نماذج حميمة كتبها موتسارت بخط اليد: صورة الموسيقار في رسائله

بشّار لؤلؤة
حجم الخط
0

لم يمنّ الخالق على موتسارت (1756-1791) بطول العمر، لكن المؤلف الذي لربّما عبر الأزمنة والأمكنة أكثر بكثير من غيره من المؤلفين كتب عدداً هائلاً من الرسائل، بلغنا منها حوالي ألف تعكس حال ذهنِ عبقريٍّ فذّ في ذروة عطائه تارة، وفي أقصى حالات يأسه تارة أخرى. وثمة رسائل يتبدّى فيها مرحه وحتى طيشه.

لقد وصلتنا ألف ومئتا رسالة، لكن الباقة هذه تشمل عدداً غير قليل من رسائل بعض أفراد عائلته وأصدقائه التي شكّلت رسائل موتسارت ردوداً عليها. ولنقل إن ربع هذا العدد بخطّ هؤلاء الآخرين، فإن المرء ليعجب من غزارة رسائله، لا سيّما وأنه ألّف بموازاتها ما لا يقلّ عن ستمئة عمل موسيقيّ، منها رقصات المينويت للبيانو المنفرد التي لا تزيد مدد عزفها عن ثلاث دقائق لكل منها، ومنها أوبرات تزيد مدد عزفها عن ثلاث ساعات! فكيف وجد مؤلفنا الوقت لكتابة هذه الأعداد من الرسائل المسهبة، لا العجالات، آخذين في عين الاعتبار أن ثمة المئات من الرسائل الضائعة، أو لنقل إننا لم نعثر عليها بعد! ناهيك عن الابتكار والمثابرة اللازمين لكي تصل هذه الرسائل في حلّة مزركشة وكأنها مرصّعة بالنِّكات والطرائف؟ وهذا كله في ظرف ثلاثة عقود ونصف من الزمان؟

لم تتميز حياة موتسارت يوماً براحة البال، بل كان يلاحق لقمة العيش تدريساً وعزفاً وتأليفاً فتهرب منه، ثم يعود فيحاول اصطيادها من جديد. وكان مصيره كمصير النبي الذي لا كرامة له في وطنه، إذ لم يحظ يوماً لا بمنصب يستحقّه أكثر من غيره بمراحل ولا حتى بمساعد شخصيّ يملي عليه نصوص رسائله، بل وصلتنا رسائله الحميمة بخط يده هو وقد بدت على بعضها آثار قهوة كانت قد انسكبت سهواً، سواءً إبّان كتابة الرسالة أو أثناء قراءتها في دار المرسل إليه، أو في دار من ورثها عن هذا أو ذاك عبر القرون.

وقد تكاثرت النظريات في سبب موت موتسارت المبكّر، فلا يدري خراش ما يصيد! وممّا يزيد الطين بِلّة ضياع رفاة مؤلفنا العظيم، الأمر الذي فوّت على علماء الإنسان الشرعيين في عصرنا هذا فرصة تحليلها بغية قطع الشكّ باليقين علمياً، إذ إن حرمانه من المنصب تلو الآخر في فِينّا، تحت تأثير عقدة الخواجا سيئة الصيت، أفضى إلى إفلاسه، الأمر الذي منع أرملته، كونزتانتزه (1762-1842) مغنية السوبرانو وقريبة المؤلف الألماني كارل ماريا فون فيبر (1786-1826) من أن تواري جثمانه التراب بما يليق بموهبته وإنجازاته ومكانته المرموقة بين المؤلفين السابقين واللاحقين. وكان أن أسقط في يدها، فاضطرّت إلى اللجوء إلى أقرب مقبرة من مسكنهما آنذاك، وهي المقبرة الكائنة في أوقاف كنيسة القدّيس مِرقس في ما يدعى اليوم المنطقة الثالثة من فِينّا، كي توليها مهمة دفنه “بالجملة” أي بصحبة فقراء هذه الأرض والمعدمين، ودونما أدنى شاهد على القبر، شأنه في ذلك شأن أي امرئ كان يقطن في عاصمة النمسا القيصرية آنذاك وفي جيبه أقلّ من ثمن خبزه اليومي.

وما يزال محبّو الموسيقى يحجّون إلى “المقبرة المركزية” حيث مزارات بيتهوفن (الذي ولد في بون 1770-1827) وبراهمز (الذي ولد في هامبورغ 1833-1897) وغيرهما من المؤلفين الذين استقرّوا في فِينّا وصنعوا فيها مجدهم قبل أن يتوفّاهم فيها الأجل. (ولا ألقي كلمتيّ يحجّون ومزارات هنا جزافاً، إذ إن محبّي الموسيقى ينظرون إلى المؤلفين العظام على أنهم في مصاف القدّيسين والأولياء.)  فأمّا “المقبرة المركزية” الكائنة إلى الجنوب من حدود العاصمة فهي إحدى أكبر المقابر في منطقة أوروبا الوسطى، إن لم تكن أكبرها قاطبة. وأمّا رقعة الدفن الجماعي في أديم تلك الأرض التي تلقّت رفاة موتسارت، “ابن النمسا” فقد طوى موقعها النسيان ولم تكن لها في المقام الأول أطلال كي تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد.

وحسماً لأي تساؤل بشأن هوية مؤلفنا الوطنية، فإن المدينة التي رأى فيها النور، إمارة-أسقفية زالتسبورغ، كانت مستقلة من 1213-1803 ولم تدِن يوماً بالولاء سوى لروما وأمبراطوريتها المقدسة، لا لفِينّا! أي أن موتسارت لم يولد لا في النمسا ولا في ألمانيا، وإن ادّعته ألمانيا هي الأخرى إبناً لها على اعتبار أن زالتسبورغ، المدينة التي تفتخر بإنجابه (نكاية بعاصمة النمسا التي لم تنصفه أثناء إقامته فيها) والتي تتاخمها حدود ألمانيا اليوم، كانت تابعة لبضعة سنين معدودة ومتباعدة للغاية، قبل وبعد الاستقلالية هذه، لمملكة بافاريا الألمانية. فكان أن ضمّتها النمسا القيصرية في 1805 وورثتها عنها جمهورية النمسا الحديثة في 1955 بعد جلاء قوات الحلفاء، وظلت جزءاً لا يتجزّأ من النمسا حتى يومنا هذا، بغضّ النظر عن حقبتي الحربين العالميتين.

لذا تجد محبّي موتسارت يكلّلون بالغار إمّا مدخل الدار التي ولد فيها في مركز زالتسبورغ إكراماً لذكراه، أو قاعدة نصبه الكائن اليوم في حديقة القصر الإمبراطوري في فِينّا، وحسب.

لكن هذا كله لا يفسّر طلسم موته المبكر، بل يزيد اللغز الذي نحن بصدده غموضاً: لغز تمكّنه من التفرّغ لكتابة الرسائل المفصّلة علاوة على القطع الموسيقية منقطعة النظير وكأن لسان حاله يقول: سأعمّر لقرن من الزمان! ترى هل كان مؤلفنا يكتب، في آنٍ، آلاف الرسائل اللافتة للنظر بيدٍ ويجترح آلاف صفحات الموسيقى الخلاّبة الخالدة باليد الأخرى؟

“(بالألمانية) روما، سيدة العالم: في 25 نيسان/أبريل 1770:

شقيقتي الأعزّ،

أؤكّد لكِ أنني أتشوّق دوماً لوصول البريد من زالتسبورغ في أيامه الموعودة تشوّقاً بالغاً. لقد كنّا (أبي وأنا) البارحة في كنيسة القديس لورنس واستمعنا لصلاة الغروب، واليوم للقدّاس المرتّل، ومساءً لصلاة الغروب الثانية، لأن اليوم عيد سيدة المشورة الصالحة. ولقد كنّا قبل بضعة أيام في قصر الكابيتول (الذي كان معبداً وثنياً في قمة أعلى تلال روما السبعة، وهو مبنى بلديتها اليوم) ورأينا عدداً وفيراً من الأشياء الجميلة. وإذا ما حاولت أن أعدّد لكِ كل ما قد رأته عيناي في هذه السفرة، لما وسعت هذه الورقة.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                          لقد عزفت في حفلتين، ومن المقرّر أن أعزف في حفلة أخرى غداً. وقد جرّبنا لعبة الكرات على الأرض، وقد أتقنتها، وحينما أعود، سألقّنكِ أصولها. وحينما أنتهي من هذه الرسالة، سأكمل تأليف سمفونية كنت قد شرعت بكتابتها مؤخرّاً. أمّا الآريا (الأغنية) فقد اكتملت. والخطّاط (وهو أبي) لديه السمفونية، لأننا لا نرغب أن يقوم شخص آخر باستنساخها لئلاّ تسرق.

فولفغانغو في ألمانيا (بالإيطالية)

آماديو موتسارت في إيطاليا (بالإيطالية)».

موتسارت، إبن الأربعة عشر ربيعاً، يغيظ شقيقته ماريا أنّا (1751-1829) في أنه تعلّم لعبة جديدة قبل أن تسنح لها الفرصة في تعلّمها، رغم أنها تكبره بخمس سنين! وأنه سينهي سمفونيته (الأرجح أن تكون الحادية عشرة من أصل إحدى وأربعين) بعد إكمال الرسالة، وكأنه يتحدّث عن كوب ماء كان قد انقطع عن شربه لوهلة! كيف لا، وهو الذي ألّف أولى سمفونياته أثناء زيارة للندن وعمره لا يتجاوز الثمانية أعوام؟

أمّا المؤلفون الآخرون، مثل بيتهوفن وبراهمز وسيبليس، فقد كتب لهم أن يترددوا سنيناً طويلة، ثم أن يجاهدوا في الإتيان بلحن من هنا وهناك، ثم بقضاء وقت طويل واستثمار جهد جبّار في معالجته في مسودّة تلو أخرى، فتمرّ الأشهر، بل السنين لدى بعضهم، قبل أن تكتمل لأحد منهم سمفونية ما وكأنها قد مرّت بمخاض عسير، فتظهر مصقولة الشكل ومحكمة البناء إلى أبعد الحدود. أما مؤلفات موتسارت فتبدو مخطوطاتها وكأنها نزلت عليه “مبيضّة” متكاملة، جرّاء إملاء مباشر من ملائكة حطّت على كتفيه وأسرّت في أذنيه. ويندر أن تجد في مخطوطاته مقاطع حذفها أو نقّحها لاحقاً، ناهيك عن مسودّات، فمؤلفنا مضرب الأمثال في تأليف السهل الممتنع، إذ إن هذه روعة الموهبة التي حباه بها الخالق، وحده دون سواه من المؤلفين، وقد كان يعي ذلك تماماً:

“أنا مؤلف موسيقى، وقد ولدت قائداً للأوركسترا. لا يمكنني أن، بل يتوجّب عليّ ألاّ أدفن موهبتي في التأليف الموسيقي التي أنعم عليّ بها ربٌ كريمٌ فأغدق”.

ممّا يبرّر رد فعله اللاذع على اضطراره إلى الاحتكاك بأحد الصعاليك الذي كان قد كلّفه بكتابة قطعة ما لا تقديراً لموهبته بل من باب التفاخر بثروته لاحقاً:

“يشعّ من عينيه الغباء، ويتكلّم ويتصرّف بحماقة دوماً وبصوت رفيع مصطنع”.

ولعل مأساة حياة موتسارت تتلخص في رسالة تدمي القلب كتبها في تموز/يوليو 1789 إلى صديقه الحميم ميخائيل بوخبيرك:

“يا لله! لا يسعني أن أستمطر مصيري اللعين هذا حتى على ألدّ أعدائي. وإذا ما تخلّيت عنّي أنت، يا أحبّ أصدقائي وأخي، فإننا، أنا وزوجتي المريضة وطفلي، ضائعون، لا محالة. يا إلهي! آتي إليك بتوسّل جديد وأطلب منك مزيداً من المال. لكم قارعني القدر حتى لم أعد قادراً على كسب المال مهما حاولت، ويعتمد كل شيء، يا صديقي الوحيد، على ما إذا كنت تنوي، أو إذا ما كان في وسعك أن تسلّفني خمسمئة درهم من جديد.  يا إلهي! بالكاد أقوى على إبراد هذه الرسالة، لكنني مرغم على ذلك. اصفح عني بحق الرب، سامحني وحسب. الوداع”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية