ألهمت أكثر من 40 أوبرا لمؤلفين شتى وسلاسل عديدة: «عاصفة» شكسبير في موسيقى تشايكوفسكي

بشّار لؤلؤة
حجم الخط
0

 نسمع آلات الفلوت والهورن الفرنسي، أو البوق، أولاً، وهي تعزف نوتات ملؤها التأنّي والتؤدة، ثم يتبدّى لنا صداها في بقية آلات النفخ، الخشبية منها والنحاسية، وتنضمّ إليها الوتريات المنسابة صعوداً ونزولاً، مشكّلةً بذلك ما يشبه الأمواج الفسيحة التي تتباعد بإبطاء مهيب صوب أفق مغرق في النأي لا يطاله البصر.
وعلى حين غرّة، ينفرد بوقان فيعزفان لحناً مديداً يتجّه صوب العمق وينذر بخطر دفين، فيتصاعد التوتر بينما يعزف قسما التشيلو والكونتراباص، أدكن الوتريات، لحناً شبيهاً به ولكن في الاتجاه المعاكس، ويرافقهما فيه عازفا الترامبيت وعازف التوبا، أدكن النحاسيات وأشرسها قاطبة. وما يلبث النبض إلاّ أن يتضاعف، إذ يكرر البوقان أول نوتة من لحنهما بسرعة متزايدة وبإصرار يثير الذعر إيذاناً بعاصفة هوجاء في وسط البحر، فتندلع الوتريات والخشبيات وآلات الإيقاع وباقي النحاسيات في هجوم صاخب، فترعد الصنوج وتتفجّر الطبول وكأنها رياح عاتية تعصف بالسفينة فتقطّعها إرباً إرباً.
وفي خضمّ هذه الزوبعة نجد أنفسنا في حضرة شخص ذي سلطة وحنكة يبدو وكأن مجرى الأنواء بيده، فتهدأ الرياح لوهلة ونسمع قسم التشيلو وهو يهمّ بعزف لحن عاطفي للغاية، سرعان ما يقاطعه اندلاع العاصفة من جديد بأضعاف ما كانت عليه من عنف، ثم يعود ذلك الشخص فيطفئ نيران العاصفة رويداً رويداً. ترى هل بلغ الناجون برّ الأمان؟
وبعد فترة تهدئة طويلة تتخللها لحظات عديدة من الصمت المطبق، يعود قسم التشيلو فينشد نفس اللحن الذي يفيض غراماً، ويعزفه كاملاً هذه المرة، فيتبيّن أنه أطول بكثير مما كان عليه حين قاطعته العاصفة. ويتنامى هذا اللحن توقاً في صعوده، برفقة سائر الوتريات، حتى يبلغ الهيام أشدّه، ثم يعيد الكرّة فيتصاعد بعواطفه إلى ذروة أعلى بكثير من سابقتها، ثم يعود فيتلاشى إلى العدم، وبتباطؤ أشدّ فأشدّ.
وتفاجئنا هنا موسيقى مسعورة، إذ تبدو الوتريات والخشبيات وهي تعدو جيئة وذهاباً وفي حالة تنافر حاد، ثم يُضاف إليها اللحن المديد من البداية ولكن من أداء آلات الترامبيت والترومبون هذه المرة، فيبدو ممسوخاً للغاية لأن النبض قد تضاعف عن ذي قبل، إذ يبدو أننا نشهد سحراً من نوع لم يمر علينا من قبل. لكن النبض يعود فيتباطأ لكي يستعيد المؤلف لحن الحب في توزيع يشمل الوتريات والخشبيات فيبدو أعذب وأجمل من ظهوره الأول. وبعد لحظات عديدة من الصمت، تعود الموسيقى المسعورة على نحو أكثر تنافراً، فيظن المستمع أن عاصفة جديدة على الأبواب، لكن مؤلفنا ينعطف صوب لحن الحب من جديد فيقدمه في قالب أشدّ لمعاناً من المرتين السابقتين، ثم يعود إلى موسيقى الحنكة الجليلة.
ونسمع هنا البوقين وهما يستعيدان لحنهما المديد من البداية، إذ يبدو أن ثمة إبحارا على متن سفينة جديدة والرياح مؤاتية. وتختتم الوتريات القطعة بمرافقة عازف الطبل بنقرتين خافتتين للغاية. وبهذا تكتمل الدائرة وتنتهي فنتازيا «العاصفة» (1873) لمؤلفنا بْيَوتْرْ إيليتش تشايكوفسكي (1840-1893).

٭  ٭ ٭

يتبيّن مما تقدّم أن تشايكوفسكي لا يعيد سرد أحداث مسرحية شكسبير مشهداً فمشهد، بل يبرز عنصرَين معينَين في المسرحية ويهمل سواهما عن وعي: فهو يضع في المقدمة سحر بروسبيرو وتخلّيه عن ذلك السحر، كما يعكس حالة العشق التي تعصف بميراندا وفيرديناند، تلك الحالة التي تبدأ بتردد قبل أن يقاطعها اندلاع العاصفة من جديد. صحيح أن ثمة مقاطع تشير إلى البحر وإلى شخوص أخرى في المسرحية، مثل آريئيل وكاليبان، لكن مؤلفنا يوظف هذه المقاطع لإبراز ما يراه مركزياً في المسرحية، إذ إن هدفه أن يصل إلى جوهر مسرحية تحتمل تفسيرات لا حصر لها في ثلث ساعة من الموسيقى. كما يجد مؤلفنا أن من الخطأ إقحام القطعة في قالب موسيقي متوارث، مثل الافتتاحية أو السوناتا، فيصنّفها على أنها فنتازيا كي يحررها من أي قالب كان.
ولنقرأ ما أدرجه الناقد الروسي فلاديمير ستاسوف (1824-1906) عن هذه الفنتازيا: «البحر. آريئيل، روح الرياح، يطلق عاصفة بأمر من الساحر بروسبيرو. سفينة فيرديناند تغرق. الجزيرة المسحورة. ظهور أولى مشاعر الحب الخجول بين ميراندا وفيرديناند. آريئيل. كاليبان. حب العاشقَين يسمو إلى الوجد. بروسبيرو يعتزل السحر ويهجر الجزيرة. البحر».
هذا الوصف يفترض أن المتلقي ملمّ بتفاصيل المسرحية وقادر على ربط عناصر الفنتازيا الموسيقية التي يسمعها بتلك التفاصيل، وهي لربما الحالة المثلى التي يتمناها كل مَن أراد أن يوصل رسالة فنية ما. أما تشايكوفسكي، فهو يخاطب المستمع بلغة موسيقية من ابتكاره، تجعله يبحر معه في عالم الخيال حتى لو لم يكن قد سمع بالمسرحية، أو حتى بكاتبها، فالسر في هذه الفنتازيا أنها عمل موسيقي قائم بذاته حتى لو لم يعلم المستمع بعنوانها.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المسرحية – التي تحتوي على قطع موسيقية أكثر من أية مسرحية أخرى لشكسبير، الذي يُعتقد أنه كتبها في 1610-1611- قد ألهمت أكثر من أربعين أوبرا لمؤلفين شتى وعدة سلاسل من قطع ترافق المسرحية لمؤلفين آخرين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الفنلندي جان سِيبَليُس (1865-1957) والهولندي فِلَم بايبر (1894-1947) والفرنسيين هكتور برليوز (1803-1869) وأرنست شوسون (1855-1899)، والإنكليزيين هنري بَيرسِل (1659-1695) ومالكولْم آرنولد (1921-2006) كما شكّلت هذه المسرحية نقطة انطلاق لأفلام عديدة كذلك.
وكان تشايكوفسكي قد كتب افتتاحية-فنتازيا «روميو وجولييت» في 1870 بناء على اقتراح المؤلف الروسي ميلي بالاكيرَف (1837-1910) (الذي أرسل إليه النص الموسيقي لافتتاحيته التقليدية لمسرحية الملك لير كي يحذو حذوه). وكان أن أعاد تشايكوفسكي صياغة هذه الافتتاحية-الفنتازيا، إحدى أشهر قطعه، مرتين بناء على تصحيحات بالاكيرف كذلك قبل أن يستقر على شكلها الأخير في 1880. كما كتب افتتاحية-فنتازيا «هاملت» في 1888 وأتبعها بموسيقى ترافق «هاملت» في 1891.
وكان تشايكوفسكي إبان تدريسه في أكاديمية الموسيقى بموسكو قد أهدى بالاكيرف أولى محاولاته في هذا المجال، وهي قصيدة سمفونية بعنوان «القدر» (1868) آملاً أن يقودها هذا الأخير في العام التالي في سانت بطرسبورغ التي كانت عاصمة روسيا القيصرية آنذاك. ولم تلق تلك القطعة النجاح المرجو، بل استلم تشايكوفسكي رسالة من بالاكيرف جاء فيها:
«لقد تم تقديم قطعتك بعنوان (القدر) البارحة على نحو لا بأس به. ولم يكن هناك الكثير من التصفيق، ولربما يعود ذلك إلى التضارب المروّع في الخاتمة، وهو ما لا يروق لي البتة. يبدو لي أن القطعة لم تتطور لديك كما يجب، بل يبدو أنك قد كتبتها بتسرّع وعشوائية. فالشقوق بادية للعيان، هي والوصلات غير المتقنة. والأهم من هذا كله، قالب القطعة غير ناجح. التأليف ككل غير متناسق. إنني أكتب إليك بصراحة تامة بناء على ثقتي الكاملة بعدم تراجعك عن إهداء هذه القطعة إليّ. إن إهداءك هذا ثمين في نظري لأنه رمز مودّتك لي، وأنا بدوري أكنّ لك مودّة عميقة.
م. بالاكيرف الذي يحبّك حباً مخلصاً».

تُرى ماذا كان سيكتب لولا توخّيه الصراحة التامة؟

ولحسن الحظ، تقبّل تشايكوفسكي هذا النقد الماحق برحابة صدر، إذ كان يُعرف بتواضعه وبمساءلة نفسه بكثرة، واستمر بمراسلة صديقه وأخذ بالكثير من نصائحه، بل وقام بحرق مخطوطة قطعته تلك، ولولا جهود أصدقائه بعد مماته بثلاثة سنين، لما تمّ إعادة صياغتها بناءً على نوتات الآلات المنفردة التي شكّلت قوامها. (بل ويبدو لي أنه تغلّب على إشكالية غياب القالب المتوارث في فنتازيا العاصفة!) ورغم امتنانه لتصحيحات بالاكيرف، فقد أسرّ تشايكوفسكي لشقيقه أناتولي في رسالة قائلاً: «لا أشعر بالراحة التامة معه. ولا يروق لي ضيق أفق آرائه الموسيقية ولا لذع كلماته على الإطلاق».
والحق أن النقد ذاك كان في مكانه، والفرق النوعي بين تلك المحاولة الأولى، قطعة «القدر» ولاحقاتها شاسع للغاية. ويعود الفضل في ذلك إلى بالاكيرف من دون أدنى شك، إذ كان تشايكوفسكي المستفيد الأول. أمّا نحن، جمهور المستمعين، فثمار ذلك التبادل في متناول أيادينا… إذا ما استطعنا إليها سبيلاً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية