أنا جائع فأنا موجود

قد يكون الجوع هو «أصل الكلام» كما يقول أهل الفلسفة الذين يباغتوننا دائما، من حيث ندري ولا ندري، فيقوّضون بداهاتنا، وما استقرّ من دعاوانا وأوهامنا. وما أسوقه في هذا المقال هو في جانب غير يسير منه، من المؤثّرات التي ألمّت بي وأنا أتّبعهم في «مقالاتهم» و«مصادراتهم» اتّباع الغاوين «ضُلاّل الإنس»؛ أقَصَدُوا السبيل أم لم يقصدوا، أو»ضُلاَل الجنّ» كما يفعل بنا «الذكاء الاصطناعي».
فالجوع هو المؤثّر الأوّلي الذي تشفّ فيه الذات، وتبلغ كنه نفسها، قبل التبصّر الواعي، أو هو القانون الذي يسبق كلّ قانون. لعلّه اختبار الذات اللاتاريخي الذي به ينشأ التاريخ نفسه. ولذلك فمن المناسب وسمه بـ«لزوم ما يلزم»، باعتباره الحال المتعالية التي تظفر فيها اللغة والسياسة والقصديّة والعالم بإمكان وجودها. على أنّ المبدع شاعرا كان أو روائيّا أو فنّانا هو الذي يمهّد سبيل الوصول إلى فكرة الجوع هذه من حيث هي أصل كل الكلام؛ فيصدع بالقول «يلزمني أن أتكلّم» عندما تمكر اللغة وتراوغ أو تتحوّل إلى أصوات لا معنى لها؛ وكأنّنا في «عوليس» جويس في ذلك المشهد العجيب، وهو يحاكي صوت البحر إذ يتلاطم الزبد والموج والألواح الخشبيّة.
على أنّه بحر غزّة المقفر منذ تسعة أشهر من بحّارته ومن مصطافيه وأطفاله، وربّما من أسماكه وحيتانه، ومن الأصداف التي يتردّد فيها صوت البحر، إلاّ من هذا «الميناء الأمريكي العائم» وهو يترجّح كما يترجّح رئيس أمريكا نفسه، فلا أحد يدري كيف سيحكم طوال أربع سنوات ويوجّه الدفّة، إن كتب له الفوز، أم تراه سيتخلّى لنائبته ويفسح لامرأة تحكم هذا «البلد العظيم» أوّل مرّة؟
لا قانون لـ«لباس الجوع والخوف» عندما ندفع إلى تذوّقه، حتى ونحن نقول على سبيل الاستعارة القديمة المأثورة: «جعت إلى لقائك» أو «عطشت إلى لقائك»، أو حتى عندما نرى طفلا جائعا يراقب عشّا ويترصّد طائرا. ولا أحد يسعد بمهاجمة الطيور التي لم تعد تحلّق في سماء غزّة، فقد هجّرها «قنّاصو البشر» جنود الاحتلال. لكنّ «الجوع كافر» كما في المأثور، وليس المقصود الكفر من حيث هو نقيض الإيمان كما يقع في الظنّ عادة؛ وإنّما «الستر» كما في «مقاييس» ابن فارس فـ»الْكَافُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَة».
والجوع ليس معرفة وإنّما هو تجربة ومحنة، بل لعلّه شرط المعرفة نفسها أنثروبولوجيّا وفلسفيّا. وقد تغفل عنه الفلسفة، أو هي تسيء فهمه أو هي تخفيه، بل قد تنساه وتتناساه؛ بيْد أنّه يندسّ فيها، من حيث هو «السلبيّة» الأقدم التي تحفز أيّ بداية فكريّة أو ثقافيّة أو رمزيّة محتملة، وأعني في السياق الذي أنا به «جوعنا إلى المعرفة». أو لعلّها تقف منه موقف الدهشة، والدهشة هي «أمّ المعرفة» وقادح الشعر «أمّ الفلسفة»، أو لعلّ مردّ الأمر إلى النسيان، نسيان هذا المؤثّر الذي يمكن القول إنّه يسبق كل فكر وكل ترميز. وإذا كان الفيلسوف الذي يفسّر الرموز والطقوس والشعائر ويؤوّلها، دَهِشًا من الوجود، متحيّرا من الكائن، فقد ينسى أنّ هذه الدهشة هي المقام الذي يشبع فلسفته، ويطعمه من الجوع المعرفي؛ حتى لكأنّ نسيان الجوع هو الشبع نفسه، وإلاّ تعذّر عليه التفكير، وتقطّعت به سبل المعرفة.
عندما يمُضّنا الجوع، وتُعدّ المائدة بلمسة «زريابيّة» نسبة إلى زرياب أبي الحسن الموصلي الأندلسي الذي لا نزال ندين له كما يقول بول بالطا، فضلا عن العود والموسيقى، بتنسيق موائدنا، وبوجبات الطعام الثلاث: المشهّيات أو المقبّلات مثل الحساء والخضروات، فالطبق الرئيس من لحم أو سمك، فالتحلية من فواكه ومكسّرات وحلوياّت؛ مثلما ندين له بكوب الزجاج الرقيق (ذي القدم) بدل المعادن، وبأصص الأزهار وغيرها؛ فإنّنا عندئذ، نضع القلم جانبا، إذ «يجب» أن نأكل لنعيش. لكن قلّما تدبّرنا في هذه الحال سرّ هذا التأثير الأساسي تأثير الجوع؛ أي هذه الـ«يجب» غير الرمزيّة، و«غير اللفظيّة وغير الثقافيّة»، أو ما قبل اللغة.
بل ربّما تذكّرنا فاتحة «موسم في الجحيم» قصيدة رامبو الشهيرة، ولعلّه من أفضل من تمثّل هذه الحال، فنردّد (بترجمتي): «ما أنسى من الأشياء لا أنسى: كانت حياتي في ما مضى، مأدُبة، تنشرح لها الصدور كلّها، وتُسكب لها الخمور كلّها». وهو القائل: «لم أعد أعرف حتى كيف أتكّلم» وكأنّنا معه نمشي في كلمات تشتعل، أو هي تتفحّم: «أنا أفهم، ولا أعرف كيف أشرح ما بخلدي دون كلمات وثنيّة. أحبّ أن أخلد إلى الصمت». وهو الذي عاش حياته شعرا حتى عندما انقطع عن كتابته: دخيلته في حياته، وحياته الداخليّة في نفسه حيث الجحيم هو الجوع عندما لا يشبع، وهو مفتاح «المأدبة القديمة» لا من أجل استعادة شهيّة الأكل حتى الشبع، فقد فقدها؛ بل من أجل العودة إلى الذات.
ربّما ليس أبلغ ممّا يقوله الفلاسفة عن الجوع من حيث هو أسوأ أنواع البؤس وأشدّها مرارة، في تمثّل محنة فلسطينيّي غزّة؛ فعندما يفقد الفلسطينيّ أطفاله، أو يفقد هؤلاء والدهم أو أمّهم، ثمّ يبحث كلّهم جائعا عمّا يأكل، فإنّه قد يغفل ولو للحظات أو ساعات عن أعزّائه القتلى على وفائه لهم ولذكراهم، وعن أهوال «حرب الإبادة» بداية نهاية المشروع الصهيوني. فالجوع يحرمنا من كلّ شيء، حتى من قدرتنا على تحمّل البؤس؛ كما في إلياذة هوميروس حيث الجوع أشدّ فتكا من الحرب. الجوع حقير على قدر ما هو مهين، إذ يسلبنا انسانيّتنا؛ حتى ونحن نبذل ضائعين، من أجل أن نحفظ ما هو حيّ فينا، تحت وطأة الغريزة، غريزة حفظ الذات، وصيانة إرادة الحياة. علينا أن نأكل لنعيش، يعني يجب أن نأكل، فهكذا نعيش؛ أو يجب أن نعيش فنحن جوعى. الجوع هو أصل الوعي والكلام والحقيقة. ولذلك نسمّي المولود الجديد «رضيعًا» وهو الذي لا يتكلّم، وإنّما يبكي ويصرخ. ولكان لو علم الكلام مكلّما أمّه: «أنا جائع فأنا موجود».
في قصيدة محمود درويش «سجّل أنا عربي»؛ تلك التي تسترجع اليوم نبضها وقوّتها؛ وكان محمود بعد شيوعها، يتحاشى قراءتها، كلّما طالبه مريدوه بها، حتى لا تحصر شعريّته فيها، نقرأ: «أنا لا أكرهُ الناسَ/ ولا أسطو على أحدٍ/ ولكنّي إذا ما جعتُ/ آكلُ لحمَ مغتصبي». ومن الطريف أنّ كلمة «لحم» التي تعني في العبريّة «الخبز»، هي كذلك أيضا في العربيّة، فالخُبْزة هي الثَّريدة الضَّخمة واللحم. على أنّ حرب التجويع في غزّة تحرم الفلسطينيّين من هذا الخبز بمعناه المبذول أي الغذاء والرغيف وكسب القوت، ناهيك عن معانيه الأخرى التي هي وقف على مغتصبهم مثل جراية الجنود وقالب السكّر ومعجون ختم الرسائل، وما يلحق به من نعوت مثل «خبز أسمر» و«خبز بالقطعة» و«خبز مقلي» و«خبز أنكليزي»… ولا يبقى سوى «معنى المعنى»: مثل «لا ينتهي» كهذا العدوان الإسرائيلي الهمجي، والأصل «طويل مثل يوم بلا خبز»، أو «أمامه عمل كثير يقوم به» كهذا الذي يقوم به نتنياهو الذي يريد أن يحتفظ بمنصبه كلّفه ذلك ما كلّفه من تجويع وتقتيل، والأصل في الفرنسيّة «أمامه خبز على لوحة التقطيع» تقطيع اللحم الفلسطيني…
في «الكوميديا ​​الإلهيّة» حيث الموت جوعا، والجوع أقسى من الألم، يلتهم المُعَذَّبُ دماغه، أو ربّما يأكل أطفاله، فالضحيّة مأكول مثلما هو آكل، إذ يلتهمه جوعه. ولا ننسى أنّ موطن الكلمة هو الحنجرة واللسان والحنك: الفم الذي به نأكل ونتكلّم. ومن حقّ المسجون أن يتمنّى لو هو يأكل لحم المغتصب، بل حجارة سجنه، أو أن يلتهم هواء معسكره حيث «الأسنان لا تمضغ سوى الهواء واللعاب» أي ما لا يؤكل.
والديانات والثقافات عامّة توزّع الآكل والمأكول مراتب وطبقات، وما هو صالح للأكل، وما هو غير صالح أو يحظر ويحرّم أكله، على مقتضى حاجاتها أو مصالحها أو وفقا لظروفها وبيئتها، أكانت حقيقيّة أم أسطوريّة أم دينيّة. في إنجيل متّى يطلب الشيطان من المسيح وقد صام في الصحراء أربعين يومًا أن يثبت إن كان ابن الله، أن يصيّر الحجارة خبزا. وهدفه من ذلك ليس إلغاء ما هو صالح للأكل، وما هو غير صالح للأكل؛ وإنّما تقويض «شعريّة الجوع» أي إمكان وجود العالم نفسه. وهي عبارة الشيطان للمسيح وهو على الصليب «إن كنت ابن الله انزل من على الصليب»، أو «إن كنت ابن الله، ألق بنفسك من على الجبل، فتحملك الملائكة». وفي هذه الحال يريد الشيطان من المسيح إمّا أن يموت، أو تنكشف بنوّته.
لكأنّ العالم كما تعلّمنا محنة الفلسطينيّين، مقسّم مشظّى بين ما هو صالح للأكل: لحم الفلسطيني وأرضه، وما لا يؤكل: صبره ومقاومته وانتصاره.
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية