أمين نايفة: قدمت فيلماً حقيقياً بقصة بسيطة والفيلم

زهرة مرعي
حجم الخط
0

«200م» يُعرض قريباً في فرنسا وأمريكا ويروي بشاعة الصهاينة ونضال الفلسطيني

بيروت-»القدس العربي»: «200م» فيلم من فلسطين للمخرج أمين نايفة نال حتى الآن 20 جائزة عربية ودولية. قصة يومية مُعاشة حوّلها نايفة إلى شريط سينمائي استحوذ على إعجاب الجمهور ونال «جائزة أفضل فيلم من جمهور مهرجان البندقية» التي أفرحت صانعه لأنها الأولى، وجاءت بعد العرض الأول عربياً ودولياً. وكذلك حظي بإعجاب النقّاد. الفيلم يروي واحدة من مئات حكايات التعذيب الممنهج الذي ينفذه الاحتلال الصهيوني على امتداد فلسطين التاريخية، بهدف التيئيس، الذي يمنّي نفسه بأن يدفع أهل الأرض للرحيل. فالـ «200م» التي يتجاوزها أحدنا بدقيقتين فقط، يحولها جدار الفصل العنصري إلى ساعات طويلة من الذل والإنهاك الجسدي والمعنوي. ليس هذا وحسب بل هو شتّت العائلات بين من هم داخله وخارجة كحال الزوجين مصطفى وسلوى. وفي هذا الشريط الذي التقط الكثير من المشاعر الإنسانية الحميمة واللطيفة، كان التوتر أيضاً يصل أحياناً إلى حدوده القصوى.

إنها الحياة التي نجح المخرج أمين نايفة في تسجيل كافة تقاطعتها مع بشر يختلفون ويتمايزون وقد يتشابهون. منهم المناضل، والمحتل الغاشم، والعاشق، والأب الحنون، والزوجة التي تشتاق زوجها، والأم الكفوءة في إدارة الأزمات والمصاعب المركبة التي يتسبب بها الإحتلال. ومن بينهم أيضاً المسترزق والسمسار الذي يعتمد منطق «الغاية تبرر الوسيلة».
بعد عرض الفيلم عبر منصة «أفلامنا» في إطار ملتقى بيروت السينمائي كان هذا الحوار مع أمين نايفة:
○ كم من معاناة يومية يعيشها الشعب الفلسطيني تشبه ما رأيناه في فيلم «200 م» استولدها الجدار العنصري؟
• لكثرتها من المستحيل إحصاؤها. خلق الجدار مشكلات لا تعد طالت كافة الشرائح في فلسطين، من أطفال المدارس، وقاصدي أعمالهم ووظائفهم اليومية. إلى تمزيق وتشتيت العائلات، إلى مسافات بسيطة تضاعفت مئات المرات أحياناً. إلى الأراضي التي صودرت. والمزارعين الذين يعجزون من الوصول إلى أراضيهم. فلدى دولة الإحتلال تصريح مرور يحمل اسم «تصريح الزيتون» يستحصل عليه من لديهم أرض وضعها الجدار خلفه. تلك الأرض لا يزورها أهلها إلاّ في القطاف، ويمنع عليهم زيارتها للحراثة أو العناية. تصريح المرور فقط للبشر، ونقل المحصول عبر الحمير فممنوع إدخال الآليات.
○ إلى سردية النكبة والمجازر التي ارتكبها الصهاينة هم يسطّرون اليوم سردية عذابات يومية جديدة تحمل عنوان الجدار. فماذا تقول حيالها؟
• نعم هي واحدة من سرديات عدّة كل منها يتفوق على الأخرى بالتفنن في قهر وتعذيب ناس هذا الوطن المحتل. سردية المستوطنات وقطعان المستوطنين، تحتاج إلى أفلام وأفلام للتمكن من تبيان قبحهم، إلى الأزمات الكثيرة التي يولدها زرعها داخل الجسم الفلسطيني. ولا شك بأن الجدار هو نكبة قائمة بذاتها.
○ جدار الصهاينة تلا هدم جدار برلين كم تعمل السينما لتسليط الضوء على ما خلّفه من قهر للشعب الفلسطيني؟
• حظيَ الجدار باهتمام عدد من المخرجين وفي أفلام وثائقية، وتناولته تقارير إخبارية مراراً. وكان هدفاً لأعمال فنية مختلفة. كما وشكّل أساساً أو جزءاً من بعض الأفلام الروائية. في «200م» رغبت بتقديم فيلم حقيقي، بقصة بسيطة من حياتنا اليومية.
○ كنت طفلاً حين بُني الجدار. فمتى بدأت تعي سلبياته كإنسان يعيش في وطنه؟
• منذ تمّ وضع حجره الأول. سنة 2003 كان السياج الأمني، وصارت المناطق ما بين الضفة الغربية وفلسطين التاريخية تشهد تواجداً عسكرياً كثيفاً بدأت اشعر بأمر سيؤثر سلباً على حياتنا. فدار «سيدي» وأخوالي وأبناءهم أصدقاء طفولتي يسكنون الضفة الأخرى من الوطن ويبعدون عنّا 25 دقيقة بالسيارة. مع وجود السياج كنت أقصد برفقة أخي مكاناً وندخل إلى الجهة الأخرى حيث ينتظرنا خالي. ومع ارتفاع الجدار رفض أهلي أن نغامر لزيارة دار «سيدي». لقد مُنعت من زيارة أهلي منذ سنة 2005 والجدار بتر حياتي مع اصدقاء طفولتي.
○ الاحتلال والجدار شظّيا العائلة الفلسطينية فيزيولوجياً وفكرياً والدليل النقاش بين الأب والأم وأين سيكون المخيم الصيفي لإبنهما في الضفة أم حيفا؟ هل هذا الحوار مطروح بشكل أوسع؟
• هذا التشظّي حاصل ولم تتم مناقشته حتى الآن بشكل واسع بين من يعيشون في الضفة الغربية، ومن يعيشون في الـ48. جميعنا فلسطينيون، إنما تقبل الناس لبعض الأفكار أو السلوكيات أو التوجهات يختلف باختلاف طبيعة حياتهم واحتكاكاتهم. قد تجدين أبناء بعض العائلات العربية يلعبون في الدوري الإسرائيلي لكرة القدم. من يعيش في الضفة يستحيل أن يستوعب هذا السلوك أو يقبله. ومع الأحداث الأخيرة التي شهدتها غزّة والحصار المحكم عليها، لا بد أن نكون كفلسطينيين مؤيدين للـ»BDS» ومن واجبنا تعزيز المقاطعة كإحدى وسائل المقاومة.
○ هل قدم الفيلم نماذج مختارة من الواقع؟
• بكل تأكيد هو الواقع بعينه. فهناك الرافض للاحتلال كلياً، والمستفيد منه كالتجار.
○ بأي هدف جاء دور الفتاة الألمانية؟ هل للمساهمة في تسويق الفيلم في الغرب؟
• ليس بالضرورة أن يكون هذا السبب. خلال الكتابة كان الدور بداية لأمريكية. فكرت بشخصية أجنبية كي تطرح بعض الأسئلة. فلن يسأل فلسطيني فلسطنياً آخر «هل هذه مستوطنة»؟ فالفلسطيني يعرف تماماً ما هي تلك البؤرة. بعد فكرة الممثلة الأمريكية تطورت الفكرة لتكون ألمانية ومترافقة مع جدار برلين.
○ كيف اقتنعت الممثلة أنّا اونتربرغر بتقديم الدور؟
• بصراحة هي أحبت الدور وليس لنا القول بأنها رغبته لأجره المرتفع، فهذا لم يكن متوفراً ابداً. زيارتها إلى فلسطين هي الأولى لها على صعيد المنطقة ككل. كانت ردة فعلها متضامنة عندما شرحت لها عن الفيلم وعن حيثيات دورها. وعندما زرنا مواقع التصوير وشاهدت الحواجز في الضفة الغربية لم تُصدق ما رأته عيناها.
○ في أي المناطق من فلسطين جرى تصوير الفيلم؟
• نسبة 80 في المئة من الفيلم تمّ تصويره في طولكرم وضواحيها، وما تبقى في رام الله.
○ هل كنت بحاجة إلى تصاريح من الاحتلال للتصوير؟
• صراحة لم نطلب تصاريح. الحواجز، وأبراج المراقبة والجدار شكلت جزءاً أساسياً من الفيلم. في بداية البحث بالفيلم اعتقدت أننا جمعنا مالاً كافياً للإنتاج يتيح بناء هذا الجزء الأساس، وتبين لاحقاً بأني حيال حلم مستحيل. لهذا صورنا المواقع نفسها، إنما بالسرقة. ولو سلكنا درب التصاريح لن نحصل عليها، لأننا حيال منطقة عسكرية بالكامل. ليس هذا وحسب بل الشوارع التي صورنا فيها تقع ضمن تصنيف منطقة «ج» والإحتلال يسيطر عليها، وصورنا من دون علمهم.
○ ضمّنت الفيلم لمسات عاطفية وإنسانية سواء بين سلوى ومصطفى، أو بينه وبين أولاده. هل ترى أن الفيلم الذي يمثل فلسطين بات حقيقياً أكثر من دون أن يهمل خصوصية الوطن المحتل؟
• هذا ما اجتهدت لتقديمه. صراحة لم أكن من البداية مدركاً لأهمية التركيز على الجانب الإنساني والعاطفي. الكتابة الأولى للسيناريو حملت الكثير من السياسة والشعارات التي سمعتها الناس كثيراً. إنما مراجعة النص من قبل كثيرين وتقديمهم نقداً بناءً كان أمراً مؤثراً بي، فتخليت عن كافة الشعارات. ومن ثمّ ركزت على مصطفى الأب، وكيف له الوصول إلى ابنه الموجود في المستشفى في الضفة الأخرى من الوطن المحتل.
○ هل تمويل الفيلم الفلسطيني سهل؟
• يضحك ملياً ويقول: ليس سهلاً مطلقاً. بقينا في لف دوران عن التمويل لسبع سنوات مي عودة وأنا، وبعدها اكتملت الموازنة المطلوبة. بدأنا العمل سويا منذ سنة 2014 ومررنا بإحباطات متتالية. ليس في فلسطين صندوق لدعم الأفلام بحيث يحقق للفيلم دفشة أولى تُحمّس الآخرين للمتابعة. بمفرده يتوجه المخرج والمنتج من هنا إلى هناك وهنالك. وهذه هي الدرب التي سرنا عليها حتى بدأنا العمل وصولاً إلى انجازه.
○ رافقت الفيلم إلى عدد من المهرجانات فهل سمعت أسئلة فاجأتك كفلسطيني؟
• للأسف رافقت الفيلم فقط إلى مهرجان البندقية ولم أحتك بجمهور واسع رغم نيل الفيلم جائزة الجمهور. لكني رافقت الفيلم إلى مهرجان القاهرة السينمائي. وهناك كانت المفاجأة الكبرى حيث جاءني من يقول «لأول مرّة نفهم معنى الجدار»؟ «200م» شكل تجربة مختلفة حتى للمشاهد العربي فكيف الحال مع مشاهد غربي.
○ ما هو دور السينما الفلسطينية في تشكيل تراكم ليتمكن من إيصال السردية الفلسطينية عن النكبة والاحتلال والجدار؟
• بالتأكيد لها دور مهم. ومن واجبنا أن ننشر حكايتنا، وأن لا نتركها مروية من طرف الاحتلال. فهم يصنعون أفلاماً تنشر وجهة نظهرهم ومن خلال أفراد يتحدثون لغتنا. وثمة فيلم يشبه في حكايته فيلم «200م» يعود لسنتين ماضيتين ويتحدث بوجهة نظر دولة الاحتلال. أن نروي حكاياتنا بمختلف السبل المتاحة أمر ضروري للغاية بحيث يشكل تراكماً في الوعي الإنساني.
○ ما هي الجوائز التي نالها الفيلم وأين سيعرض لاحقا؟
• الحمدلله كثيرة وأنا فرح جداً. عدد الجوائز حتى تاريخ حوارنا بلغ العشرين. وقد بدأ توزيعه بهدف العروض التجارية في الولايات المتحدة حالما يسمح بذلك تراجع الإصابات بجائحة كورونا. كما يُعرض في عدد من المهرجانات في الولايات المتحدة. وفي شهر حزيران/يونيو المقبل سيكون في الصالات الفرنسية.
○ وهل باشرت مشروعاً سينمائياً جديداً؟
• نعم. مشروعي المقبل أنهى مرحلة المعالجة. وهذه المرة سنكون مع جدار إنساني، وليس من صنيعة الاحتلال.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية