“صوت” سي دي جديد من غناء أميمة الخليل وكورال الفيحاء. كلمات من جميل الشعر العربي الحديث، كتبه كبار رحلوا، ومخضرمون وشباب. الصوت البشري وحيدا بدون آلات، صوت أميمة وكورال الفيحاء. فالصوت البشري هو النغمة الموسيقية الأعتق. لهذه الأصوات مجتمعة لحّن مارسيل خليفة فتجدد وأبدع في مختلف أنماط الغناء. وأجاد الموسيقي إدوارد طوريكيان توزيع تلك الألحان على حناجر فيها من الأنغام ما يحتاج ويفيض. ومن لا يعرف مسبقا أن الغناء أكابيلا لن يلحظ سريعا غياب الآلات. الأب الروحي لهذا الإنجاز المايسترو باركيف تسلاكيان أتقن إدارة المهمة مع “صوت أميمة ومئة حنجرة وحنجرة” كما قال.
مع المايسترو باركيف تسلاكيان وأميمة الخليل هذا الحوار المنفصل والمتصل:
نسأل أميمة الخليل:
* 11 عملا غنائيا للصوت عاريا من الآلات. كيف ولماذا هذا التحدي الكبير؟
** أحد الأحلام التي راودتني تقديم عمل غنائي كامل بدون آلات موسيقية. بذرة “صوت” بدأت في 2011. ورشة اشتغلتها بحماس كبير مع مارسيل خليفة على مدى أربع سنوات. سلمني مارسيل سبع مقطوعات. وخلال مراحل عملي اكتشفت أن التعبير يحتاج لعناصر إضافية. أشار مارسيل للتنفيذ مع العود، أو مجموعة عزف صغيرة. وخلُص إلى حل بتنفيذه مع باركيف وكورال الفيحاء. وما أن تواصلت مع باركيف حتى حضر بكليته، فشعرت بأنني استندت إلى جبل. سألتني عن التحدي وتعرفين كم يستفزني استسهال الغناء. من يرغب يغني ولاعتبارات مختلفة. في أعمالي المختلفة من زمن، خطبة الأحد، وجد، مطر وحاليا صوت أشعر نفسي في تحدٍ لإمكاناتي. وفي كل جديد أقدمه أشعر بأنني تقدمت خطوة واكتشفت جديدا في التعبير من خلال صوتي. ودائما أشعر بالمسؤولية في تقديم الجديد.
*مع صدور صوت كم صرت تمسكين بناصية الأكابيلا؟
**في “صوت” رافقتني حناجر أخرى. العمل أكثر دقة، هو التزام بجهوزية الكورال وليس جهوزيتي وحدي. مع صوتي منفردا أنا أكثر حرية على كل المستويات. تعبير الصوت البشري وسماعي للحناجر أمر يريحني وكذلك المتلقي.
*كم تجاوزت صعابا في هذا العمل؟
** كثيرة هي الصعاب. العمل الذي يقوم على الصوت وحده يحمل الكثير من الصعوبات. صعوبات تتمثل بالجهوزية، الدقة والالتزام. أن يمرض عضو في الكورال يذهب الموعد هباء. هما سنتان من الصعوبة والجمال معا. كل عمل مشترك تتخلله مطبات. علينا النظر للأمور بصفاء وطيبة لينجز العمل. فنحن كلبنانيين نسجل تقدما كأفراد وليس كمجموعات. وفي النهاية النتيجة والتقدير يشكلان حافزا للمتابعة.
*هل تخليت عن أنانية ما كفنانة خلال العمل؟
**الأنانية موجودة دائما، في أماكن ما يرى الفنان عدم ضرورتها. قد تكون الأنانية مفيدة عند توظيفها لصالح العمل وليس الشخص. ومزيد من التفاصيل ليس مفيدا للقارئ.
*كون “صوت” أساسه الحنجرة البشرية فقط فهل كان صوتك يحتاج عناية خاصة خلال مرحلة التسجيل؟
** في كل الأعمال الغنائية يجب أن يكون الصوت حاضرا. لا شك بالأثر السلبي للطعام، التعب، قلة النوم والضغط النفسي. ويبقى الإستعداد هو عينه لكل الأعمال الغنائية.
*هل ألغيت مواعيد عمل خلال سنتي الإعداد لـ”صوت”؟
** حدث إلغاء مواعيد لأسباب خاصة بعملي المنفرد وعمل كورال الفيحاء المنفرد، ولأسباب تتعلق بتعب أحد من الكورال أو فريق العمل. جميعهم ما شاء الله شباب مندفع، وأنا أكبرهم. إجمالا كان الكورال جاهزا بجميع أعضائه.
*جمع “صوت” أقطابا في الفن مارسيل خليفة، أميمة الخليل، بركيف تسلاكيان، وإدوارد طوريكيان وأهم الشعراء. هل كانت الأفكار متطابقة دائما؟
**عندما يبدأ العمل بحب وتصميم لتقديم عمل يوضع للمرة الأولى على الخريطة الغنائية العربية كي يصبح منطلقا وأساسا لأعمال مشابهة، سيرى الفريق المتعاون كاملا الإيجابيات بمنظار أكبر من السلبيات. رغم اختصاص وحرفية الجميع يبقى حيز تبادل الرأي وتصحيح بعض الأمور متاحا. باب الرأي كان مفتوحا، وإنجاز العمل أتى سلسا. من جهتي كانت مهمتي أداء هذا العمل بما يرضي كاتبيه من شعراء وملحن.
*أي قصائد اختارت أميمة برغبة وإصرار؟
** “أن تُحب” للشاعر مروان مخول من فلسطين. ونقلت رغبتي لمارسيل وهو أعجب بالقصيدة.
*قصائد تنوعت بين فصحى وعامية لمن كان الخيار الغالب؟
** من عادة مارسيل خليفة أن يكون مسؤولا عن العمل الفني من الألف إلى الياء. اختيارات الشعر لمارسيل وأرجِّح أنها قديمة العهد لديه وقبل تسلمي لها في سنة 2011.
*لماذا أعجبتك جدا “أن تُحب”؟
** هنا أقول إن العمل بكليته كان مرشحا لأن يحمل اسم أن تُحب. فالحب هو قيمتنا الكبرى الضائعة.
*أين يقع هذا العمل في مسيرة أميمة؟
** الآن “صوت” محطة أساسية جدا في مسيرتي. كذلك كان ولا يزال كل ما غنيته سابقا بدءا من عصفور طل من الشباك، إلى أحمد العربي، زمن، ظلالنا، في آخر الأشياء، نيالك، رسايل، شو بحب غنيلك، خطبة الأحد إلى نيو شام وهو نص لمروان مخول شكل مناجاة للبلدان العربية من خلال الشام. “صوت” محطة أساسية استغرق إنجازه وقتا طويلا، وأعتبره خطوة أساسية في الغناء العربي المعاصر.
نسأل المايسترو تسلاكيان أولا:
*هل كانت مغامرة “صوت” محسوبة بدقة؟
** في نظري هو تحد وليس مغامرة. النجاح كان مضمونا، والبحث جرى حول نسبة النجاح. التحدي نتج من غياب الآلة الموسيقية، وهذا ما أعتقده غير مسبوق عربيا. أما صوت المغنية فمشهود له. لم نسجل في الأوستوديو كي لا يتدخل الكمبيوتر، بل في مكان مدروس لجهة هندسة الصوت. تمّ التسجيل كاملا في مسرح مدرسة العظم في طرابلس. تيكران ايشكانوف مهندس صوت مختص في التسجيل للكورال أتى من أرمينيا، هو موسيقي ومهندس الصوت للأوركسترا الوطنية الأرمنية.
*لماذا صوت أميمة دون سواها؟
** لن أنتقص من قيمة المغنين والمغنيات. كثيرات منهن رائعات ومحترمات. أعتبر الموسيقى مساوية للإحساس. نلجأ لكل التقنيات بهدف ملامسة الإحساس في نهاية المطاف. بعيدا عن الإحساس الموسيقى هي حسابات. أميمة متمكنة مما أبحث عنه مئة في المئة. إنسانيا نحن متشابهان. حلّت أميمة ضيفة على كورال الفيحاء الذي وضع ضمن برنامجه أغنيتي “عصفور ولبسوا الكفافي” لمارسيل خليفة، كانت تجربة ناجحة. هذا اللقاء أدى لولادة فكرة ألبوم أكابيلاّ، وانطلقنا. يمكن تنفيذ عمل مماثل مع صوت آخر، إنما هذه الألحان تليق بصوت أميمة. وكون مارسيل وأميمة متعارفان منذ زمن طويل ومتعاونان. بطبيعة الحال فهو يعرف تماما كيف يكتب لصوتها.
*حسب علمنا هو تحد فني غير مسبوق بتقديم عمل غنائي كامل للصوت البشري وحده. لأي الناس توجهتم والشرق يحب الموسيقى؟
** “صوت” عمل حمل الإحساس الذي سبق وأشرت إليه. سجّل بدون تقطيع وبدون تركيب. فقط نفذنا توازنات من خلال الميكروفونات فكانت الحصيلة إحساسا كاملا متكاملا. وهذا يكفي لوصول “صوت” لجميع أنواع المتلقين من العارفين بالموسيقى وغيرهم، من الصغير إلى الكبير. مع كورال الفيحاء وبالتنسيق مع أميمة استعملت تقنيات صوت سيدرك العارفون بالموسيقى لدى سماعها كم هي عالية الجودة. الطرب سيطال المتلقي العادي، والموسيقي سيعرف لماذا أُطرب، وما هي التفاصيل التي أدت لإطرابه.
*بملاحظة أولى وخام لدى سماع أولي للسي دي بالكاد نلحظ غياب الآلات الموسيقية. ما هو تعليقك؟
** الصوت البشري أسهل آلة موسيقية وفي الوقت نفسه أصعبها. امكانات الصوت البشري واسعة لدرجة القول بعجزنا عن استخدامها جميعها. في هذا العمل كان صوت أميمة مع آلات بشرية ينطقون معا الحرف وباللحظة نفسها. أي يعزفون موسيقاهم في اللحظة عينها. من يسمع “صوت” سيقول بوجود أوركسترا بشرية خلف أميمة الخليل. في الغناء يتحول الجسد جميعه لآلة موسيقية وليس فقط الحنجرة. تناغم الأصوات فيما بينها يؤدي لآلة موسيقية مختلفة. في هذا العمل استخدمنا الهارموني برائحة عربية. آداء شباب وصبايا كورال الفيحاء والتناغم والتوازن في لفظ الأحرف أمر يحتاج للكثير من الاحتراف. ولهذا استغرق تسجيل 11 أغنية سنتين من العمل الجدي، وكانت النتيجة جميلة. ولو أطلنا زمن العمل أكثر لكانت النتيجة أجمل، ففي الفن الكمال هدف لا نصله.
*هل من مصاعب واجهتكم تقنيا وفنيا في مرحلة التنفيذ؟
**كنا ندرك أننا لسنا حيال عمل سهل. الفن الراقي صعب. هي مصاعب طبيعية، فلسنا حيال آلة موسيقية بل صوت بشري قد يطرأ عليه مرض، عدم التزام بالتمارين، “مود” غير إيجابي أو غير ذلك. الصلة مع هؤلاء الناس تشبه عملية دوزنة الآلة الموسيقية، أي علينا دوزنة نفسيات المغنين. تبدأ الدوزنة من طريقة الوقوف، التوافق في الإحساس بين الجميع. هو تحدي طبيعي نعرفه في العمل مع الكورال.
*هل للموزع الموسيقي إدوارد طوريكيان خصائص دراسية محددة تساعده في التوزيع للصوت البشري فقط؟
** إضافة إلى كونه موهوبا يحمل طوريكيان دكتوراه في الموسيقى، وهو دقيق للغاية في عمله. الأغنية الناجحة تبدأ بحرف، فالشعراء جميعهم مميزون. ويأتي لاحقا دور اللحن، فمارسيل خليفة بالنسبة لي أسطورة ويتقن التلحين بتطابق مع الكلمات. وعندها نكون مع أغنية ناجحة جدا تحتاج لتوزيع. درس طوريكيان الكلام، وتعرّف إلى أفكار الشعراء وبعض من حياتهم. كذلك درس حياة الملحن. في “صوت” نحن مع توزيع مختلف عن المعروف عالميا، استخدم الهارموني المعروف بتقنيات جديدة نظرا لوجود المقامات العربية. ونعرف أن استخدام الهارموني في المقامات العربية شبه مستحيل. نجحنا بتوزيع تلك المقامات نظرا لخبرة 16 سنة من التعاون بين كورال الفيحاء وطوريكيان في توزيع الأغنيات العربية. في “صوت” كان للتوزيع الوزن نفسه بين الشاعر والملحن، وجاء الأداء المتطابق كلمة كلمة. ولأن كل العاملين في “صوت” متقاربون إنسانيا كانت النتيجة التي سمعناها.
*أين تقع هذه التجربة في سياق عمل كورال الفيحاء؟
** ليس جديدا على كورال الفيحاء استعمال المقامات العربية بتوزيع هارموني. “صوت” أخذنا إلى مكان مختلف كليا واستفدنا كثيرا من التجربة، وهذا جيد وطبيعي جدا. استخدمنا في كل أغنية مقامات عربية عدة، وكان انتقال مفاجئ أحيانا من مقام إلى آخر. يحدث ذلك في الأغنية عندما يتمكن الكورال من تقنيات عالية وحرفية كبيرة، لتكون النتيجة طبيعية وسلسة. نحن الآن مع تجربة وخبرة أكبر ومزيد من التطور.
*هل سيكون لـ”صوت” حفلات للجمهور العريض؟
**أكيد وفي كافة أنحاء العالم. سنة 2020 سنقدمه في فرنسا في خلال مؤتمر موسيقي عالمي، فنحن نحمل معنا عملا تاريخيا في توزيع المقامات العربية، وتسجيله المباشر. وقد حققنا هذا النجاح لأن أميمة الخليل كانت موجودة في كل التمارين دون غياب أو تأخير. كذلك حال كورال الفيحاء فرع بيروت، طرابلس ومصر جميعهم كان في التسجيل. وسنقدم السي دي وأفضل منه خلال الحفلات لأننا دون شك سنحقق تطورا بعد كل حفل.