لا أحسب وجود كبير غضاضة في التذكير بضرورة الدقّة في الترجمة من لغةٍ أجنبيةٍ إلى اللغة العربية، سواءً على مستوى المفردات في ورودها في النصوص، أو على مستوى المُصطلحات التخصّصية في العلوم والآداب والفنون. فشكل المفردات والمصطلحات المترجمة تبقى في مجال القارئ الثقافي، وخصوصا إذا كانت من عمل شخص «مشهور» أو من عمل أجنبي عن اللغة، يقول إنه متخصِّص باللغة العربية من دراستها في جامعة أوروبية مشهورة. وهنا تبرز «عقدة الخَواجه» التي تجعل بعض القراء ممن لا يُحسن اللغة الأجنبية يشعر بضرورة احترام عمل ذلك المتخصِّص الأجنبي، ولا يجرؤ على مناقشتها.
ويحضرني الآن مثال سبق أن ذكرتُه في مناسبات شتى، لا أرى بأساً من ذِكره بشيء من التفصيل لأهمية ما جاء فيه من أخطاء لا يمكن التساهل في شأنها، ولكي أذكِّر بعض الكرام الكاتبين أن «ليس كلُّ ما يأتي من الغرب يسرّ القلب» على رأي الحكمة الشعبية. هذا رجل إنكَليزي ذو ميول أدبية درس اللغة العربية في كمبرج، وجاء إلى بغداد في حدود عام 1948 لتدريس اللغة الإنكَليزية في معهد عالٍ ليكون نواةً لجامعة بغداد التي لم يتم تأسيسها رسمياً إلاّ بعد ذلك بحوالي 10 سنوات. دنيس جونسُن ديفيز (1922-2017) سرعان ما تعرّف على أبرز أديب جاء إلى بغداد بعد طوفان 1948، أستاذي المرحوم جبرا ابراهيم جبرا، خريج جامعة كمبرج بماجستير في الأدب الإنكَليزي؛ وهكذا التقى ببغداد خريجان من أكبر جامعة في بريطانيا. وعن هذا الالتقاء تعرَّف دنيس على عدد من الشعراء والأدباء والفنانين ببغداد. وربما أوحى إلى بعضهم أنه يستطيع أن يقدِّم آدابهم إلى العالم الناطق بالانكَليزية مما استهوى بعض المتطلِّعين إلى الشهرة منهم. ولنأخذ مثالاً مما فعله هذا الرجل ونشره في الفصلية الأدبية البريطانية «إنكاونتر» بتاريخ تشرين الأول/أكتوبر1971. ثم أعاد نشرَه في مجلة وزارة الثقافة ببغداد.
قام هذا الرجل بترجمة أعمال المشاهير العرب إلى اللغة الانكليزية مثل نجيب محفوظ، الطيب صالح، ومحمود درويش. أنا لم أطّلع على هذه الترجمات، لذا لا أستطيع إعطاء رأي عن مدى دقّتها وقدرتها على استيعاب لغة محمود درويش وصورها واستعاراتها الهائلة. ولكن أمامي مثالٌ مما ترجَمه من أعمال الشاعر العراقي عبد الوهاب البيّاتي: قصيدة «بكائية لشمس حزيران». يقول البيّاتي: «نحن لم نَقتل بعيراً أو قطاة» فترجم قطاة إلى crow أي غُراب، فقتل المعنى وظلالَه. ثم «حاملين الوطنَ المصلوبَ في كفٍّ وفي الأخرى التراب»، فترجم «المصلوب» إلى murdered أي المقتول غيلةً! بدل الكلمة الموحية crucified، كما ترجم «كفّ» إلى fist أي «قبضة اليد». فهل يحمل الاإنسان شيئا بكفّه المفتوحة أم بيده المقبوضة؟ ثم يتجاوز ثلاثة أبيات من القصيدة لسبب غير معروف. ويترجم «شهيد» إلى hero فيضيع معنى الشهادة في القصيدة. ويترجم كلمة فُرسان إلى horsemen فأين معنى الفروسية في القصيدة؟ ثم يأتي إلى مجموعةٍ شعرية للبيّاتي بعنوان «سِفر الفقر والثورة» فيترجم سِفر إلى journey غير مُدركٍ الفرق بين السِّفْر بالكسر وبين السَّفَر بالفتح «بعد هذه المعرفة أيّانَ الغُفران» يقول ت.س.إليوت!
ولكن الرجل ترجم للمشاهير من الأدباء العرب فصار مشهوراً ولا أدري إن كان أحداً قد راجَع ترجماته إزاء النصوص قبل أن يُكرَّم بالجائزة الكبرى، أم أن هذا لا ينطبق على الخواجات؟
أما مصطلحات النقد الأدبي الواردة من لغات أوروبية فرنسية أو إنكَليزية فالتزام الدقة في ترجمتها إلى العربية يجب أن يراعي قواعد اللغة العربية نحواً وصرفاً، وهو أمر بدهي، إضافةً إلى ضرورة أن تراعي الذائقة اللغوية في صيغتها ونطقها، وليس من الضروري الإبقاء عليها كما وضعها المشاهير في ما مضى من الزمان. الرومانسية والكلاسية أصحّ وأدق من الرومانتيكية أو الرومنطيقية، فليس في لغات أوروبا حرف ط و ق؛ ولا الكلاسيكية بالنسبة مرّتين. فالنسبة للإسم في العربية تكون بياء النسب، وكلمة رومانس في الإنكَليزية لا يقابلها إسم في العربية بدقّة لذلك يجب أن تبقى مترجمةً لا معرّبة. مسرحية «روميو وجولييت» توصف بانها كوميديا وهي ليست بملهاة قطعا. وقد كانت كلمة كوميديا في القرن الرابع عشر في إيطاليا تفيد قصة ذات مغزى جليل تقدَّم بلغة عامية وهذه صيغة قصيدة دانته الكبرى «الكوميديا الإلهية» التي تتحدث عن الحياة والموت والجنّة والنار والسماوات السبع، وكل ذلك بلغة عامية هي اللغة الإيطالية التي سمّاها دانته لاتينية العوام.
ومما يتصل بضرورة مراعاة قواعد اللغة العربية في ترجمة المصطلح أو تعريبه يكثر ورود كلمتي عشرينيّات وثلاثينيّات بالإشارة إلى سنوات 1920 و 1930… والصحيح يجب أن تكون عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر أو نحو ذلك. هذه تسمى أسماء العقود، وتجمع جمع مذكر سالم. أما عشرينية وثلاثينية فهي صفات تشير إلى المرأة في سنوات العشرين من العمر أو في السنوات الثلاثين… أو انها صفة الذكرى العشرين أو الذكرى الثلاثين لحادث طيب أو غير طيب، مثل ذكرى زواج أو ذكرى وفاة أو استشهاد. فنقول عشرينية زواجه أو أربعينية استشهاد فلان أو فلانة، ولا يجوز الخلط بين الصفتين.
وفي ترجمة المفردات تقتضي الدقّة الإنتباه إلى أن معاني المفردات تتغيّر مع تغيّر الأزمان، فلا يجوز أخذ المعنى الأول في القاموس بل يجب الانتباه إلى السياق والزمان الذي كتب فيه. في اللغة الانكَليزيه مثلا كانت كلمة pen-pencil في القرن السادس عشر وفي كتابات شكسبير و ُجايليه تعني «الريشة» التي ترفع اللون إلى اللوحة في الرسم، أو الريشة التي يُكتَب بها، وفي العصور اللاحقة صارت تعني القلم الذي نكتب به. وكانت كلمة scandal تعني جرحاً في مقدمة الرأس نتيجه الاصطدام بجدار أو نحوه. وفي عصور لاحقة صارت تعني «فضيحة» كما هو معلوم. وصفة brave في القرن السادس عشر كانت تعني «جميل أوبهي، كما نجد في كلام ميراندا في مسرحية شكسبير «العاصفة» عندما نجت السفينة التي كانت فيها وصَعدت إلى البَر فقالت: what a brave morning وقد ترجمها بعضهم بالمعنى المعجمي الأول: يا للصباح الشجاع! ولم يسأل المحروس نفسه: هل هناك صباح شجاع وآخر جبان؟ وكلمة bail لم تكن تعني الفعل «يكفل» أي يقدِّم كفالة لتحرير سجين أو نحو ذلك، بل كانت تعني «يضم» كما تضم الأم طفلها إلى صدرها. مثل ذلك الإسم hue ، الذي كان يعني هيئة المرء أو شكله، ولا تعني اللون كما صارت تفيد لاحقا. وكلمة modern كانت تعني «مُبتذل» لا كما تعنيه اليوم: حديث أو عصري. أما كلمة background الإنكَليزية التي تُرجمت ترجمةً حرفية كسيحة إلى «خلفية» وهي في الأصل تشير إلى ما خلف الدار من حديقة أو رمال أو مُهمَلات، وهي تُذكِّر بالخُلف والخِاف والتخلّف، وأجد الأفضل أن نستعمل كلمة أرضية، أو قاعدة، فنقول: تقوم هذه الدراسة على أرضية فلسفية أو اقتصادية. وأنا استعمل الكلمة القرآنية الجميلة: مِهاد: لأنها توحي بالأرض «وجعلنا الأرض مهادا».
أما ترجمة معاني القرآن الكريم فيكون التزام الدقّة فيها مسألةً في غاية الأهمية والخطورة. فعلاوة على وجوب توافر المعرفة الدقيقة باللغتين عند المترجم، إضافةً إلى المعرفة بالثقافة العربية والإسلامية، والانتباه إلى ورود المفردة في السياق، ثمة ضرورة عَرض الترجمة على عربي مسلم ضليع باللغتين لتنبيه المترجم إلى ما فاته من ظلال المعاني التي قد تؤثر في الصيغة المترجمة. ففي ترجمة الهندي المسلم عبد الله يوسف علي ثمة أخطاء لا تُغتفر، لأن الرجل على سعة علمه كان يثق بالمعنى الأول للكلمة كما يرِد في القاموس. وهذا قد أساء إلى الترجمة لأن الرجل لم يعرض عمله على عربي مسلم كان يمكن أن يُجنِّبَه هفواتٍ ما كان به حاجةٌ إليها.