أنا تيتوبا: رحلة من عبودية «الزنجي» إلى تحرير الإنسان

حجم الخط
0

يبدو أن الأديب والمفكر في المجتمعات السوداء لم يقررا بعد أن ينفصل، في كتابتهما الإبداعية، عن واقع الرق والعبودية تماما. لكن كيف ينفصل عنه، والإنسان المعاصر لم يكفّ عن نظرته التحقيرية إلى الذات الأفريقية، مهما كان انتماؤها، ولم يتشرب بعدُ القيم الكونية التي تنادي بها الفلسفة بكل نزعاتها الإنسانية المختلفة. في الحقيقة، كادت الاتجاهات النظرية والفكرية الحديثة، كالدراسات الثقافية وما بعد الكونيالية، أن تنهي إلى غير رجعة النزعات النكوصية التي بررت- فكريا وأدبيا على الأقل- استعباد مجتمعات بكاملها لمجرد أنها سمراء البشرة. لكن قتل رجل أعزل على يد شرطي، بمبرر واهٍ، يفند أي ادعاء بحصول تغيير ما ناتج عن أثر هذه الدراسات. كما أن النزعات اليمينية والشعبوية اليوم تذكر بما ظل يعيشه مواطنو القارة السمراء وغيرهم من ذوي البشرات المماثلة في العالم كله منذ خمسة قرون على الأقل.
يرتبط سياق هذا التقديم العام برواية لا يبتعد مضمونها كثيرا عما حاربته كتابات إدوارد سعيد و«غياتري سبيفاك» و«هوبي بابا» وغيرهم من مفككي الخطابات الكولونيالية وفاضحي الممارسات العنصرية الغربية ضد إنسان «الشرق» عموما. يتعلق الأمر برواية «أنا تيتوبا: ساحرة سالم السوداء» للأديبة الغوادالوبية «ماريز كوندي»، الحائزة عن جائزة نوبل البديلة سنة 2018. تختصر هذه الرواية، التي عرّبها المترجم المغربي محمد آيت حنا وصدرت عن دار الآداب السنة الماضية، الغاية التي تنشدها كل التنظيرات المذكورة؛ أي غاية الحرية التي اغتصبها الإنسان الغربي منذ أن بدأ رحلاته المسماة زورا بـ«الاستكشافية».

ماريز كوندي

«تيتوبا» هي ابنة «أبِنا»، هذه «العبدة» التي اغتصبها بحار إنجليزي على متن سفينة أوربية متخصصة في نقل «العبيد» إلى أمريكا وبيعهم هناك. لكنها تختلف عن باقي إخوتها وأخواتها السود بعض الشيء، إذ وهبتها روح الراحل «مان يايا» ووالدتها «أبِنا» قوى خارقة تمكنها من معالجة بعض الأمراض وتغيير بعض المصائر حسب مقتضيات وجودية لا تحددها «تيتوبا»، لأنها تقع خارج إرادتها على الدوام. تزوجت »تيتوبا» رجلا أسود يدعى «جون» الهندي، لتجد نفسها ترحل دون إرداتها إلى بلدة سالم بغرض خدمة القس «باريس» وأسرته. ورغم أنها أنقذت زوجته من المرض وبناته من الموت، إلا أنها ستعاني الويلات وسط مجتمع «بيوريتاني» اتهمها بممارسة السحر، ونكّل بها أشد التنكيل، قبل أن يزجّ بها في السجن. ولولا صدور عفو عام، لنسيت «تيتوبا» في زنزانتها، ربما إلى أن تفارق الحياة.
في الواقع، هنا تنتهي قصة «تيتوبا»، كما ترويها سجلات محاكمة الساحرات في بلدة سالم بولاية ماساتشوسيتس الأمريكية. لكن الروائية «ماريز كوندي» اختارت أن تذهب بها أبعد من هذه النهاية؛ أي أن تحررها وتعود بها إلى بلادها «باربادوس». اختارت أن ترسم لها المسار الذي ينبغي أن يسلكه جميع الأفارقة الذين اقتلعوا من أصولهم وانتزعوا من أرضهم خدمة للمشروعين الرأسمالي والاستعماري. والملفت للنظر أنها اختارت أن تمنحها صوتا لتروي قصتها بنفسها، وتستنكر المأساة الإنسانية التي عايشتها منذ لحظة ولادتها إلى حين مغادرتها أرض العبودية الأمريكية. هكذا، تنبهنا حكايتها المسرودة بضمير الأنا إلى أن عبودية المرأة السوداء لا تقتصر على العمل القسري في البيت أو الحقل، بل يتجاوزه إلى الاغتصاب الجنسي بطرق وحشية أحيانا. مأساتها مضاعفة إذاً، تنطوي على ندوب الجسد والنفس في الآن ذاته.
غير أن «ماريز كوندي» اختارت، وبخلاف مقاربات روائية متعصبة لنزعة نسائية منغلقة، أن تنفتح نهاية البطلة الوجودية، ومن ثمة نهاية الرواية، على أفق إنساني رحب، قوامه تحرير الإنسان عموما، وليس الأفريقي وحده، من كل أغلال الحياة: أغلال الهيمنة الرأسمالية، وأغلال الدين، وأغلال التاريخ والأيديولوجيا، وأوهام تفوق هذا الكائن البشري في مقابل دونية ذاك… هكذا، تقدم الرواية رؤية مركبة إلى قضية الحرية، إذ لا تقتصر عقيدة التحرر على الإنسان الأسود فحسب، بل تشمل الإنسان «الأبيض» كذلك، إذ تطالبه بالتخلص من عنصريته وتمركزه على ذاته، وبالتصالح مع وحدة الإنسان مهما كان لونه أو عرقه أو لغته أو جنسه.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية