«كلكامش» هي الأقدم المعروفة في التاريخ:  عن أدب الملاحم

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

من المعروف المتداول أن كلمة «ملحمة» تُطلق على معركة حربية كبيرة بين جماعتين من البشر كلاهما قوي، وكلاهما يبتغي النصر على الآخر. وليس المهم هنا الدخول في جدل حول متى بدأت هذه الكلمة تُستَعمل في العربية، أو من الذي ابتدعها. بل المهم أن نستعرض أبرز أمثلة الملحمة في الآداب العالمية، وأبرز من ألّف على منوالها، ومحاولة معرفة إن كان في تراث الأدب العربي ملحمة أو ملاحم تشبه المعروف من الملاحم في الآداب العالمية.
ففي تراث الأدب الرافديني لدينا ملحمة كلكامش وهي أقدم ملحمة معروفة في تاريخ البشرية، تُصوِّر صراع البطل البشري مع وحش يقوم على حراسة غابة الأرز وينتصر عليه. وإلى جانب هذا الصراع ثمة جوانب من المشاعر الإنسانية في علاقة الصداقة بين البطل كلكامش وبين صديقه أنكيدو، كما يوجد وصفٌ بديع لسعي الإنسان نحو الخلود في البحث عن نبتة الحياة التي ما كاد أن يحصل عليها حتى خطفتها منه الحيّة، رمز الشر في الحياة.
وفي التراث الإغريقي والأوروبي العالمي لدينا الملحمتان: الإلياذة والأوديسة، وكلاهما من عمل الشاعر الإغريقي
هوميروس الضرير، الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، يتحدث فيهما عن حرب طروادة التي حدثت في حدود عام 1250 قبل الميلاد، مما يشير إلى أنها كانت حكاية شفوية تتناقلها الأجيال، حتى جاء هوميروس فجعل منها قصيدةً طويلةً تُعَد أول وأجمل أمثلة الشعر الإغريقي القديم، وقد جُمعت نصوصها في حدود عام 700 قبل الميلاد، أي حوالي 100 سنة بعد وفاة مؤلفها هوميروس.
تتحدث الإلياذة عن غضب البطل أخيليس من البطل الطروادي باريس ابن برايام ملك إسبارطة بعد أن أغوى هيلينة زوجة مينيلاوس وهرب بها إلى طروادة. وتستمر الحرب مدة عشر سنوات تنتهي بانتصار أخيليس وجيشه ومقتل الكثير من الجانبين. وبهذا تكون أول حرب مدمِّرة في العالم القديم سَببُها إمرأة.
وبعد نهاية الحرب يعود البطل أوديسيوس إلى وطنه وسط مخاطر البحر، واستغرقته العودة عشر سنوات، قدر ما استغرقت الحرب، ليجدَ زوجته ما زالت تُشاغل الخُطّاب المجتمعين في قصرها يحاولون طلب يدها بدعوى أن الزوج البطل أوديسيوس لن يعود من حرب طال أمَدُها. ولكن عودة الزوج البطل إلى الزوجة الوفيَّة يُبدِّد أحلام الخُطّاب فيتخلّص منهم أوديسيوس.
وقد أثارت هذه الملحمة الإغريقية عدداً من الشعراء البارزين الذين نظموا ملاحم على غرار الإلياذة، وأبرزهم فيرجيل الرومي (70 ق.م.-19ق.م.) الذي نظم «الإنيادة» ثم جاء دانته اليكييري (1265-1321) الذي كتب «الكوميديا الإلهية». وكانت كلمة الكوميديا في القرن الرابع عشر تعني في اللغة الإيطالية «حكاية عن موضوع جليل بلغة عامية» وكانت الإيطالية هي عامّية اللاتينية في القرن الرابع عشر. ثم يأتي مِلتُن الإنكَليزي ( 1608-1674) وينظم ملحمةً كبرى بعنوان «الفردوس المفقود» عن فقدان الحياة الأبدية في الجنّة، ثانيةً بسبب الإمرأة حوّاء التي أكلت الفاكهة المُحرّمة في الجنّة وأطعَمَتها إلى آدم مما تسبّب بغضب الله والسقوط إلى عالم الأرض الزائل. ولا يوجد بعد هذه الأمثلة من الملاحم الكبرى ما يرقى إلى الأمثلة الإغريقية أو اللاتينية، أو الإيطالية أو الإنكليزية.
وفي تراثنا العربي لدينا قصص طويلة عن الحروب والبطولات الفردية والجماعية مما يمكن أن يُسمّى ملحمة. من ذلك قصة الزير سالم، وقصة بطولات عنترة بن شداد، وقصة سيف بن ذي يزن (516-574م) ملك اليمن الذي هزم الأحباش ودخل بلادهم غازياً بعد أن حاولوا غزو بلاد العرب، في قصة عام الفيل المعروفة. وقصة بطولة عنترة بن شداد فيها صُوَر متعدّدة لأنها كانت، مثل أغلب قصص الملاحم، يتناقلها الرواة شفاهاً، لذلك نجد منها صيغاً مختلفة. وفي ذلك الكتاب العجيب «كتاب التيجان في ملوك حِميَر» نجد قصصا عن حرب البسوس وعن حروب القبائل والبطولات الفردية، ولكن لا أحسب أن تلك القصص ترقى إلى مرتبة الملاحم. وربما كانت قصة بطولات عنترة بن شدّاد تُعدّ ملحمة في نظر بعض الباحثين، ولهم بعض الحق في ذلك، لأنها قصة تناقلتها الرواة على مرور السنين وفي مجتمعات مختلفة. وأنا شخصياً قد شَهدتُ صورةً من قصة بطولة عنترة بن شداد وذلك باللغة السريانية/ الكلدانية. فقد حضرتُ مرةً احتفالاً في قريةٍ في شمال الموصل كان فيها الكثير من الرقص والغناء بلغة لا أفهمها. ولكن الحفلة انتهت بجلسة على الأرض إلتفّ فيها الرجال والنساء في حلقة أمام «القَصّة خون» الذي بدأ يروي قصة بطولات عنترة بن شداد: «أخّا يومَه من يوماثي بلِطلَ عنتر لشَّرِّ» ففسّرها لي من بجانبي: «في يوم من الأيام خَرَج عنتر للحرب» وما لبث أن «عنتر غزيلي خّا طورة رابه» عنتر رأى صخرة جبل عظيمة، «عنتر حْمصْلة كبيرة باعتقاديّخ لو طورة خّا جيشي رابة» فتحمّس عنتر باعتقاده أن هذا جيش عظيم فضرب الصخرة بسيفيه فانفلقت نصفين.
وهكذا تستمر قصة البطولة مع صرخات إعجاب من الحاضرين ثم انفضّ الجميع متضاحكين بين مصدِّق ومكذّب. ومن بينهم راوية الملحمة «القصّة خون» السعيد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية