يوم الأربعاء الماضي توافد الآلاف من مؤيدي الرئيس دونالد ترامب إلى واشنطن العاصمة للاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020 والمطالبة بإلغائها. واستمعوا إلى رئيسهم يقول إنه لن يعترف أبداً بخسارته، والانتخابات الأمريكية لم تعد حرة أو نزيهة. ثم ناشد جمهوره أن يسيروا إلى مبنى الكابيتول، حيث كان الكونغرس منعقداً للتصديق على انتخاب بايدن. وبعد لحظات، كان مؤيدو ترامب قد اخترقوا خطوط الشرطة المتهاونة حول المبنى واقتحموه وأثاروا فيه فوضى عارمة تسببت في إلغاء جلسة التصديق وتهريب المجتمعين بحماية رجال الشرطة والحرس الوطني.
وبالطبع سارعت التلفزيونات العالميّة والمواقع الإخباريّة على الإنترنت إلى تقديم متابعة حيّة لتطورات الأحداث على التلّة الشهيرة، حيث يفرق كل أمر عظيم من شؤون البشر، وأبدى كثير من المعلقين والمذيعين دهشتهم مما يجري في أهم (ديمقراطيّات) الكوكب، ووصفوا أنصار ترامب بالرّعاع والهمج الذين دنّسوا قدس أقداس راعيّة (الحريّات) في العالم.
لكن ما حدث لم يكن وليد لحظة غضب عابر، أو ردّة فعل على خسارة ترامب بقدر ما هو استمرار بطرق أخرى وتصاعد لعمليّة التزوير العلنيّ ل»الحقيقة» التي يشارك بها هؤلاء المعلقون والمذيعون أنفسهم منذ إخفاق النيوليبراليّة وتفجّر الأزمة الماليّة في 2008، وما ترتّب عنها من إذلال وإفقار للملايين وسرقة لأموالهم ومستحقاتهم لإنقاذ المضاربين والبنوك. معظم هؤلاء الغاضبين – وبينهم دون شك مهووسون ومتطرفون لا يخلو منهم الأمر – أناس عاديّون تم شرنقتهم في مجموعات كراهيّة عبر وسائل التّواصل الاجتماعي وإمدادهم بنظام غذائي مستدام من أكاذيب إعلاميين مأجورين، وسياسيين مهووسين ومثقفين انتهازيين عبر منافذ الإعلام وشاشات التلفزيون، فيصوّر بعضهم ترامب ضحيّة لعصابة مهووسين يسيطرون على الدّولة الأمريكيّة فيما يصوره البعض الآخر مجنوناً يريد قلب البلاد إلى فاشيّة لذوي البشرة البيضاء. والضحيّة في الحالين الحقيقة: أن النّخبة الأمريكيّة الحاكمة ليست أكثر من وحش واحد ذي رأسين، إن لم ينهش أحدهما الجمهور المغلوب على أمره باسم الحزب الجمهوريّ، نهشه الرأس الآخر باسم الحزب الديمقراطيّ.
أوهام للجميع حسب الطلب
وسائل الإعلام الأمريكيّة بتوزعها على جانبي الشقّ المفتعل بين المواطنين الأمريكيين خلقت لأنصار اليمين الجمهوري وهماً بأنّ ترامب لديه خطة كبرى للاحتفاظ بمنصبه بطريقة سحرية وأنّه على نسق زحف القمصان السوداء الفاشية على روما سيقود الأمّة ويسيطر على السلطة باسم الشعب، فيما منحت أنصار اليسار الديمقراطي شعوراً مفتعلاً بالانتصار وطوي صفحة ترامب إلى الأبد. ولذا رأينا أمريكيين يرفضون قبول خسارة ترامب ويشعرون بالمرارة ليس فقط على الجمهوريين في الكونغرس الذين رفضوا إنكار نتائج الانتخابات، ولكن على ترامب نفسه، الذي «من الأفضل له أن يفعل شيئاً ما حيال كل هذا غداً، أو أنه سيكون أكبر خائن لنا جميعاً». بينما على المقلب الآخر تمّ بناء انطباع بأنّ ترامب أصبح خارج اللعبة تماماً وأن أنصاره سَيُسقَط في أيديهم ويتفرقوا دون إحداث فوضى حقيقة، وأنّ الخلاص ينتظرنا على قارعة الطريق اعتباراً من 20 يناير/ كانون الثاني الحالي،موعد تنصيب بايدن .
ترامب: ليس أوباما ولا جورج بوش
ترامب، بصفته رئيس الولايات المتحدّة لأربع سنوات متتالية يدرك أكثر من غيره الديناميّات التي تحكم الدولة الأمريكية، ويعلم تماماً أن المنظومة الحاكمة شديدة التماسك، وليس من المسموح لأحد مهما علا منصبه بأخذ دولة العالم الأعظم إلى فوضى تامّة. ولذا فهو لن يقاتل للبقاء في المنصب مقابل أن يسجّل – كما فعل يوم الأربعاء الماضي تماماً – أمام أتباعه الموالين أنّه خسر السّلطة نتيجة مؤامرة وغش وتزوير تقاطعت أطراف مشبوهة داخل النّظام على تنفيذها ضدّه.
لكن ترجلّه عن صهوة جواد السّلطة، قد لا يعني بالضرورة أنّ الرجل سيمضي مثل جورج بوش إلى مزرعة مسوّرة في تكساس يقضي أيّام تقاعده بهدوء يرسم لوحات ويعانق الأحفاد أو مثل أوباما يدّون مذكرات وينتج أفلاماً وثائقيّة أو كما اعتاد الأمريكيّون على سلوك رؤسائهم السابقين بعد أيّامهم في البيت الأبيض. لقد تمكّن ترامب – وهو الآتي من صناعة أوهام التلفزيون -، وبتواطؤ بعض النخب في ترسيخ قاعدة تأييد شاسعة بين ما يقرب من نصف الأمريكيين، فصوّت له في الانتخابات الأخيرة 70 مليوناً، أي أكثر ب 6 ملايين صوت حصل عليه عام 2016 رغم أربع سنوات من الصراعات السياسيّة مع الديمقراطيين على مسرح واشنطن العاصمة، وفشله – الأقرب إلى الجريمة – بإدارة وباء «كوفيد – 19» الذي يفتك بملايين من مواطنيه. ولذا هو سيمضي في النهاية وقد شيّد قلعة تعاطف شعبيّة هي الأوسع من نوعها ودفع حالة الاستقطاب المجتمعي إلى أقصاها. وهذا يعني أن سلطة بايدن الجديدة قد لا تعيش أزمانا مشمسة في السلطة، وقد يعكف ترامب على التحضير المنهجي لرحلة العودة إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسيّة التالية بعد أربع سنوات، سواء بشخصه أو من خلال مرشّح يُصنع على عينه وبقياساته، وسيكون في ذات الوقت قوّة فاعلة في إطار الحزب الجمهوري الذي – حتى بعد خسارة مقعدين للديمقراطيين في انتخابات تكميلية أجريت في ولاية جورجيا يوم الثلاثاء الماضي – يسيطر مناصفة على الكونغرس، وسيمتلك أن يجعل من كل محاولة للتشريع بمثابة كابوس مزعج.
اليوم التالي
لا وصفة جاهزة لحل الأزمة الأمريكيّة التي تتلاحق فصولاً في واشنطن، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنه ليس هنالك مذنب وحيد تسبب في كلّ هذه الفوضى – غير المألوفة – والشعبويّة المفرطة ولا حتى ترامب نفسه، وبالتالي فإن غياب أو إقصاء شخص واحد عن الصورة العامة – سواء عن شاشات التلفزيون أو مواقع التواصل الاجتماعي – لن ينهي التأزم بصفة فوريّة، وربما يلعب دوراً عكسيّاً في زيادة شعبيته وتعزيز الولاء له ك(مقاوم) من داخل النّظام.
شاشات الإعلام المرئي وصحفه المقروءة، ومنصات التواصل الاجتماعي التي تديرها شركات كبرى قريبة من مركز الهيمنة في النظام الأمريكيّ كلّها كانت شريكة بالهجوم على الحقيقة والترويج للأكاذيب والمعلومات المضللة وتضخيم الأحداث وربطها بأنساق مؤامراتيّة الطّابع طوال العقد الماضي، الأمر الذي دفع كتلاَ ضخمة من مواطني الولايات المتحدة للانخراط في ثقافة المؤامرة والأيديولوجيات المتطرفة العنيفة من أجل فهم وتفسير عالم لا يثقون به. وما شاهدناه الأربعاء الماضي ليس إلا نتاجاً طبيعيّاً لتسرّب أغراض هذه البرمجة الإعلاميّة المسمومة إلى عقول وأجساد كثير من الأمريكيين طوال سنوات.
لقد كان ترامب رمزاً وتتويجاً لمخاض سياسي في لحظة تاريخية محدّدة من زمن صعود الفاشيّات الجديدة في الغرب، ولذا، مهما كانت نتيجة محاولته تعكير انتقال السلطة لبايدن، فستبقى الترامبيّة حاضرة في المشهد السياسي حتى بعد غياب ملهمها، ولن تنحسر دون مراجعة صادقة مع الذات لا يبدو أنّ أحداً من النخبة الحاكمة وأبواقها الإعلاميّة شركاء الجريمة مستعد لها أو عازم على القيام بها.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن