“عليهم” عرض واقعي غارق في الألم
بيروت-“القدس العربي”: “عليهُم” عرض راقص سيقدمه مُحْتَرِف الرقص “البلدي” ألكسندر بوليكوفيتش بين 11 و16 كانون الأول/ديسمبر الجاري في “كريبت” كنيسة مار يوسف ـ شارع مونو. عرض مشبع بالألم من فقدان الأب، إلى تيه الوطن، وخسارة ناسه لجنى العمر، إلى الاعتقال في المحكمة العسكرية، إلى انفجار المرفأ.
درس بوليكوفيتش المسرح والرقص في جامعة باريس الثامنة، عاد إلى وطنه وكافح ليعيش من مهنته كراقص بلدي. تصالح مع ذاته، وترك لمن يرفضه أن يفعل الأمر نفسه حين يشاء.
وكما يتحرك جسد ألكسندر معبراً بطواعية عن حالات نعرفها في الحياة كالعنف والاغتصاب والتحرش، يتحرك عقله منفتحاً على جدلية حياتنا كعرب يصنفنا الغربيون بشراً من مرتبة مختلفة. يقرأ الرقص فعلا ذو معان سياسية وثورية عميقة. يجادل ايديولوجيا في أنه رقص “بلدي، رافضاً ترك الغرب يتلذذ بتسميته رقصاً “شرقياً” لأنه بذلك يؤمن استمرارية رغباته الاستيطانية الدفينة.
يتحدر أجداد ألكسندر بوليكوفيتش القدامى من كرواتيا وقد سكنوا لبنان في ستينيات القرن التاسع عشر. معه هذا الحوار:
*جديدك عرض “عليهم” في “كريبت” كنيسة مار يوسف. هل حضور الرقص البلدي في أملاك الكنيسة اعتراف به؟
**الكنيسة استضافت العرض مشكورة. فثمة جناح في الكنيسة الكاثوليكية يعتنق أفكاراً معاصرة بناء لتعاليم بابا روما الجديد المتميز بالانفتاح، والساعي لكسر الصورة النمطية المعروفة بالرجعية. الصورة المختلفة التي يرغبها البابا يرفضها بعض الكهنة. لكن مجموعة منهم تسعى لإيصال الرسالة الأساسية للديانة المسحية والتي تقول “الله محبة”.
*عانيت نفسياً وجسدياً خلال الانتفاضة من مرض وموت والدك إلى الاعتقال في ليلة المصارف، والانهيار الاقتصادي وانفجار المرفأ. هل يحررك “عليهم” من الألم على مختلف المستويات؟
**بل هو توظيف للألم بالتعالي عليه وليس التحرر منه، فهو باقٍ بخاصة على جبهة الفقد. بمعنى آخر هو توظيف لأحاسيس الألم بما هو أسمى، وبما يؤمِّن تطوراً أكبر لنا كبشر.
*هو عرض بغير ملابس الرقص البلدي. لماذا؟
**بعد كارثة الرابع من آب طرأ تحول راديكالي على العرض. قبله كنت في خسارات عدة، وبعده خسرت منزلي وخسرت كل الحي الذي أعيش فيه وجزءاً كبيراً من مدينة بيروت. لهذا لن تتوافق بدلة الرقص الجميلة مع مشاعري، بل تقطعني عن واقعي الغارق بحجم فقد وألم لا يوصف. وهكذا صار التحدي الكبير بالتعبير عن هذا الفقد. تركت للجسد أن يتكلم دون أية دعائم خارجية. الجسد وحيداً يروي الحكاية.
*الرقص فن، فكرة، تراث، تاريخ، مهنة، أم ماذا؟
**الرقص حركة، وليس للحركة أن توَظّف في جسد محدد. أن نرفع اليد لنقول إنها لإمرأة، أو لرجل أو لمن له احتياجات خاصة ليس صحيحاً. الحركة هي الحركة والجسد ثانوي الحضور. وأي جسد مطواع لتطبيق أية حركة. يمكن للحيوانات أن ترقص من الحصان، إلى السعدان وغيرها، وليس لنا الجزم أن الرقص اختصاص امرأة، أو هذه الرقصة أو تلك للرجل. الرقص حركة إذاً، وللحركة أولويتها على الجسد.
*كيف يتحرر الجسد عندما يرقص؟
**يحتاج الجسد للتطويع والترويض. عندما لا نرقص يُقفل الجسد على نفسه يخسر مرونته ويتشنّج. للرقص أن يفكفك عقد الجسد، وعندها تنفك عقد النفس وتتحرر.
*هل من صفات محددة للجسد المتمكن من الرقص؟
**كل جسد يمكنه الرقص. في فرنسا راقصون محترفون يقدمون عروضاً مع غير محترفين للتأكيد بأن جميعنا قادر على الرقص. خطأ شائع القول إن ثمة أجساداً يستحيل أن ترقص. ومن الخطأ القول إن الرقص ليس للجسد الممتلئ. أو تفضيلنا أن لا يرقص الإنسان المختلف. هي أفكار نمطية تحيط بالجسد الذي يمكنه أو لا يمكنه الرقص، وهي صورة يجب كسرها.
*قرأت لك أنك تُقبل على الرقص بمقاربة معاصرة. هذا الرقص الذي وصلنا من مصر حاملاً تعريف شرقي كيف تقاربه؟
**نحن في الشرق أو شرقيون بناءً لماذا؟ قررت أوروبا أن تطلق علينا تسمية شرق أدنى ومن ثمّ شرق أوسط. ونعرف أن شرق آسيا ممتد إلى اليابان. كعربي ليس لي التسليم بتسمية استيطانية، بل أنا من يقدم نفسه، ولست كما يراني الغرب. هذا الغرب يطلق على رقصنا تسمية “بيلي دانسنك” أي رقص الكرش، هل تتصورين؟ في التراث الغنائي المصري الذي يتحدث عن الرقص يسميه “بلدي” ولم يرد يوماً تعبير الشرقي. وكذلك هو بلدي في كافة الأغنيات الشعبية المعاصرة في مصر ولبنان معاً. يستلبنا الغرب حتى فيما يخصنا، وعندما نحاول تحرير الكلمة تقوم القيامة. إذاً المقاربة المعاصرة للرقص تبدأ من التسمية وكسر نمطية الكلمة المفروضة من الغرب. المقاربة المعاصرة تكمن في كيفية التعريف بذاتنا واظهارها. أحببت هذا الرقص واحترمته في المطعم والكاباريه، وعندما بدأت البحث عن ذاتي كرجل سيقدم الرقص البلدي دخلت المعاصرة. وبمجرد سؤالي عن سبب انعدام مكانة الرجل في الرقص البلدي يعني دخولي المعاصرة. وعندما حررت الرقص من الموسيقى كونهما عالمين مختلفين، دخلت في مقاربة معاصرة له. الجسد اللبناني أو العربي المعاصر هو جسد مبتور من كثرة الحروب والألغام. رَقَصْت الجسد العربي المبتور برفع يد ثم أخرى. برفع قدم ثمّ أخرى. لأظِهر كيفية تطويع جسد خسر يداً ثم الثانية، وخسر قدماً ثم الثانية. أليست هذه مقاربة معاصرة للرقص البلدي، وتطويع بعيد عن نمطية صورته؟
*كم تتمكن من تحقيق سلامك الداخلي مع مهنة أنت دائم التساؤل لماذا تثير لك متاعب أخلاقية ودينية واجتماعية؟
**بصراحة كراقص رجل تمكنت من حل مشكلتي مع المجتمع. إن لم يرغب المجتمع بحل مشكلته فهذا شأنه. النظرة إلى الرقص أمر متصل بأخلاقيات الراقص والراقصة. كيفية تقديم كل منا لنفسه سيحدث فرقاً في تلقي المجتمع لنا. كلبناني راقص قدمت عروضي في طرابلس، وبعلبك، وبنت جبيل، وفي مخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان بخاصة لدى أصدقائي في شاتيلا. كما رقصت في كفرنبرخ في الشوف. في كافة الأمكنة التي رقصت فيها كان الاحترام والتقدير ملازمان لي، عكس ما وجدته لدى قلة من المتفلسفين في بيروت. في المناطق يتلقون الرقص الذي أقدمه دون عقد وتكلُّف، وبصورة أجمل وألطف، وأكثر إنسانية مما هو حال بعض المثقفين.
*ماذا في تفاصيل عرض “عليهم”؟
**هذا العمل بحد ذاته تحدي. أملك كراقص امكانية مغادرة لبنان، والحصول على إقامة فنية لسنة في برلين، أو لثلاثة أشهر في باريس مدفوعة التكاليف كاملة. هناك أعيش وأبتكر عملاً جميلاً، وهذا يأتي في سياق احترام الفن. شخصياً أرفض بيع استشراق يُفرح الغرب كوني إنساناً مختلفاً شكلاً إضافة لكوني راقصاً. هذه القصص يتلقفها الغرب ليتباهى بأنه مخلص لشخص ما من قيود بلده، ومنحه امكانية العيش بحرية. هذا الموقف من الغرب تحديداً أرفضه ويزعجني جداً، ولن أمنح أي أجنبي فرصة القول بأنه حررني مما يسميه هو تخلفاً. لهذا السبب ولمحاذير جائحة كورونا نزحت من بيروت إلى عكار، وهناك منحني الناس الاطمئنان والثقة وتمكنت من خلق “عليهم”. وجدت بعضاً من راحتي التي غابت عني إثر وفاة والدي، وسرقة مالي من قبل المصرف وتداعيات الرابع من آب. خلقت “عليهم” من العدم، فلم أحظ يوماً بدعم مالي لأي عرض سواء من آفاق أو المورد الثقافي اللتان تمولان أعمال الفنانين. والتحدي الأكبر أن البطاقات لكافة أيام العرض مجانية. وجد “عليهم” لحاجة خاصة بالتحرر مما يختلج بداخلي. والتحرر الكامل يتحقق خلال العرض. ففي العمل نتعالى على الوجع والبشاعة.
*لماذا استوحيت عرض “إلغاء” من الاعتداءات الجنسية في ميدان التحرير في مصر؟
**كنت حينها مقيماً في مصر لورشة عمل مع الراقصة دينا. هالني مجتمع يغتصب نساءه في الشارع، فقط لأنهن عبّرن عن رفضهنّ لواقع الحياة في بلدهنّ. ليس هذا وحسب بل شكّلت تلك السلوكات المجرمة حالة تباهي لدى بعضهم. فهؤلاء يرغبون بإلغاء حضور المرأة في الشارع وفي الفضاء العام للقول لها “مكانك البيت”.
*ولك عرض آخر بعنوان “تجوال” مستوحى من الشتائم الموجهة لأجسادنا في الشارع. فماذا عنه؟
**الشارع عندنا قاسي جداً. وأي شخص مختلف لا بد سيتعرض لأذى. فما يقال عن البدناء أمر معيب. لست فقط حاملاً للواء الرجل الراقص، بل أحمل لواء الاختلاف. مجتماعتنا عنصرية على كافة المستويات.