أمريكا والعرب في رياح التغيير؟ انسحاب من العراق أم استقالة من ثقافة الإمبراطورية؟
مطاع صفديأمريكا والعرب في رياح التغيير؟ انسحاب من العراق أم استقالة من ثقافة الإمبراطورية؟ليس عنوان التقرير الأمريكي (بيكر ـ هاملتون) هو إنهاء احتلال العراق، بقدر ما هو الاعتراف التاريخي من قبل حزبي السلطة الحاكمة ببطلان استراتيجية كاملة للدولة، تتعدي حاجز الأزمة العراقية إلي أعمق المبادئ الفكرية المشرعة لإنجازاتها، خاصة طيلة الحقبة لما بعد انقضاء ثنائية القطبين، ومحاولة أمريكا الإمساك بالحدث العالمي بطريقة أحادية القطب الأقوي من كل أقوياء العالم الآخرين. إنه التقرير الذي يجعل من واقعة الاحتلال العسكري المحبط المعيار المركزي لصيرورة هذه الاستراتيجية، كما لو كانت تسلسلاً حتمياً لانهيار مبطن، وموازٍ لوقائع التسلط والهيمنة. إذ بدت هذه الوقائع عينها أشبه بادعاءات وهمية، وإن كان لها مظاهرها المادية المباشرة، ولكن الآنية.استراتيجية الدولة الكبيرة أو الأعظم في العصر، غير مسموح لها بارتكاب هزيمة عسكرية واحدة عادية، فكيف إن كانت من النوع المفصلي الذي يحتمل الوصف بالكارثي. لا يمكن الاعتذار عن الهزيمة بسرديات عن أخطاء الممارسة. فالاحتلال في أصله يعجز عن إفراز نظام وطني. والشعب المحتل لا يقدم نفسه للغازي كمادة أولية قابلة دائماً لتطويعها وحشرها في قالب مفروض عليها. ليس المحتل هو المؤهل لممارسة التجريب السياسي. لا يخترع نظاماً لضحيته ثم ينقلب عليه إلي سواه. عقيدة التبسيط هذه موكولة عند كل مفترق، للاصطدام بما لم يكن منتظراً. تغدو كل الأحداث عبارة عن مفاجآت لا حلول جاهزة لعقدها. جبروت الصلف وحده مسؤول عن إنتاج الأكاذيب كأنها الوقائع، وإغراقها تحت فيض الأوهام. من هنا تغدو الإمبراطورية مجرد أسطورة كبري لا يكاد يصدقها حتي مخترعوها، وإن كانوا يصطنعون التعامل مع مفرداتها كما لو كانت حقائق مؤسسة للنظر والعمل. فمنذ أن أعلن المحافظون الجدد البيان الإيديولوجي المبشر بأن الألفية الثالثة ستكون عصر الإمبراطورية الأمريكية بدون منازع، سيطرت أسطورة الأمبطرة علي عقول رجال البيت الأبيض من أيام الرئيس كلينتون، ومن قبله إبان حكم بوش الأب الذي كان عليه أن يدشن المشروع عملياً بإعداد صيغة لحرب عالمية تشن علي العراق في مطلع التسعينيات؛ وقد نظم وزير خارجيته آنذاك جيمس بيكر نفسه حشداً غير مسبوق، مؤلفاً من ثلاثين دولة وأكثر للانقضاض علي بلاد الرافدين بحجة تحرير الكويت من سيطرة جيش صدام حسين. كانت تلك هي الفاتحة الأولي التي رسمت طريق تحقق الأمبراطورية، مقترنة دائماً بمنازلة العراق. فلا ألفية ثالثة أمريكية بدون تدمير هذا البلد العربي، أولاً بحرب الكويت، ثم بالحصار الاقتصادي السياسي المالي الفريد من نوعه، المضروب علي العراق طيلة اثنتي عشرة سنة، تم خلالها إنهاك حضارته وامتصاص قوي الحياة والإنتاج من شرايينها حتي الرمق الأخير من كل ما صنعته ثورة التنمية الشاملة عمرانياً تربوياً وصناعياً تقنياً، عندما كادت بغداد تحقق تلك القفزة النوعية الاستثنائية، شبه المستحيلة، من القرون الوسطي إلي صلب مدنية العصر بمقاييسه الحداثية العالمية. وقد فعل العراق كل ذلك من دون بقية أقطار العرب، وخاصة منها أقطار النفط الخليجية الأخري المشهورة بتبعيتها المطلقة لنموذج تنمية الهدر والفساد، العشوائية.الذاكرة العربية الكارثية لن تنسي ذلك المشهد السريالي التراجيدي الذي ضم اجتماعاً تاريخياً، عشية حرب الخليج الثانية، بين السيد طارق عزيز نائب الرئيس العراقي وجيمس بيكر، عندما وقف هذا الأخير صائحاً في وجه زميله ومهدداً ملوحاً بيده أنه سوف يعيد العراق إلي القرون الوسطي إن لم يخضع مستسلماً لشروط مجلس الأمن. ذلك هو المدخل المفهومي لحقبة الأمبطرة الأمريكية المشروطة بتدمير إحدي طلائع المدنية العربية بوصفها التجربة الحداثية الفريدة والناجحة في الانفلات من قمقم التخلف وحراسّه الغربيين من محتكري ثقافة التقدم والحرية. ومن سخرية الأقدار أن (بيكر) الذي صمم تدمير العراق قبل خمسة عشر عاماً هو نفسه الذي توكل إليه دولة الأمبطرة مهمة الإجهاز علي مشروعها، بعد أن صار للدمار العراقي مهمة الضحية المهددة لجلادها.فما يعنيه استنقاع الاحتلال في وحول خيباته هو استعصاء إنقاذ فلوله الا بمعونة أعدائه؛ وبدءاً من تدبر مأتمه الخاص في معمعة الاقتتالات الأهلية، وذلك باجتراح هدنة كاذبة، ومصالحات زائفة بين أقطابها تحت وطأة الجحيم العراقي عينه؛ وفي ذات اللحظة استئناف مناورات الصفقات مع دول الجوار. لكن العنصر الأهم الذي يرتكز إليه تقرير بيكر هو هذا التبني الكامل لجملة الانتقادات العربية والدولية الموجهة إلي كلية الأداء الاحتلالي، وما تفتق عنه من المشاريع السياسية والإدارية، بما فيها العملية السياسية الهادفة إلي صيغ استهلاكية لسلطات مركبة. لكنها عكست ـ بأمانة تامة ـ مخططات التفكيك العضوي للحمة المجتمع، العراقي، التي تؤلف، أي هذه المخططات، صُلْبَ عقيدة الغزو القائمة علي أساس المسح الشامل لخارطة التكوين الإنساني والتاريخي المتوارث للبلد المحتل، والعمل علي استبدالها بخارطة تكوين مصطنع، ومحكوم بأيديولوجيا التسليم الطوعي بأولوية العامل التقسيمي علي كل ما عداه من عوامل التماثل والتضامن والتداخل وحقائقها البدهية المعاشة. وإنها هذه الحقائق نفسها التي صمدت وأحبطت استراتيجية الاحتلال، ولا تزال تصارع ذروة هذه الاستراتيجية الفاشلة، في تعميم المهالك البشرية الجماعية المروعة؛ وكرد فعل انتقامي عقابي شرس ضداً علي تعاظم المد الشعبي المقاوم، الجامع والموحد لمعظم القوي الوطنية الأصلية؛ وهي المتصدية وحدها لجيش الاحتلال وأدواته، وهي المحاصرة له منذ ساعاته الأولي، وهي التي، ووحدها دائماً، أجبرت أمريكا، وليس احتلالها وعسكرها فحسب، وعلي أعلي مستوي سياسي سلطوي، أجبرتها علي الاعتراف المدوي محلياً وعالمياً بخطيئة المشروع الإمبراطوري الأصلية، ومن أساسه الأيديولوجي، واستناداً إلي تهافت خياراته التدميرية، وممارساته المتسلسلة من مبدأ الأرض المحروقة للعدو، ثم لمفتعل الحريق نفسه.الهزيمة الحقيقية لا تقتصر علي تدبر مأتم الانسحاب من العراق، بل الاستقالة من ثقافة الإمبراطورية. بمعني أنه الأمر الأصعب حقاً ليس في طي صفحة الغزو فحسب، وليس حتي في احتمال الفقدان، أو الزعزعة لبقية أدوارها (العربية) الأخري في الشرق الأوسط والاجهاض المبكر لمخططاتها المستقبلية في أقطاره. بل إن السؤال التراجيدي الأعلي الذي لا بد أنه يراود عقول كبار الاستراتيجيين في هذا المنعطف الأخطر في تطور فلسفة المصير الأمريكي نفسه، هو التالي: من هي أمريكا بدون الإمبراطورية، وما ستكون عليه بعد تحررها من وعثائها. ثم، وهنا بيت القصيد، هل الخلاص من الأمبطرة فعل إرادي؟ أليست أمريكا والإمبراطورية في هذا العصر عنوانين لكينونة واحدة؟ وبالتعبير الفلسفي، وقد ينجدنا في هذا السياق، هل المسألة هي توصيف واقع أو محْضُ إمكان.في كل الأحوال لن تنتهي أزمة أمريكا مع ذاتها لمجرد طي الصفحة العراقية، بل ربما اشتدت الأزمة المصيرية، وتأججت عناصرها أكثر باختلافاتها وتناقضاتها البنيوية المسكوت عنها غالباً باتباع سياسة الهروب إلي أمام، أي بالمزيد من شبق الهيمنة والسيطرة علي العالم بطريقة اصطياد ضعفائه أولاً وحصار أقويائه، وتقنين اقتصادياته وفق أولويات المصالح الأمريكية العليا. إلي هذا الحد غير المسبوق من التأزم الذاتي، يمكن للمأزق العراقي أن يضع العقل الاستراتيجي الأمريكي علي مفترق الخيارات المصيرية. وقد راحت هذه الحالة تنعكس علي الممارسات المناقضة للدبلوماسية الأمريكية إزاء القضايا الدولية الساخنة والعربية منها خاصة. تقرير بيكر ـ هاملتون قد أوقع انفصاماً حقيقياً في التخطيط والممارسة الخارجية للدولة. ما زال المحافظون الجدد يصارعون ضد التغيير قيد التنفيذ الذي أحدثه انقلاب التشريعيات لصالح الحزب الديمقراطي. والساحات العربية الحارة، من العراق إلي فلسطين ولبنان، تتلقي عقابيل هذا الانفصام. ومن الظاهر حتي الآن أن المخطط التفكيكي وأداته المقتلات الأهلية المتبادلة هو الفاعل الأول في المستنقع العراقي. وكذلك يراد استنساخه علي شكل تهديد متصاعد بأهواله، عبر حرب أهلية لا تزال سياسية بين فريقي السلطة والمعارضة الثائرة في الشارع اللبناني. وهناك نسخة ثانية أو ثالثة معدة لتتابع فصولها بين فريقي السلطة، من رئاسة وحكومة في فلسطين: انفجارات وجرائم الأمس تهيئ أخطر كوارث القضية الفلسطينية المصرة علي تجذير الانقسام الوطني بالمهالك الدموية، وتدمير أحلام الاستقلال والتحرر بالتقاتل الشارعي علي مغانم السلطة، بين شيوخ النضال وشبابه، وذلك بالنيابة عن العدو الاسرائيلي المشترك لكليهما معاً.تلك هي من صميم أسلحة المرحلة البوشية. وتستخدمها الآن في أعلي توتر ممكن، لخلق جبهات مفتوحة للمهالك الأهلية في هذه الأقطار الثلاثة، العراق وفلسطين ولبنان، وذلك دفعاً للتغيير المناقض لمسلمات البوشية وإمبراطوريتها الوهمية، ذلك التغيير الجارية اليوم مناقشة بنوده وإجراءاته في الغرف الخلفية للطبقة الحاكمة في واشنطن. لكن عناوين التغيير ومبررات قراراته أضحت مشاعة تحت أقلام المدافعين والمهاجمين في وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية. هنالك ما يشبه ضجة عالمية حول الآتي من التحولات الأمريكية. كأنما لكل دولة أو أمة حصتها المنتظرة من حصائل الانفصام الأمريكي في قمته السياسية بل الاستراتيجية.أما العرب فليس لهم من كل هذا الا حصص المتلقين السلبيين لما يخطط لأنظمتهم وشعوبهم، من ما وراء المحيطات. لكن من المضحك المبكي حقاً أن تلك الدول المصطفة في خانة (المعتدلين) حسب أحدث تصنيف لكوندوليزا رايس، قد أمسي حكامها محسوبين علي الجبهة المرشحة للخسارة في البيت الأبيض. ولذلك، ودرءاً للمصير المحتوم، تضاعف هذه الأنظمة من جاهزيات التفكيك لمجتمعات المنطقة، بوسائل تعضيد المذهبة وتغذيتها بين جناحي الاسلام، بدعم أحدهما ضداً علي الآخر. تلك هي وسيلتها الدفاعية الأخيرة عن عروشها، مع رياح التغيير الآتية هذه المرة من ما وراء المحيطات.9