طرابلس- ناديا الحلاق: تقع مدينة طرابلس، شمالي لبنان، على بعد نحو 80 كلم من العاصمة بيروت، زاهية بتاريخها، الذي سطره الفينيقيون، قبل أن تتعاقب عليها الأمم والعهود.
وتعتبر طرابلس، المدينة الأولى بثروتها التراثية على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، إضافة إلى معالمها الأثرية التي تعود إلى أكثر من 700 سنة قبل الميلاد.
الدكتور والباحث في تاريخ طرابلس والمجاز في علم الأنساب فؤاد طرابلسي سرد للأناضول تاريخ تأسيس المدينة، منذ عهد الفينيقيين وحتى اليوم.
يقول طرابلسي إن المدينة، التي تأسست سنة 700 قبل الميلاد، سميت طرابلس بعد تعريب كلمة “تريبوليس” اليونانية التي تعني “المدن الثلاث”، حيث نشأت المدينة بعد اتحاد ثلاث مدن في العهد الفينيقي.
ويضيف: قبل أن تكتسب هذه التسمية، سميت بأسماء عدة على مر التاريخ منها “دربلي”، “أهلية”، “مهالاتا”، “مايزا”، “كايزا”، و”آثر”، إلى أن سماها اليونانيون “تريبوليس” في القرن الرابع قبل الميلاد.
وأشار إلى أن تاريخ مدينة طرابلس، يرتبط بالحضارة التركية بشكل خاص، حيث عاشت تحت حكم المماليك ومن ثم العثمانيين، لفترة تاريخية تزيد عن 725 عاماً.
ولفت إلى أن المباني العثمانية، التي صبغت المدينة أيام العثمانيين، ومنها بوبابة القلعة التي وضع عليها نقش كتابي، يثبت أنها أنشأت على يد السلطان سليمان ( 1566- 1494)، نجل السلطان سليم.
ويشير إلى أن العمارة الموجودة في طرابلس من أساس مملوكي، وبعدهم جاء العثمانيون ليضعوا لمساتهم المميزة على المدينة.
وبحسب الباحث فإن أهم ما تميزت به المدينة في العهد العثماني هو خان الغميضة، الذي اصبح اليوم يعرف باسم خان العسكر، وهو من أقدم المباي في طرابلس.
ولفت إلى أن من جملة المباني العثمانية جامع “محمود بك السنجر”، المطل على نهر أبو علي، ومسجد “التفاحي” الموجود في الزاهرية، والذي أعيد بناؤه بعد إهمال شديد، ليسمى فيما بعد المسجد الحميدي نسبة للسلطان عبد الحميد (1918- 1842).
من جهته، يقول رئيس نادي آثار طرابلس بكر الصديق إن مدينة طرابلس تضم أكثر من 160 معلماً أثرياً، ومن أبرزها: “ساحة التل”.
ويشير إلى أنه في العهد العثماني أنشأت ساحة رئيسية في طرابلس عرفت باسم “ساحة التل” وكانت، القلب النابض للمدينة وما تزال من أهمّ وأرقى المناطق بالمدينة.
وكانت هذه الساحة على غرار الساحات الأوروبية، أنشأها العثمانييون لتواكب التطورات الحاصلة في تلك الفترة، وفق الباحث.
وتابع: أول مرفق في ساحة التل كان “مقهى التل العليا”، ومنها انطلق الوالي العثماني عزمي بك الى شق طريق عزمي الشهير وهو شارع ذات بناء عثماني.
وأضاف أن السلطان عبد الحميد قام بعدها ببناء أبراج الساعة الحميدية بمناسبة مرور 25 سنة على توليه العرش، فكان لطرابلس حصة في ذلك.
وبعدها أصبحت كل المرافق الحكومية موجودة ضمن نطاق هذه الساحة، مثل السراي العثماني الذي هدم ظلماً وعدواناً في الستينات، مبنى البلدية، البريد، الفنادق الرئيسية، سيار الدرك.
وأوضح أن “بعض الأحياء السكنية الجديدة تشعبت حول الساحة في العهد العثماني مثل ساحة الكورة، شارع عز الدين، ساحة النجمة، شارع العجم وغيرها.
ولفت الصديق إلى أنه منذ نحو 10 سنوات ومدينة طرابلس تشهد هجمة شرسة على المباني الأثرية والتراثية، لأن الدولة اللبنانية لم تصنف كل هذه المباني على لائحة مديرية الآثار.
وينوه إلى تحركات غير حكومية عبر تشكيل مجموعة من المهتمين لحملة بهدف إنقاذ آثار طرابلس، وهدفها توثيق المباني الأثرية وحمايتها من الهدم، وقد حقق نتائج إيجابية.
وعلى صعيد التعاون بين الدولة اللبنانية ونظيرتها التركية لإعادة ترميم هذه الأبنية القديمة المهددة بالاندثار يقول الصديق: هناك تعاون وثيق بين لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس، برئاسة خالد تدمري وبين وكالة التنمية التركية “تيكا” في الكثير من الاعمال الترميمية.
ويوضح أن “تيكا” رممت العديد من الآثار كالتكية المولوية مروراً بساحة التل، برج الساعة الحميدية، وجامع الغنطاسي، إضافة إلى مشاريع جديدة مثل جامع المعلى، الخانقا، وهي مأوى للأرامل والمسنات.
ويضيف: سترمم محطة سكة الحديد حتى تصبح متحفاً للسكك الحديد ومن أهم المشاريع المطروحة أيضاً إعادة بناء الثرية العثمانية وسط الساحة التل بطرابلس.
وختم: ننظم سنوياً مهرجانات احتفالية بمناسبة يوم طرابلس الموافق 26 إبريل/ نيسان، ذكرى تحرير طرابلس من الصليبيين سنة 1289، وذلك بمشاركة فرق تركية تأتي من إسطنبول، لتسليط الضوء على أهمية المدينة التاريخية وتراثها. (الاناضول)