“حكماء” حفظ العلاقات الأمريكية ــ السعودية يستعيدون، في مناقشة آفاقها بعد جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، سلسلة معطيات سياسية واقتصادية وأمنية، يسمونها “حقائق صلبة” على الأرض؛ تبيح لهم، في المفصّل كما في المجمل، استخلاص توصية أولى كبرى: لا مساس بتلك العلاقات، شاءت الأخلاق أم أبت، وأياً سارت قرارات الكونغرس في الدفاع عن “شرف” الولايات المتحدة.
وهم يبدأون من إحصائيات الطاقة، التي تقول إنّ أمريكا تستورد 800 ألف برميل يومياً من نفط السعودية، وأنّ هذه الحاجة (حتى إذا كانت لا تتجاوز 5% من الواردات الأمريكية) لا يجوز، ولا يمكن، الاستغناء عنها تحت أيّ مبرر، وضمن أية سلّة من الإجراءات العقابية. ثمّ ينتقلون إلى التجارة، وثمة هنا ذلك الرقم الطوطمي الذي لا يكفّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اقتباسه: 110 مليارات من مبيعات الأسلحة خلال السنوات القليلة المقبلة. فوق هذا، تبقى المملكة أوّل شارٍ للأسلحة الأمريكية، فتزيد مشترياتها بثلاثة أضعاف عن أستراليا، الشاري الثاني في الترتيب؛ وخلال العام 2017 وحده أنفقت الرياض 45 مليار دولار في هذا المضمار. كذلك فإنّ للسعودية 166,8 مليار دولار في الخزانة الأمريكية، وهي تأتي في المرتبة العاشرة من حيث الجهات الأجنبية مالكة الأسهم في أمريكا. أخيراً، في “سيليكون فالي” بلغت استثمارات السعوديين 6,2 مليار دولار، خلال السنوات الخمس الماضية فقط.
تبقى المسألة الأمنية، حيث المملكة واحدة من خنادق المواجهة الأمريكية (والإسرائيلية، استطراداُ) مع إيران؛ أياً كانت سيناريوهات التصارع (المعلَن) أو التوافق (المضمر)، على امتداد الشرق الأوسط، “من حلب إلى اليمن” كما يجزم جيمس غرانت، من “المجلس الأطلسي”، في مقال نشرته “فوربز” مؤخراً. ليس هذا فقط، بل إنّ المملكة حاربت “داعش” أيضاً (نعم! ويمكن للذاكرة الحسيرة أن تتناسى الحصة السعودية في 9/11!)؛ وهي ترعى مكة والمدينة، مما يجعل السعودية “مركز الإسلام الجيو ــ سياسي”! ولهذا، يتابع غرانت، فإنّ الإخلال باستقرار “أرض الحرمين” يمكن أن يسفر عن عواقب وخيمة.
وحكمة “الحكماء” هؤلاء تختصرها تلك الأمثولة الشائعة التي تنهى عن رمي الطفل مع ماء الاستحمام القذر، مع تعديل حاسم يُلقي إلى الجحيم بالدرس التربوي والأخلاقي الذي تتوسله الأمثولة أصلاً. إنهم يسعون إلى الإبقاء على طرفَيْ المعادلة: الطفل، ممثلاً في وليّ العهد وعقود المليارات التي يوقعها جيئة وذهاباً؛ والماء القذر، الذي يمكن الاستفادة منه في غسل أيدي القتلة، وعلى رأسهم الطفل إياه، من دم خاشقجي. وما دام نصف أمريكا، على الأقلّ، يواصل غسل أيدي ترامب ذاته من جرائم شتى، تتراكم كلّ يوم، وتتكدس وتتنوّع؛ فأيّ إثم في وضع بن سلمان داخل مغطس الغسيل إياه، قياساً على المثوبات الفلكية التي يوصل ضخها في جيوب أمريكا؟
وهذه مناسبة جديدة لكي ننزّه ترامب عن تهمة مخالفة أسلافه رؤساء أمريكا في نسف الأمثولة كلما اتصل الأمر بالمملكة؛ إذْ فعلها معظمهم، إنْ لم يكن الكلّ، في منعطفات حاسمة وأخرى تافهة، وسواء ارتدي ساكن البيت الأبيض معطف الجمهوريين أم قلنسوة الديمقراطيين. وخلال عقود الحرب الباردة كانت ستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تعتمد كثيراً على مبدأ احتواء الخطر السوفييتي بمصطلح كوني تحظى فيه الدول “الصديقة”، فما بالك بالسعودية، برعاية دفاعية وأمنية خاصة؛ وتتحمّل الأخيرة في المقابل سلسلة “مسؤوليات” تبدأ من أبسط أشكال المساندة الدعاوية ضد الخطر الشيوعي، ولا تنتهي عند صفقات الأسلحة والقواعد العسكرية. وكانت أسباب عميقة موروثة (النفط، أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي، تعطيل أيّ مشروع نهضوي ديمقراطي عربي…)، تضفي أهمية كبرى على طبيعة هذه الدول الصديقة، وتستدعي نوعية خاصة من الفعل الإجرائي التكتيكي والستراتيجي.
وبعد هذا وذاك، أيّ تفويض هذا الذي يتكئ عليه المطالبون بعقاب السعودية، منجم الذهب الأمريكي؟