أجبر آلاف النازحين الذين فروا من مدينة رفح بعد أن أقدم الجيش الإسرائيلي على اجتياح المدينة مطلع ايار/مايو الماضي، وفي ظل ضيق مساحة المنطقة الإنسانية التي حددها الجيش للمدنيين في تلك المدينتين، على نصب خيامهم بالقرب من شاطئ البحر.
ومع قرب حلول فصل الشتاء وبدء التقلبات الجوية، تشهد أمواج البحر ارتفاعا حادا ومدا ملحوظا للمياه باتجاه خيام النازحين، إلى جانب هبوب رياح عاصفة تهدم في كثير من الأحيان الخيام، الأمر الذي أثار مخاوف النازحين الذين بدأوا بالبحث في ظروف قاسية عن بدائل آمنة، مع التهام أمواج البحر عشرات الخيام القريبة من شاطئ البحر، وغرق أمتعة الكثير من النازحين بالمياه وجرف البعض منها إلى البحر. وأطلقت وكالة الأونروا مناشدات إلى كل النازحين من خلال إرسال رسائل نصية على هواتفهم، تطالب كافة المتواجدين على ساحل بحر جنوب قطاع غزة بضرورة الانتقال إلى المناطق الآمنة شرقا، مع تعرض بعض الخيام للغرق خلال الأيام الماضية، كما أدان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة الصمت العربي والدولي المريب عن استمرار ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة على غزة، وسط تجاهل لكل المناشدات الداعية إلى ضرورة التدخل للجم الاحتلال ووقف الحرب، ويزداد القلق في ظل إقبال النازحين على كارثة إنسانية خطيرة مع استمرار عمليات النزوح المتكررة، وعدم توفر أماكن مناسبة وقلة أعداد مخيمات النزوح ويزداد الخطر أيضا مع دخول فصل الشتاء.
ويواجه النازحون معاناة هي الأقسى بالنسبة لهم، وتتنوع ة بين استمرار الحرب ودخولها عامها الأول، إلى جانب أن خيامهم باتت مهترئة من أشعة الشمس الحارقة ومن الصعب الحصول على بدائل، يتزامن ذلك مع تقليص المساعدات المقدمة للنازحين نتيجة إغلاق المعابر الإسرائيلية مع غزة، وتعرض الكثير من شاحنات المساعدات للقرصنة والسرقة من قبل قطاع طرق يعملون على التعرض للشاحنات وإطلاق النار عليها ومن ثم الاستيلاء على حمولتها وبيعها في الأسواق بأسعار باهظة.
وفي الوقت الذي استجاب فيه عدد من النازحين لمناشدات المؤسسات الدولية، وشعور البعض بحجم الخطر من استمرارية بقائهم على شاطئ البحر، إلا أن أعدادا كبيرة لم تخرج بعد وترفض الامتثال للمناشدات لعدم توفر أماكن بديلة، في ظل الازدحام الكبير بكافة مناطق جنوب القطاع بالنازحين، وإن توفرت بعض المساحات فإن المكوث فيها يكون بمقابل مادي، وهذا ما بات يواجه أعدادا كبيرة من النازحين، الذين طلب منهم أصحاب الأراضي تقديم مبلغ مالي مقابل سكنهم فيها، في حين يحالف الحظ المقتدرين ماديا، بينما الآلاف ضاقت بهم السبل ولم يتمكنوا من دفع ولو القليل من المال، مقابل منحهم قطعة صغيرة جدا لنصب خيامهم عليها.
لا مكان غير الشاطئ
على شاطئ بحر منطقة مواصي خانيونس جنوب القطاع، تنتشر المئات من خيام النازحين بعضهم فضل استغلال فصل الصيف والسكن على شاطئ البحر، ولم يدرك أن قدوم فصل الشتاء سيكون ضيفا ثقيلا عليه، والبعض الآخر ضاقت بهم السبل ولم يجدوا مكانا غير شاطئ البحر لنصب خيامهم، لكن جميعهم يواجهون ظروفا صعبة، حيث يشتكي النازح أكرم سلطان من تعرض خيمته بشكل مستمر مع ساعات الليل لقدوم أمواج البحر عليها وغرق أجزاء من أمتعته، حيث يقضي نهاره وهو يضع سواتر ترابية وحجارة لصد الأمواج عن خيمته، لكن هذا الحل مؤقت ولا ينهي المعاناة خاصة وأننا على أعتاب فصل الشتاء.
ويقول لـ«القدس العربي» إنه ناشد المؤسسات الدولية العاملة في غزة وأصحاب الاختصاص العاملين في المجال الإنساني، من أجل توفير مكان آمن قبل الوقوع في كارثة لا تحمد عقباها، لكن لم يجد أي استجابة من أحد، وما زال يحاول تحصين خيمته إلى حين أن يتلقى مساعدة من أحد تنهي معاناته. وبين أن «الحرب طالت ولم نكن نتوقع أن تستمر إلى هذا الوقت، والمواطنون يواجهون ظروفا صعبة، لا خيام آمنة ولا ملبس ولا أغطية، حتى الحصول على النقود أمر بات مستحيلا، مع توقف الآلاف من العمال عن عملهم، وهذا زاد من تدهور الأوضاع».
أما النازح عصام عليان فقد جرفت أمواج البحر خيمته على شاطئ بحر مدينة دير البلح، وخسر الكثير من أمتعته الأساسية من مواد تموينية وغيرها من الممتلكات من فراش وملابس، وبات حاليا بلا مأوى بعد أن تحطمت خيمته التي أقامها من الخشب وبعض قطع القماش والنايلون.
يقول لـ«القدس العربي»: «بعد الكارثة الصعبة ضاقت كل الخيارات بالنسبة لي، ولم أجد من يساعدني في مصيبتي، لأن الكل مهموم والكل يبحث عن معيل ونحن في زمن لا أحد يساعد أحد، لذلك قمت بإعادة ترميم الخيمة ونقلها عن شاطئ البحر مسافة قليلة شرقا، لعدم وفرة أماكن كما أن أجرة النقل مرتفعة جدا، وانا غير قادر على توفير تلك التكلفة حتى لو توفرت مساحة، وهذا هو حال الآلاف من النازحين الذين يواجهون واقعا صعبا».
بدوره يقول الخبير البيئي محمد طافش إن «موسم الخريف والشتاء يشهد تقلبات جوية باردة وماطرة، إلى جانب ارتفاع مستمر في أمواج البحر، وبالتالي تختفي ظاهرة الجزر ويستمر البحر طوال هذه الفترة في المد ويختفي جزء كبير من شاطئ البحر، وبالنسبة لشاطئ بحر غزة هناك مشكلة قائمة منذ سنوات، كثير من المناطق لا يوجد بها رمال وعمليات المد البحري مستمرة طوال العام، وهذا ناتج عن إنشاء مواطنين ألسنة بحرية بشكل عشوائي وبدون رقابة».
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي « إلى أن «فكرة إنشاء نقاط إيواء على شاطئ البحر، أمر خطير وبالتحديد خلال هذه الفترة من العام، فأمواج البحر تتقدم بشكل متدرج، ومع اشتداد الرياح تجرف المياه كل ما يوجد على الشاطئ، لذلك على كل من يتواجد من نازحين على شاطئ البحر، عليهم إلا يجازفون بأرواحهم والانتقال إلى أماكن آمنة تحسبا لجرف الأمواج لهم».
وطالب الخبير البيئي الجهات المختصة بضرورة مساعدة النازحين والبحث عن مأوى آمن لهم، وإجبار من تبقوا على شاطئ البحر بضرورة الانتقال قبل فوات الأوان، خاصة منهم القريبون من الشاطئ ويحاولون وضع سواتر أملا في حسر المياه عنهم، لكن كل ما يحاولون وضعه لا يمكن أن يصمد أمام قوة الأمواج التي تجرف الرمال والحجارة.