة للإمساك بهذا الغائب من صور الذات التي تقوم بصنعها للاستمرار أو للاستقواء، أو لعقد صلات من نوع خاص ربما تمكنها من الانتصار في لحظة ما. فالإنسان ـ في اتصاله بالعالم – لا يكفّ عن صناعة الصور الموازية لذاته، وهي صور تمارس فاعليتها، وإن لم يُحدّد لها إطار جسدي بوصفه – أي التجسد – وسيلة الاتصال الملموسة بالعالم. وتأتي الصورة الفوتوغرافية عنصرا أخيرا في مجموع التصديرات- كاشفة الدلالة ذاتها، في وجود صور عديدة للتجلي الواقعي أمام الكاميرا، فالباطني في هذه الصورة متعدد، ووجوده المتعدد طيفي الملامح أشبه بالظلّ أو الظلال التي تملك الموثوقية التي يملكها الوجود العيني الواقعي، فالصور-في تشكلها أطيافا أو ظلالا- لا تملك وجودا واقعيا، ولكنها بالرغم من ذلك لها فاعلية كبرى في حركة الجسد، وفي التأثير على خياراته وتوجهاته..
صور الذات المجازية
نصوص هذه المجموعة الشعرية تحدث تحريفا للزمن العادي، وتقيم مكانه الزمن الشعري المجازي، ليصبح دائريا، وتظل الصور المأخوذة للذات دافقة التشكيل، فالذاكرة ليست نهائية التشكيل، فدائما هناك إضافة ومحوّ انطلاقا من طبيعة المتخيل النموذجي، فما تقدمه النصوص لا يرتبط بالماضي الواقعي، وإنما يرتبط بالماضي المتخيل الذي يشكل وجودا ذهنيا لافتا، والذات في حركتها لا تستطيع أن تفصل أو تفكّ عرى التداخل بينهما، فكلاهما مشدود إلى الآخر ومرتبط به، وكلاهما له موثوقية ومشروعية في الحضور. فالديوان كله يحمل محاولة إعطاء المشروعية للصور المتخيلة، في التقاطها وتأطيرها داخل حيّز ملموس، له كثافة وجودية مختزنة، فكأن هناك تحريرا، وإثباتا لنوع من الفاعلية، على نحو ما يمكن أن نرى في نص (صورة وأصل).
في نص (صورة واًصل)- وتقديم الصورة هنا قد يكون مقصودا لخلخلة الثابت والمتعارف عليه، ولهدم الجدار الفاصل بين الواقعي والمتخيل، وهو منطلق منطلقات الديوان- يتأسس النص على ذلك البراح الممنوح لصورة الذات المتخيلة في تخلصها من الأسس الضاغطة بالحدود المعهودة، فحين يقول النص الشعري في نهايته: (أغفو/ وتنسلّ خارجة من سريري/ ومن غرفتي/ ثمّ من باب بيتي/ وتكمل ليلتنا وحدها/ إنها صورة من وجودي/ أنا مثلها صورة من وجود تشتت مثل الشعاع على سطح نهر/ أواصل نومي/ تواصل- صاحية- حلمنا/ فيه تخرجني من حياتي/ ويأكل بيدقها بيدقي) يشعر المتلقي أن هناك خلخلة بين الواقعي والمتخيل، وخلخلة للتراتب بين الصورتين، حيث تتعاظم الصورة المتخيلة على الواقعية، فالوجود الحقيقي البشري شبيه بالخيالي، وما يصنعه البشر من خيالات وآمال وأمان، يتحرّك في ذلك السياق المتخيل. فالنص الشعري يحرّف ويغير الوجود البشري، ويعطيه طبيعة هشة، في مقابل المتخيل الذي يعطيه وجودا أكثر صلابة وتأثيرا.
يطالع القارئ ثنائية بين الذات وصورتها الحرّة المتخيلة، صاحبة الصوت الملهم، كأنهما يشكلان ثنائية الروح والجسد، فالروح حرة تتشكّل في كل لحظة، وتتجلى في صور جديدة، والروح ضد التيبس والثبات، والجسد معادل ثبات، ولهذا تأتي الطبقات أو الصور المتخيلة للذات في شكل طبقات تتقشّر لحظة المساءلة أو المواجهة.
ولكن في نصوص أخرى لا يقف هذا التوجه عند تصوير المتخيل بإبراز تشكلاته وحركته، بل يتجاوز ذلك باعتبارهما – أي الواقعي والمتخيل – وسيلة من وسائل استمرار الوجود، وبوصفهما مكونين متناقضين ومتجاوبين في آن. يتجلى ذلك من خلال الاستناد إلى مساحات التماهي بين الذات الشاعرة والدمية، ففي النص مساحات لإحلال كل واحدة منهما محل الأخرى، خاصة أن النص يستند على فكرة الفصول ودلالتها، حيث يقبع الشتاء والخريف في جانب، ويتشكل الربيع والصيف في جانب آخر. ويشكل كل قسيم منهما حالة خاصة، ووجود القسيم الواقعي لا ينفي أو يطمس وجود الآخر بوصفه وجودا مختزنا أو متخيلا، بل يجعل الإحساس به منفتحا على الغائب ومتأثرا به، فالدمية في الفاترينة في فصل الشتاء تقارن بين وجودها الآني المشدود إلى الانكماش والسكون والثبات، وهي متجذرة ومتأثرة داخل ذاكرة ماضية للصيف:
«بدأ الفصل الشتوي
وصار وقوفي
خلف زجاج العرض، وتحت الضوء الأصفر
بالمعطف والشال الصوفي يكثّف حسي بحياتي
في الصيف وبالفستان العاري
أو في حمالة صدر ولباس تحتي، تحت قميص شفّاف
كنت أحسّ بوخز النظرات»
في ظلّ هذا التوزّع بين آني وماض، وبين معيش ومتخيل يتأسس الوجود المجازي للعالم، أو الوجود الشعري للعالم في كينونته الكبرى، وللذات في توزّعها بين صورة آنية واقعية حقيقية، وصور مختزنة لوجود سابق، وفي فصل أو فصلين سابقين. نصوص الديوان في معظمها معنية برصد هذا التوزّع والالتباس والتعدد، وبرصد هذا الوجود المجازي المختفي الذي لا يحتضن العالم واقعيا. والوجود المجازي المتخيل لا يتشكل بالتراتب الزمني النامي للوجود وجزئياته، ولكن يتشكل بالتداخل والانفتاح، للقضاء على مساحة الريب بين الحقيقي والخيالي، واعتبارهما مكونين للوجود واستمرار تجليه.
الانقسام أو التوزّع الذاتي الذي يمكن أن يكون مشدودا للحيل الإبداعية الشعرية للوصول إلى نسق إبداعي في المقاربة الشعرية، لا يتخلص نهائيا من مصادره الفكرية، فبالرغم من عملية النقل من سياق فلسفي إلى سياق إبداعي، تظل جزئيات من الفلسفة الصينية التي تفسّر العالم في ظل ثنائيات متضادة حاضرة، فالأنوثة مقابل الذكورة، وكل قسيم منهما يحمل جزءا من الآخر، فالدمية – فضلا عن فعل الشراء وحب التملك – تصفها بقولها: (ثمة شيء يتلألأ في عينيها/ شيء مجنون وخطير، أوقفها من موضعها كالملدوغة/ شيء يجعلها كالفتيان إذا مروّا بي في الثوب العاري/ بغرور وبزهو تنتفخ وتمشي). فهذا الجزء يعيدنا إلى الشمس ودلالتها على الصيف، وعلى ارتباطها بالذكوري في مقابل القمر والشتاء (حيث بدأ النص به، وشكّل وجودا أو إطارا زمنيا لحركته)، للإشارة إلى أن كل قسيم يحمل بعضا من الآخر.
الوجود والقوى المتضادة
في هذا الديوان هناك وجود لافت لفاعلية القوى المتضادة التي كانت ذات تأثير كبير في ميلاد الانقسام الذاتي، فالقارئ يشعر في معظم النصوص أنه أمام ذاتين، تحمل كل واحدة منهما سمات مناقضة ومباينة للآخرى، ولكن هذا التباين أو التضاد لا ينفي أن كل جزء منهما يحمل بعضا أو شيئا من الآخر، وهناك مساحة من الترابط أو التداخل الذي يؤسس لوجودهما معا. ففي قصيدة (رقص) ندرك هذا التضاد من خلال (التمايل) والحركة في مقابل الثبات، وسوف تتشكّل مجموعة من الرموز الدالة في ظلّ هيمنة الإطار الفكري والفلسفي في الديوان، فالقارئ أمام ذات لديها فاعلية في الحركة والانفلات من الجسد.
ولكن الذات الأخرى التي تمثل صوت الراوي السردي لا تنفصل عنها في نزوعها إلى المطلق، وارتباطه بالسماء أو الشمس التي تشكل الرمز الأكثر حضورا، فالشمس في هذا الديوان تتأسس لها دلالة منطلقة من الفلسفة التي يتحرّك في إطارها الديوان بنصوصه، فهي علامة على الحضور والغياب والميلاد والموت، والتجدّد المستمر كل صباح. فهذا الانقسام القائم على الاختلاف بالنسبة للذات يتماثل مع الجزئيات المتضادة والمتعانقة بالتوالي مثل الشمس والقمر، في ظلّ حضور صوت سردي مراقب لا يكتفي بسرد قسيم حاضر، وإنما يرصد القسيم الغائب الذي لا يتجلى جسديا.
الوجود طبقات متوالية في حركة مستمرة، والموجودات في شكل متعانق ومتضاد مشدودة للحضور والغياب، وتبدو الشمس في حضورها وغيابها صاحبة الحضور والتأثير الكبيرين، لأنه في الحضور يكون التأثير ملموسا، وفي الغياب يتجلى تأثيرها في حدود الانتظار والترقب واستحلاب ذكراها في ظل هيمنة غيرها. ففي قصيدة (في وجود الشمس) ينتقي النص الشعري فصائل معينة من الموجودات، وهي على الترتيب (التمثال والنبات والبحر)، ليوجه المتلقي إلى طبيعة الوجود، وارتباطه بالتجدد الدوري والاستمرار، فندرك أن هذا الجماد أو التمثال ليس ساكنا أو ثابتا، بل هو جزء حي نابض من بنية الوجود، ويتأكد ذلك المنحى من شيئين: التصدير في الجزء الأول (التحوّل إلى تمثال)، حين يقول (لو صار لزاما كي تتأكد أني تمثال أن تكسرني فافعل) ففيه يلحّ التماهي والتوحد من جهة، وفكرة الطبقات المتوالية للوجود التي تتخلق في هيئات عديدة. أما الآخر فيتمثل في القدرة على تمثيل الذات والآخر من خلال امتلاك الصوت، وتخيّل الحركة والفاعلية والحضور يفتح النافذة لحضور الشمس، لأنها في منطق النص الشعري تحيل الحجر إلى وجود حي، وتزيل أثر الليل الذي حوّله إلى حجر (بالأمس أنا من فتحت نافذة… هل حوّلني الليل إلى حجر).
نصوص الديوان كاشفة عن هذا التجاذب والارتباطات المستمرة بين جزئيات الوجود الذي ينبع من المغايرة والتناقض في ظل وحدة كلية تكيف هذا الارتباط، من خلال حركة كل قسيم تجاه الآخر في شكل تبادلي دائري مشدود للبداية والنهاية. في نص (خطوات عكسية) هناك حضور لافت للبناء الدائري للحياة في ظل صور تختزن تجليات أو صورا سابقة، فمع النهاية هناك بداية جديد، فالوصول في منطق نص موت، لكنه لا يشكل نهاية، بل بداية جديدة لمنطق دائري مستمر.
يمكن للقارئ أن يؤسس تأويلات لهذه القصائد القصيرة التي جاءت منضوية تحت عنوان (خطوات عكسية)، مثل (وحشة)، و(حب)، و(كينونة)، و(ميلاد)، ففيها يتجلى التأسيس الفكري الخاص بالوجود الناقص أو الحياة أو التشظي بها، لأن هذا الوجود الجسدي يحاول في كل خطواته إعادة الديمومة لذاته، وإعادة الانسجام (ولدتُ ولا شيء أبصره في المدى/ كيف من موضعي بالقماط/ أرى رحلتي رأي عين/ وقد أسرجت رحلها فوق ظهر الفناء).
ديوان «أكثر من صورة في شريط الكاميرا» منفتح على الذات وإشكالياتها، ولكن قيمته الحقيقية تتمثل في تحويل هذا الموقف الذاتي الخاص برصد التعدد داخل الواحدية الذاتية، والصور العديدة المخفية داخليا والفاعلة في الآن ذاته، إلى موقف معرفي يشير إلى الوجود الدائري للعالم، واستمراره من خلال القوى المتضادة التي تضمن استمراريته. فالمقاربات الشعرية في النصوص لا تقارب الحياة أو الوجود منفصلا عن طبقاته، بل تستحضر كل هذه الطبقات، محتفية بالتعدد المجازي للذات والوجود.

نورا عثمان: «أكثر من صورة في شريط الكاميرا»
دار الأدهم، القاهرة 2022
153 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية