أماني جوزع جذور تمتد في القدس وتبحث عن وطنها في حكايات الأجداد

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:  هو استراق سمع أدى لهذا الحوار. فعل غير محبب لكن سيرة فلسطين حولته لفعلٍ ايجابي. كانت مفاجأة جميلة أن تأتي أماني جوزع إلى طاولة جمعتني بالمخرجة عليّة الخالدي في مقهى بيروتي لتبادر قائلة: “سمعتكو بتحكو عن فلسطين. أنا فلسطينية من الأردن أتابع في بيروت دورة تدريبية في الدراما والمسرح كعلاج للأطفال من تروما الحروب. وهاد كرتي بتمنى نتواصل”. رحبنا بها واتفقنا على أن نتواصل.

وكان لقاء في المقهى عينه وحوار حول عمل أماني جوزع في الأردن المهني منه والتطوعي، وكذلك وعن فلسطين التي زارتها مراهقة، وعاهدت نفسها بأن لا تفعل ثانية “فهذا تطبيع”. هنا نص الحوار:

* شكلت فلسطين بوصلة حوارنا هذا فماذا قال لك سماع سيرتها في أحد مقاهي بيروت؟

**من غادروا فلسطين أو من ولدوا خارجها تحديداً وبات لقاءهم معها سماعيا فقط، ومن خلال الأهل كما حالي، يسترقون السمع للتدقيق في كلام أو سيرة عنها. إنها رغبة دفينة بمزيد من المعرفة عن الوطن المسلوب. تصلنا المعرفة الحسية عبر الأشخاص وهي تختلف عن القراءة حتى وإن كانت لكتب لا تُحصى. وتختلف أيضاً عن مشاهدتها عبر الأخبار أو الأفلام والمسرح. الحاجة الدائمة هي للإستماع من خلال الناس لقصص حية وحقيقية، فمعها يصل الإحساس. من جهتي لا أملُّ من سماع قصص الذين غادروا قسرا، أو الذين بقوا في أرض الوطن. تجذبني حكاية ذاك المفتاح الذي يتمسك به الفلسطينيون. وحكايات لا تُحصى عن “الطبخة” التي بقيت “تتكك” على النار بإنتظار عودة أهل البيت. نعم أتحركش بكبار السن لسماع حكاياتهم. سرد لي جدي بعض القصص مرات ومرات، وفي كل مرة كان لديه جديد مشوق. ولهذا نظمت في الأردن مبادرة لجمع الأجداد مع الأحفاد. فالأحفاد الحاليون المنتمون للتكنولوجيا بعيدون جداً عن الأجداد، وبعيدون عن القصص الشفوية.

*وماذا حصدت تلك المبادرة؟

**نجمع الأجداد مع شباب وصبايا من عمر أحفادهم، ونمضي معهم أوقاتاً طويلة أحياناً. يحرص الأجداد على رواية ما يعرفونه عن فلسطين، وكذلك تعليم الأحفاد ألعاباً مسلية منها السبع حجرات، وكذلك الشطرنج الذي بات للأسف واحداً من التطبيقات الهاتفية ويُلعب بين شريكين بعيدين جغرافياً. هذا النشاط من ألعاب وحوارات وروايات نكرره مرة كل شهرين تقريباً.

*وهل الحماس لهذا اللقاء متساوٍ بين الجيلين؟

**بصراحة وصدق شعرت بحماس الأجداد ويفوق بكل تأكيد حماس الأحفاد. فقد الأجداد التواصل والمتعة بلقاء أحفادهم المباشرين، وهم يسمعون أخبارهم عن بعد، لأنهم يقيمون أو يدرسون خارج البلد. ولهذا كانت لهم لهفة على من التقوهم من شباب كأحفاد غير مباشرين.

*ماذا عن دورة التدريب التي تتابعينها في بيروت؟ وما هي طبيعة عملك في الأردن؟

**الدورة من تنظيم “ميبي -أي الشراكة الأمريكية الشرق أوسطية، وورد ليرننغ والجامعة الأمريكية في بيروت”. تقدمنا بالأوراق المطلوبة للمشاركة في هذه الدورة، وتم اختياري بعد منافسة على مستوى الأردن إلى جانب شاب أردني يعمل في المجال الاجتماعي والإنساني. ويشارك في هذه الدورة عدة شباب وشابات من بلدان عربية أخرى. وجميعنا يتلقى محاضرات أكاديمية حول القيادة ومهارات التواصل، وكذلك حل المشكلات والنزاعات. وفي المحور التطبيقي نعمل مع المجتمع المدني على مشاريع خاصة بنا. مهنياً أعمل في عمّان في مؤسسة الملك حسين وفي مدرسة اليوبيل تحديداً، وأدرّس برامج تطوير الشخصية. مع العلم أن مدرسة اليوبيل خاصة بالمتميزين والموهوبين، وتضم طلاباً من مختلف المحافظات بعد خضوعهم لاختبارات قياس مستوى الذكاء في الرياضيات والعلوم، والذكاء الاجتماعي والفني بما يعني الموسيقى وفنون أخرى. يبدأ هؤلاء الطلاب من الصف التاسع إلى الثاني عشر، ويخضعون للنظام التربوي الوطني والدولي. وفي جهة أخرى أعمل مدربة في مجال العلاقات الإجتماعية أو ما يُسمى الحاجات العلاقاتية وهو جزء من التدريب على مهارات الحياة، وتشمل الوالدية أو الزوجية، أو العلاقة بمدير العمل، وحتى معرفة الذات.

*وهل العلاج بالدراما الذي تقومين به من أساسيات عملك؟

**نعم، وهو ضمن المشروع الذي أعمل عليه حالياً بالتعاون مع منظمة “رايت تو بلي” أو “الحق في اللعب”. هي منظمة عالمية موجودة في لبنان والأردن وفلسطين وغيرها. عمل هذه المنظمة ينتقل من فكرة اللعب، بدءاً من كرة القدم التي تزيد التواصل بين الأطفال وتخفف العنف. إضافة للتعلّم عن طريق اللعب. ودور الموسيقى في حياة الأطفال. وتابعت سابقاً دورات تدريبية في الدراما التعليمية. فالدراما واللعب تتيح لنا تحويل عقول الأطفال الصغيرة إلى نامية. ويمكن لتلك البرامج أن تطال أعماراً أكبر مع بذل مزيد من الجهود. إذاً هو الأسلوب نفسه يتم اعتماده مع الصغار والكبار فقط الأدوات تتغير.

*كثير من الأسئلة تدور حلول منظمات المجتمع المدني تتولى تلك النشاطات خاصة تمويلها الغربي. فهل استهدافها لمجتمعاتنا بريء؟

**نعم لا يزال ما يُعرف بالمجتمع المدني بريئاً حيث هو في مراحله الأولى في عدد من البلدان. خلال وجودي في بيروت لمست أهمية العمل الذي يقوم به المجتمع المدني في لبنان وكم هو مساند أو حتى يقوم بدور مطلوب من الحكومات. في تونس كان للمجتمع المدني قدرة تغيير سياسات. بينما المجتمع المدني في كل من العراق والأردن يحتاج لمزيد من التطوير بخصوص الوعي وثقافة التغيير بحيث تصب كافة الجهود في اتجاه واحد ليكون مؤثراً.

*هل كان لك نشاط محدد في بيئة اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين في الأردن؟

**الأقل حظاً هم الهدف الأساسي لأي نشاط، والمخيمات في الطليعة. وهذا لا يقتصر عليَ بل بمشاركة التلامذة الذين أدرّسهم في مؤسسة الملك حسين. نشاط طال العديد من المخيمات الفلسطينية وتناول تعليم اللغة الإنكليزية والرياضيات. فمن ضمن برنامج مدرسة اليوبيل تنفيذ 120 ساعة خدمة مجتمع سنوياً لكل تلميذ. للتلامذة حرية اختيار المكان الذي يخدمون فيه لكننا نوجههم إلى حيث الحاجة ملحة في التعليم، وتبييض جدران المدارس القديمة، أو المساعدة في إنجاز مدارس قيد البناء. والمساهمة في زرع الأشجار في كل مكان متاح من المناطق التي تحتاج لجمالية. من جهتي تنوعت اهتماماتي وعملي وكان من بينها كاريتاس حيث درّبت المعلمين على كيفية التواصل مع الأطفال الذين تعرضوا لصدمات أو حتى خوف. فهؤلاء الأطفال يحتاجون لحصص دراسية أكثر ممتعة. اطفال النازحين السوريين يدرسون في المدارس الأردنية وفي دوام خاص، وقد دُمجت الصفوف بعضها بالآخر تبعاً لمستوى التلامذة. لذلك تكون الحصص غير ممتعة نظراً لإنتماء التلامذة لأكثر من صف وللتفاوت الكبير في أعمارهم. وقد اطلعت على كيفية تطبيق تلك الدورات على أرض الواقع في المدارس.

*لا شك العمل مع النازحين وخاصة الأطفال منهم مؤلم. هل يسعى العاملون معهم لمزيد من بذل الجهود وبالتالي النتائج لإزاحة ذاك الألم؟

**سوف تبكينني. بالطبع عمل مؤلم ومرهق نفسياً. نتركهم وتبقى سيرتهم معنا نرويها لآخرين متسائلين ماذا حدث حتى وصل هؤلاء إلى هذه الحياة. هل الجهل؟ قلة الوعي؟ أم الإقصاء؟ الفقر أو البطالة؟ لكن كما قلت إن نحصد نتيجة العمل الذي نقوم به مع نهاية البرنامج يشكل تعويضاً جميلاً. جميل جداً أن نقرأ فرح طفل تمكن من الكتابة. هذا الفرح يبهرني، كما يبهرني أن تخبرني أم “إبني لم يعد يضرب أخيه”. وأفرح حين تقول طفلة صغيرة “لأول مرة أعرف أن صوتي جميل وأغني”. فهي لم تكن تعرف أن غناءها أمر عادي ومتاح. والإنجاز المفرح أيضاً أن ينطق طفل ويشارك بعد صمت لشهرين. هذا العمل تطوعي، ويستلزم صبراً وطول أناة. أن نستسلم في منتصف الطريق فهذا يشكل خيبة لمن نستهدفهم ومن جهة أخرى قطع للخير الذي أمدنا به الله. دائماً أسأل نفسي لماذا لا أتمتع بعطلتي الأسبوعية وأخصص بعضها للعمل التطوعي؟ يأتي جوابي هذا وقت الأقل حظاً في المجتمع. ولأنه عمل من دون أجر اشعر كم يحتضن من بركة لهؤلاء الناس.

*هل تولين مخيمات الفلسطينيين اهتماماً أكثر من سواهم؟

**ربما، والسبب أن الدخول إلى مخيمات الفلسطينيين لا يلزمها إجراءات، بعكس الدخول إلى مخيم الزعتري للنازحين السوريين. لكن التطوع يجد طريقاً له بالعمل مع المخيمات العشوائية للسوريين وهي متعددة. من جهة أخرى يجد العمل التطوعي طريقه للأقل حظاً من الشعب الأردني والموجودين في المحافظات كافة. من جهتي لم أغض الطرف عن أي فئة تحتاج للدعم.

*كفلسطينية جذورها ممتدة في القدس هل ستزورينها لعمل تطوعي؟

**أكيد. عمتي تسكن في باب العمود وجدار بيتها يتكئ عليه. تتعرض دائماً للتعنيف من قبل المستوطنين، كمثل رمي النفايات عليها، ودخول مطبخها ورمي الطعام من الطنجرة. ولهذا تعيش بناتها في رام الله ليس خوفاً بل لصعوبة الحياة والتنقل بين الحواجز. زرت فلسطين بواسطة تصريح من عائلة والدتي في الخليل سنة 1999 وجلت من حيفا إلى يافا إلى الخليل ونابلس وبيت لحم. شهر كامل أمضيته في ربوع وطني ومن بعده كان قراري بعدم العودة. حزنت على وطن محتل يعاملوننا على أرضه بازدراء. حتى الدخول إلى المسجد الأقصى من الباب الصغير الذي يستلزم انحناءة للدخول مهين، فيما الأبواب الكبيرة مقفلة. كنت في عمر المراهقة والآن اعتبر تقديم جوازي للسفارة الإسرائيلية للحصول على تأشيرة تطبيعاً، ولن أفعل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية