أمجد‭ ‬أبو‭ ‬العلا‭: ‬السينما‭ ‬مرآة‭ ‬نقف‭ ‬أمامها ونتعرّى‭ ‬والواقع‭ ‬يحتاج‭ ‬لجرعات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الجرأة

زهرة‭ ‬مرعي‭
حجم الخط
0

نال‭ ‬الترحيب‭ ‬والجوائز‭ ‬لجدارته‭ ‬‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬فيلم‭ ‬روائي‭ ‬سوداني‭ ‬

بيروت‭-‬‮»‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬‬ احتلّ‭ ‬الفيلم‭ ‬الروائي‭ ‬الأول‭ ‬للمخرج‭ ‬السوداني‭ ‬أمجد‭ ‬أبو‭ ‬العلا‭ ‬‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬مكانة‭ ‬مميزة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬شاهده‭. ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬بعد‭ ‬عزوف‭ ‬20‭ ‬سنة‭ ‬عن‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي‭ ‬الزاخر‭ ‬بالخيرات،‭ ‬قدّم‭ ‬صورة‭ ‬مشغولة‭ ‬باحتراف‭ ‬عن‭ ‬مجتمع‭ ‬للغيبات‭ ‬فيه‭ ‬فعلها‭ ‬المؤثر‭. ‬فيلم‭ ‬غني‭ ‬بالقوة‭ ‬والعاطفة‭ ‬والحب‭ ‬وتغيير‭ ‬المصائر‭. ‬وحضرت‭ ‬فيه‭ ‬صورة‭ ‬لحياة‭ ‬فردية‭ ‬موجودة‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬ومتخفية‭ ‬بستار‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬سميك‭ ‬جداً،‭ ‬أو‭ ‬شفاف‭ ‬جداً‭ ‬بحسب‭ ‬الناظر‭ ‬إليه‭. ‬

‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬جال‭ ‬على‭ ‬المهرجانات‭ ‬وكسر‭ ‬قواعد‭ ‬البرمجة‭ ‬في‭ ‬أكثرها،‭ ‬مُددت‭ ‬أيام‭ ‬عرضه،‭ ‬وحصد‭ ‬جائزتين‭ ‬من‭ ‬الجمهور،‭ ‬وجائزة‭ ‬اسد‭ ‬المستقبل‭ ‬من‭ ‬مهرجان‭ ‬البندقية‭. ‬وجائزة‭ ‬نجمة‭ ‬الجونة‭ ‬الذهبية‭ ‬من‭ ‬مصر‭. ‬ورشحه‭ ‬السودان‭ ‬لتمثيله‭ ‬في‭ ‬الأوسكار‭.‬
هنا‭ ‬حوار‭ ‬مع‭ ‬المخرج‭ ‬أمجد‭ ‬أو‭ ‬العلا‭:‬
○‭ ‬قدمت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية‭ ‬فهل‭ ‬رغبتك‭ ‬بتقديم‭ ‬أول‭ ‬فيلم‭ ‬روائي‭ ‬طويل‭ ‬حفّزتك‭ ‬لإيجاد‭ ‬الموضوع‭ ‬أم‭ ‬العكس؟
•‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬لفيلم‭ ‬روائي‭ ‬طويل،‭ ‬والفكرة‭ ‬كانت‭ ‬حلُماً‭ ‬رافقني‭ ‬خلال‭ ‬الدراسة‭ ‬الجامعية‭. ‬كنت‭ ‬دائم‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬دبي‭ ‬السينمائي،‭ ‬ولسنوات‭ ‬سبع‭ ‬متتالية‭ ‬برمجت‭ ‬مهرجان‭ ‬السودان‭ ‬للسينما‭ ‬المستقلّة‭. ‬وشاركت‭ ‬في‭ ‬لجان‭ ‬تحكيم‭ ‬لأفلام‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬تشبه‭ ‬السودان،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬صناعة‭ ‬سينمائية‭. ‬الغيرة‭ ‬رافقتني‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬انخراطي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المهمات‭.‬
○‭ ‬إنها‭ ‬الغيرة‭ ‬الإيجابية؟
•‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ودليل‭ ‬تلك‭ ‬الإيجابية‭ ‬إصراري‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬فيلم‭ ‬طويل‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الصعوبات‭. ‬بدأت‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬النوم‭ ‬عند‭ ‬قدمي‭ ‬الجبل‮»‬‭ ‬حين‭ ‬اخترتها‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬قصص‭ ‬قصيرة‭ ‬كان‭ ‬مرشحاً‭ ‬لبوكر‭ ‬وعنوانه‭ ‬‮«‬شوق‭ ‬الدرويش‮»‬‭ ‬للروائي‭ ‬السوداني‭ ‬حمّور‭ ‬زيادة‭. ‬جذبتني‭ ‬تلك‭ ‬الحكاية‭ ‬ووجدت‭ ‬سأتمكن‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬السوداني‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمجتمع‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬‮«‬مُزمِّل‮»‬‭ ‬وتلك‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬آمنت‭ ‬بكاملها‭ ‬بنبوءته‭.‬
○‭ ‬ما‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬اختراق‭ ‬الغيبيات‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬بشراً‭ ‬كثر‭ ‬في‭ ‬فيلمك‭ ‬الروائي‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين»؟
•‭ ‬الغيبيات‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬وعمل‭ ‬الفنانين‭. ‬بمجرد‭ ‬وضع‭ ‬الرأس‭ ‬على‭ ‬الوسادة‭ ‬ليلاً‭ ‬تتراءى‭ ‬لنا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الغيبيات‭. ‬وعندما‭ ‬نراها‭ ‬مؤثرة‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬سيكون‭ ‬لنا‭ ‬دور‭ ‬بالكلام‭ ‬عنها‭. ‬وعندما‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬القرى‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الخرطوم‭ ‬سنلمس‭ ‬مدى‭ ‬سيطرة‭ ‬المشايخ‭ ‬وأعمال‭ ‬السحر‭ ‬وفك‭ ‬السحر‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الغيبيات‭. ‬لهذا‭ ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬قصة‭ ‬حمّور‭ ‬زيادة‭ ‬تضع‭ ‬الإصبع‭ ‬على‭ ‬جرح‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬تمّت‭ ‬معالجته‭. ‬كان‭ ‬الموضوع‭ ‬مغرياً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬السينما‭. ‬فمن‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬الشخصية‭ ‬أرى‭ ‬السينما‭ ‬حدوتة‭. ‬
○‭ ‬خلال‭ ‬كتابة‭ ‬السيناريو‭ ‬والتصوير‭ ‬هل‭ ‬واجهت‭ ‬محاذير‭ ‬معينة؟‭ ‬وهل‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬قاربتها‭ ‬بدقة؟
•‭ ‬بداية‭ ‬اخترت‭ ‬السيناريو‭ ‬سوياً‭ ‬مع‭ ‬الكاتب‭ ‬الإماراتي‭ ‬يوسف‭ ‬ابراهيم،‭ ‬شريكي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭. ‬النقاش‭ ‬الدائم‭ ‬بيننا‭ ‬كان‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬وضع‭ ‬أصابع‭ ‬الاتهام‭ ‬على‭ ‬الشيوخ‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭. ‬ففي‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬ينطق‭ ‬الشيخ‭ ‬بالنبوءة،‭ ‬إنما‭ ‬الدرويش‭ ‬ردد‭ ‬ذلك،‭ ‬وردد‭ ‬الناس‭ ‬بعده‭ ‬‮«‬يا‭ ‬حُرقة‭ ‬قلبك‭ ‬يا‭ ‬سكينة‮»‬‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدمها‭ ‬قول‭ ‬الدرويش‭. ‬فعلياً‭ ‬الناس‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬صنعوا‭ ‬النبوءة‭ ‬والشيخ‭ ‬أمّن‭ ‬عليها‭. ‬إذاً‭ ‬ورداً‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬حيال‭ ‬محاذير،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬الوجه‭ ‬الإيجابي‭ ‬جداً‭ ‬للصوفية‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬جعل‭ ‬التديُن‭ ‬لطيفاً‭ ‬وغير‭ ‬مؤذٍ‭. ‬وقفت‭ ‬الصوفية‭ ‬حائط‭ ‬صد‭ ‬بوجه‭ ‬السلفية‭ ‬المحدودة‭ ‬الحضور‭. ‬اختبأ‭ ‬الشعب‭ ‬كثيراً‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الحائط‭ ‬فكبر‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬مسيطراً‭ ‬على‭ ‬الوجدان‭ ‬وباقي‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭. ‬لهذا‭ ‬برأي‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬ماسة‭ ‬لوقفة‭ ‬تضع‭ ‬حدوداً‭ ‬لذاك‭ ‬الجدار‭. ‬فالصوفية‭ ‬تغلغلت‭ ‬في‭ ‬الأرواح‭ ‬لدرجة‭ ‬الإيمان‭ ‬بممارسات‭ ‬خاطئة‭. ‬
○‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬الفيلم‭ ‬هل‭ ‬واجهتك‭ ‬انتقادات‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬دينية،‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬تستند‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬المشاهدة؟
•‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالتحديد‭. ‬تسرّبت‭ ‬مشاهد‭ ‬من‭ ‬الفيلم‭ ‬بعد‭ ‬نيله‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجوائز‭ ‬وهو‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬لم‭ ‬يُعرض‭ ‬في‭ ‬السودان‭. ‬تلك‭ ‬المشاهد‭ ‬تسببت‭ ‬بهياج‭ ‬الصوفيين‭ ‬والسلفيين‭. ‬الصوفيون‭ ‬اعتقدوا‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يدعم‭ ‬السلفيين،‭ ‬والسلفيين‭ ‬اعتقدوا‭ ‬أنه‭ ‬يهاجمهم‭. ‬ولدى‭ ‬عرضه‭ ‬ومشاهدته‭ ‬بالكامل‭ ‬على‭ ‬نتيفلكس،‭ ‬سكت‭ ‬الجميع‭. ‬ولدى‭ ‬فتح‭ ‬يوتيوب‭ ‬ستجدين‭ ‬فيديوهات‭ ‬قاسية‭ ‬من‭ ‬شيوخ‭ ‬سلفيين‭. ‬فيما‭ ‬لجأ‭ ‬الصوفيون‭ ‬للهجوم‭ ‬عبر‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬مشاهدة‭ ‬الفيلم‭ ‬ساهمت‭ ‬بهدوء‭ ‬الجميع‭.‬
○‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬يُعرض‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬إلى‭ ‬الآن؟
•‭ ‬نال‭ ‬الفيلم‭ ‬موافقة‭ ‬الرقابة‭ ‬بكامله‭ ‬والحضور‭ ‬لمن‭ ‬هم‭ ‬فوق‭ ‬18‭ ‬سنة‭. ‬وفي‭ ‬السودان‭ ‬صالتا‭ ‬سينما‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الخرطوم،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يبتدع‭ ‬حججاً‭. ‬وعندما‭ ‬تمّ‭ ‬تذليل‭ ‬كافة‭ ‬العقبات‭ ‬والحجج‭ ‬واجهتنا‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬والإقفال‭.‬
○‭ ‬هل‭ ‬أخذت‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬وجّهت‭ ‬لك‭ ‬عبر‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار؟
•‭ ‬بل‭ ‬تهديدات‭ ‬تعدّت‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭ ‬إلى‭ ‬صحيفة‭ ‬سودانية‭ ‬حيث‭ ‬نُشر‭ ‬خبر‭ ‬كاذب‭ ‬لمحررة‭ ‬فيها،‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬تهدد‭ ‬فريق‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عرضه‭ ‬في‭ ‬السودان‭. ‬وبالتواصل‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬التحرير‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬مصدراً‭ ‬للخبر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬محض‭ ‬خيال‭ ‬الصحافية‭. ‬طلبنا‭ ‬تكذيب‭ ‬الخبر‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬للقضاء،‭ ‬فكان‭ ‬التكذيب‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭.‬
○‭ ‬لفتتني‭ ‬ثورتك‭ ‬اللطيفة‭ ‬‮«‬لم‭ ‬ننجح‭ ‬شفقة‭ ‬بالدولة‭ ‬الفقيرة‭..‬جوزينا‭ ‬بالجوائز‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عانيناه‮»‬‭. ‬لماذا‭ ‬قلت‭ ‬هذا؟
•‭ ‬لأنها‭ ‬الحقيقة‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬محقاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أننا‭ ‬نحصد‭ ‬الجوائز‭ ‬لأن‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬اندلعت‭ ‬قبل‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬عرضه،‭ ‬وأنها‭ ‬ـ‭ ‬أي‭ ‬الجوائز‭ ‬ـ‭ ‬تُشكل‭ ‬دعماً‭ ‬للثورة‭. ‬تأثرت‭ ‬بالثورة‭ ‬وأوقفت‭ ‬المونتاج‭ ‬لشهرين‭ ‬وعدت‭ ‬للسودان‭ ‬للمشاركة‭ ‬فيها‭ ‬طوال‭ ‬شهرين‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تهمني‭ ‬السينما،‭ ‬وكذلك‭ ‬احترم‭ ‬جهود‭ ‬عملنا‭ ‬لسنوات،‭ ‬وكذلك‭ ‬تفاصيل‭ ‬أخرى‭ ‬حصلت‭ ‬خلال‭ ‬العروض‭. ‬ففي‭ ‬عروضنا‭ ‬ضمن‭ ‬مهرجان‭ ‬تورنتو‭ ‬كنا‭ ‬حيال‭ ‬ثلاثة‭ ‬عروض‭ ‬فقط‭. ‬لكن‭ ‬راغبين‭ ‬بمشاهدة‭ ‬الفيلم‭ ‬تدفقوا‭ ‬عبر‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فكان‭ ‬عرض‭ ‬رابع‭ ‬على‭ ‬الهواء‭ ‬مباشرة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬الجمهور‭. ‬وفي‭ ‬اوسلو‭ ‬اضيف‭ ‬عرضان‭ ‬إلى‭ ‬الثلاثة‭ ‬المبرمجة‭ ‬للفيلم‭. ‬وفي‭ ‬مهرجان‭ ‬الدوحة‭ ‬اضيف‭ ‬أسبوع‭ ‬عروض‭ ‬كامل‭ ‬للفيلم‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬الإسلامي‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬عروض‭ ‬ضمن‭ ‬المهرجان،‭ ‬ارضاء‭ ‬للجمهور‭ ‬السوداني‭. ‬وفي‭ ‬الدوحة‭ ‬حصد‭ ‬الفيلم‭ ‬جائزة‭ ‬الجمهور،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬براغ‭. ‬أثبت‭ ‬الفيلم‭ ‬نفسه‭ ‬بمنعزل‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الثورة‭ ‬السودانية،‭ ‬وهو‭ ‬لم‭ ‬يتناولها،‭ ‬رغم‭ ‬كوني‭ ‬أهديته‭ ‬رسمياً‭ ‬لشهداء‭ ‬الثورة‭. ‬فانجاز‭ ‬المونتاج‭ ‬كان‭ ‬يتمّ‭ ‬وأرواحهم‭ ‬تتصاعد‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭. ‬إذاً‭ ‬الجهد‭ ‬الفني‭ ‬المبذول‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬هو‭ ‬سبب‭ ‬تقديره‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬
○‭ ‬قال‭ ‬الأب‭ ‬لزوجته‭ ‬‮«‬أنت‭ ‬قوية‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أقدر‮»‬‭ ‬وسافر‭. ‬هل‭ ‬تقصّدت‭ ‬اظهار‭ ‬الرجل‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة؟
•‭ ‬لنقل‭ ‬أني‭ ‬تقصّدت‭ ‬إظهار‭ ‬المرأة‭ ‬بهذه‭ ‬الصورة‭. ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬المرأة‭ ‬السودانية‭ ‬وهكذا‭ ‬أرى‭ ‬قوتها‭. ‬أراها‭ ‬في‭ ‬أمي‭ ‬وخالاتي‭ ‬وجاراتنا‭. ‬أراها‭ ‬تمسك‭ ‬زمام‭ ‬الأمور‭ ‬بقوة،‭ ‬الإدارة‭ ‬لها‭ ‬وهذا‭ ‬مقبول‭ ‬من‭ ‬الرجل‭. ‬قديماً‭ ‬ازدهرت‭ ‬أغاني‭ ‬الحماسة‭ ‬خلال‭ ‬خروج‭ ‬الرجال‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭. ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬يغنين‭ ‬ويحرضن‭ ‬الرجال‭ ‬للخروج‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬وعدم‭ ‬العودة‭ ‬إلاّ‭ ‬بالانتصار‭. ‬أشهر‭ ‬صور‭ ‬الثورة‭ ‬السودانية‭ ‬كانت‭ ‬للفتاة‭ ‬ذات‭ ‬الثوب‭ ‬الأبيض‭ ‬ترفع‭ ‬يدها‭ ‬وتخطب‭ ‬في‭ ‬آلاف‭ ‬الناس‭. ‬أكتسبت‭ ‬لقب‭ ‬‮«‬الكنداكا‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬كان‭ ‬لملكات‭ ‬الفراعنة‭ ‬السودانيات‭ ‬النوبيات‭ ‬200‭ ‬سنة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد،‭ ‬واللواتي‭ ‬حكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الرجل‭. ‬وبالمناسبة‭ ‬أنا‭ ‬حالياً‭ ‬بصدد‭ ‬مسلسل‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الملكات‭. ‬في‭ ‬‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬كنت‭ ‬بصدد‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬سكينة‭ ‬التي‭ ‬امتلكت‭ ‬قوة‭ ‬سلبية،‭ ‬فهي‭ ‬سجنت‭ ‬ابنها،‭ ‬بخلاف‭ ‬قوة‭ ‬نعيمة‭ ‬التي‭ ‬اسندت‭ ‬مُزًمِّل‭ ‬إلى‭ ‬الحائط،‭ ‬وأدارت‭ ‬مقدرات‭ ‬العلاقة‭ ‬العاطفية‭ ‬بينهما‭.‬
○‭ ‬لمُزَمِّل‭ ‬ونعيمة‭ ‬مشاهد‭ ‬مفرحة‭ ‬وجميلة‭ ‬وعفوية‭. ‬هل‭ ‬فك‭ ‬الحب‭ ‬قيود‭ ‬الشاب‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‭ ‬فانطلق‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬للخلف؟
•‭ ‬كانت‭ ‬نعيمة‭ ‬ترى‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬انقاذ‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حبال‭ ‬الحب،‭ ‬وهي‭ ‬حبال‭ ‬الحياة‭. ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬كانت‭ ‬تخطط‭ ‬للمستقبل،‭ ‬البيت‭ ‬الكبير،‭ ‬والعيال‭ ‬الكُثر‭. ‬دائماً‭ ‬كانت‭ ‬تتحدث‭ ‬بما‭ ‬يدفعه‭ ‬لرؤية‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬خلف‭ ‬النبوءة‭. ‬استوعب‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬نعيمة‭ ‬في‭ ‬اللحظات‭ ‬الأخيرة‭ ‬عندما‭ ‬صارت‭ ‬زوجة‭ ‬لغيره،‭ ‬بحكم‭ ‬التقاليد‭ ‬الشعبية‭ ‬وزواج‭ ‬الصالونات‭. ‬وعندما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لنعيمة‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بات‭ ‬متمسكاً‭ ‬بالطرف‭ ‬الآخر‭ ‬وهو‭ ‬المعلم‭ ‬سليمان،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬عن‭ ‬الحياة،‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬فارق‭ ‬الحياة‭. ‬عندها‭ ‬شعر‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬بغدر‭ ‬وخيانة‭. ‬ومباشرة‭ ‬راح‭ ‬إلى‭ ‬ست‭ ‬النسا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تملأ‭ ‬حياة‭ ‬سليمان‭. ‬أراد‭ ‬تجربة‭ ‬الخطيئة‭ ‬التي‭ ‬حكى‭ ‬عنها‭ ‬سليمان،‭ ‬ومع‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬أحبها‭.‬
○‭ ‬إذاً‭ ‬لسليمان‭ ‬و»كراكيبه‮»‬‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬عجلة‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬لدوس‭ ‬خزعبلات‭ ‬من‭ ‬يدّعون‭ ‬قراءة‭ ‬الغيب؟
•‭ ‬يمثل‭ ‬سليمان‭ ‬دور‭ ‬المثقف‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬رأيه‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬حساب‭ ‬لمن‭ ‬يقف‭ ‬أمامه‭. ‬وجد‭ ‬في‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬الخامة‭ ‬المناسبة،‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬والده،‭ ‬وكيف‭ ‬ترك‭ ‬القرية‭. ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬قاله‭ ‬سليمان‭ ‬علِق‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬مُزَمِّل،‭ ‬وبالنهاية‭ ‬اختار‭ ‬الحياة‭ ‬حين‭ ‬ركض‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬المعاكس‭ ‬للقرية،‭ ‬وبدأ‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المدينة‭. ‬في‭ ‬اقل‭ ‬تقدير‭ ‬أن‭ ‬لسليمان‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬مُزَمِّل‭ ‬بالخروج‭. ‬أما‭ ‬كيف‭ ‬سيتعامل‭ ‬مع‭ ‬حياة‭ ‬المدينة‭ ‬لاحقاً،‭ ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬لفيلم‭ ‬آخر‭.‬
○‭ ‬حالة‭ ‬سليمان‭ ‬وحياته‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬هل‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الممكن‭ ‬والمقبول‭ ‬في‭ ‬السودان؟
•‭ ‬كافة‭ ‬الأمور‭ ‬متاحة‭ ‬ضمن‭ ‬مظلة‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬بوليتم‭.. ‬فاستتروا‮»‬‭. ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬تقديم‭ ‬وجه‭ ‬المدينة‭ ‬الفاضلة،‭ ‬فالأمر‭ ‬نفسه‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬السودان‭. ‬‮«‬ستموت‭ ‬في‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬هو‭ ‬الفيلم‭ ‬رقم‭ ‬سبعة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬السودانية،‭ ‬وأثار‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬على‭ ‬وسائط‭ ‬التواصل‭. ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬حاصل‭ ‬عندنا‭ ‬ولماذا‭ ‬إخفاء‭ ‬الوجوه‭ ‬في‭ ‬الرمال»؟‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الفيلم‭ ‬المنتظر‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬20‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬السادس‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬شكّل‭ ‬ضربة‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬الرأس‭ ‬بسبب‭ ‬صوره‭ ‬الجريئة‭. ‬يحتاج‭ ‬الواقع‭ ‬برأي‭ ‬إلى‭ ‬جرعات‭ ‬كبيرة‭ ‬بهذا‭ ‬القدر،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬قمت‭ ‬به‭. ‬واحتمال‭ ‬المزيد‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فالسينما‭ ‬مرآة‭ ‬نقف‭ ‬أمامها‭ ‬ونتعرّى‭.‬
○‭ ‬تزامن‭ ‬تصوير‭ ‬الفيلم‭ ‬ومونتاجه‭ ‬مع‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعب‭ ‬السودان‭. ‬عُرِض‭ ‬وحقق‭ ‬نجاحاً‭ ‬كبيراً‭. ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الانتفاضة‭ ‬وأنت‭ ‬من‭ ‬قال‭ ‬‮«‬الفن‭ ‬والفنانون‮»‬‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬قلبها؟
•‭ ‬صح‭. ‬بدأت‭ ‬التصوير‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬12‭ ‬إلى‭ ‬4‭ ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬الأعتصام‭ ‬والتجمع‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬أمام‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭. ‬كنت‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬أنفذ‭ ‬المونتاج،‭ ‬توقفت‭ ‬وعدت‭ ‬للخرطوم‭ ‬مشاركاً‭ ‬في‭ ‬الاعتصام‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬شهرين‭. ‬في‭ ‬الاعتصام‭ ‬وجدت‭ ‬كافة‭ ‬الفريق‭ ‬الذي‭ ‬ساعدني‭ ‬في‭ ‬التصوير‭ ‬والديكور‭ ‬في‭ ‬السودان‭. ‬بعضهم‭ ‬تعرّض‭ ‬للاعتقال،‭ ‬وأحدهم‭ ‬قُصّ‭ ‬شعره‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬طويلاً‭. ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬تقاطعت‭ ‬مراحل‭ ‬الفيلم‭ ‬كافة‭ ‬مع‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬السودان‭. ‬
○‭ ‬ماذا‭ ‬علّمتك‭ ‬تجربتك‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬الروائي‭ ‬الطويل؟
•‭ ‬تعلمت‭ ‬أننا‭ ‬نحقق‭ ‬الحلم‭ ‬البعيد‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬العمل‭ ‬به‭. ‬درست‭ ‬الإخراج‭ ‬وبعد‭ ‬التخرج‭ ‬18‭ ‬سنة‭ ‬قدمت‭ ‬أول‭ ‬فيلم‭ ‬روائي‭. ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬فلسطينية‭ ‬ولبنانية‭ ‬وتونسية‭ ‬أن‭ ‬الإنتاج‭ ‬المشترك‭ ‬هو‭ ‬الحل‭. ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أني‭ ‬استفدت‭ ‬كثيراً،‭ ‬فما‭ ‬قبل‭ ‬الفيلم‭ ‬ليس‭ ‬كما‭ ‬بعده‭. ‬حالياً‭ ‬وقّعت‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬إدارة‭ ‬أعمال‭ ‬عالمية‭ ‬تدير‭ ‬أعمال‭ ‬جورج‭ ‬كلوني‭ ‬وبراد‭ ‬بيت‭ ‬وجميس‭ ‬كافرون‭ ‬وغيرهم‭. ‬بدأت‭ ‬التحضير‭ ‬لسينما‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبالطبع‭ ‬لن‭ ‬أنجر‭ ‬إلى‭ ‬سينما‭ ‬هوليوود‭ ‬وأنسى‭ ‬السودان‭. ‬أسعى‭ ‬للموازنة‭. ‬الآن‭ ‬أنتج‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬وداعاً‭ ‬جوليا‮»‬‭ ‬للمخرج‭ ‬السوداني‭ ‬محمد‭ ‬قردفان‭ ‬بهدف‭ ‬دعم‭ ‬صناعة‭ ‬السينما‭ ‬السودانية‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية