من الصواب أن نضع مسألة الضم في سياق أوسع بقليل. قبل 27 سنة كان اليمين واليسار (حزب العمل) في إسرائيل على حد سواء يعارضون فكرة الدولة الفلسطينية. فقد أيد الليكود السيادة الإسرائيلية على كل مناطق يهودا والسامرة وغزة مع إعطاء حكم ذاتي ما للفلسطينيين، بينما أيد حزب العمل “الحل الوسط الإقليمي” مع الأردن. في 1993 سيطرت على الخطاب فكرة “حل الدولتين”. تقوم هذه الفكرة على أساس أربع فرضيات قوية: الأولى، حل نزاع محدود إقليمياً في الأرض التي بين نهر الأردن والبحر؛ الثانية، الحل يستوجب إقامة دولة فلسطينية سيادية؛ الثالثة، غزة والضفة الغربية يجب أن تكونا جزءاً من تلك الدولة؛ الرابعة، الحدود بين إسرائيل والدولة الفلسطينية ستقوم على أساس خطوط 67. منذ 1993 وحتى 2020 كانت كل الخطط التي وضعت على الطاولة، بما في ذلك خطة كلينتون في العام 2000 واقتراح أولمرت على أبو مازن في 2007، تقبل الفرضيات الأربعة كأمر مسلم به، وبالتالي كانت كل واحدة تشبه الأخرى.
“خطة القرن” الي جاء بها ترامب محافظة أكثر مما يخيل. وهي الأخرى تقبل الفرضيات الثلاثة الأولى، ولكنها تجري تغييراً مهماً بشأن الرابعة – تقسيم الأرض. فالخطة تمنح لإسرائيل ثلاث مناطق: السيادة على غور الأردن، والسيادة على كل “الكتل الاستيطانية”، وأمر ثالث – سيادة في 19 مستوطنة منعزلة ستكون في قلب الدولة الفلسطينية. وبالمقابل (حيث يميلون عندنا إلى تجاهل ذلك) يحصل الفلسطينيون على أرض في غربي النقب. لا شك أن هذه الخطة، رغم نواقصها، أفضل لإسرائيل، وعلى هذا يستحق نتنياهو الحظوة. أكثر من هذا منطقياً كان التفكير في كانون الثاني 2020 أن سيكون ممكناً استغلال النافذة الزمنية التي ما زال فيها ترامب هو رئيس الولايات المتحدة، والبدء في تنفيذ الخطة؛ أي ضم كل أو جزء من الـ 30 في المئة المخصصة لإسرائيل، غير أن الظروف تغيرت: أولاً، أن ترامب الآن في مشاكل داخلية كبرى، وثمة شك في التعويل على دعمه. وثانياً، إن الأزمة الاقتصادية في الدول العربية المعتدلة تهدد استقرار الأنظمة، وتلزمها باتخاذ موقف فظ ضد إسرائيل إذا ما وعندما تقرر تنفيذ ضم من طرف واحد. يمكننا أن نقرأ تعزيز ذلك في المقال الذي نشره سفير أبو ظبي في الولايات المتحدة في هذه الصحيفة، وهو يحذر فيه من أن فعلاً كهذا سيدمر الثقة والعلاقات الطيبة التي تبنى بين إسرائيل ودول الخليج. أمر ثالث وأهم، وهو الأزمة التي دخلت إليها إسرائيل في أعقاب كورونا.
عملية الضم ستسبب يقيناً تغييراً سلبياً في الوضع الأمني. لأول مرة منذ زمن بعيد سيكون لأبو مازن وحماس هدف مشترك يجتمعان حوله. ميليشيات فتح أيضاً، والتنظيم، والجماعة المسلحة التي أصبحت سلبية منذ 2003، تبدأ بإعداد نفسها للصراع. وبالفعل، ليس بالضرورة أن يكون مستوى العنف عالياً مثلما في زمن الانتفاضة الثانية، ولكن إذا ما حصل الأمر بالفعل، وكل هذا في ظل أزمة مع الأردن وغضب العالم، ستدخل إسرائيل مرحلة مقلقة من الأزمة الأمنية الخطيرة والأزمة الاقتصادية في آن واحد.
في العام 2000 كان وضعنا الاقتصادي جيداً، وقد تدهور بسبب الأزمة الأمنية. أما اليوم فالوضع مختلف، نحن في بداية أزمة اقتصادية أكبر مما نشعر به، فنحن في هذه الأثناء نأكل الاحتياطات بسرعة، ولكن الأسوأ لا يزال أمامنا. هذا الخليط من الأزمة الاقتصادية المؤكدة مع خطر الأزمة الأمنية الخطيرة ومع الخوف في الشتاء من إدراج الإنفلونزا مع موجة كورونا ثانية، يخلق خطراً غير معقول لا يبرر المنفعة موضع الشك من عملية ضم من طرف واحد. خيراً يفعل رئيس الوزراء إذا ما وجد ذريعة جيدة لتأجيل الخطوة.
بقلم: غيورا آيلند
يديعوت 14/6/2020