هذا البحر الذي تغنى به شعراء، جعلوا منه مرادفاً للحب والحلم، لم يعد كذلك، أو لعلهم تكلموا عن بحر آخر وليس عن البحر الأبيض المتوسط، وهو يغشاه ليل بارد، بينما في وسطه قارب مطاطي محمل بعشرين امرأة ورجلا، تُضاف إليهم صفائح البنزين للحاجة، بينما هم ممسكون بقلوبهم، يستعيدون شريط طفولتهم، أو يتذكرون وجوه من أحبوهم ويطلبون منهم الصفح في قلوبهم، خوفاً من أن تباغتهم موجة، أو ينقلب بهم قاربهم، فيبلعهم البحر ويصيرون عشاءً للأسماك.
إن البحر بحور وأشقى البحور ذلك الذي يصل بين الجزائر وإسبانيا، الذي يركبه يافعون أو شيوخ، معافون أو مرضى، يائسون أو خائبون، فقراء أو من ذوي النعمة، المتعلمون أو من لم تطأ أقدامهم مدرسة، كلهم ينوون الوصول إلى ضفته الشمالية، ولا أحد منهم يعلم إن كان سينال مبلغه أم لا، فعندما يركب أحدهم القارب، في الضفة الجنوبية، فهو يركبه في ثوب المودع، يجلس إلى القارب كمن يجلس منتظراً وصول حفار القبور، فهو يعلم أنه سيبحر، لكنه لا يعلم إن كان الأجل سينتظر أم يتوفاه في الطريق.
لقد سمعت الكثير من القصص من شباب جربوا طريق المأساة، وكم هي جميلة لحظة الانطلاق، في أعينهم المشعة، لحظة الخروج من الحدود البحرية، وهم يتبادلون في ما بينهم سلة الأمنيات، أحدهم يفكر في إيجاد شغل يوفر له أوراق اليورو يرسلها إلى أهله، آخر يتخيل نفسه بين ذراعي شقراء تربت على شعره، وثالث يرى نفسه وقد صار رحالة من بلد لآخر يحمل جواز سفر بلون أحمر. في حكاية كل واحد من هؤلاء الشباب، هؤلاء الذين تسميهم الأوراق الرسمية: مهاجرون غير شرعيين، ويسمون أنفسهم: حراقة، لأنهم يحرقون الحدود دون وثائق، يصير الألم أكثر اتساعاً من الحلم. كلما سمعت أحدهم يستعيد تلك اللحظات فلا بد من أن نرى يده ترتجف أو نشعر بأنفاسه تتسارع، أو قد يصمت من شدة هول ما رأى. إن البحر ليلاً لا يصلح سوى أن يكون مسرحاً للرعب، منزلاً للراغبين في التعذيب الذاتي، حيث إن كل هبة ريح أو تحول في الطقس من شأنهما أن ترفعا الموجة فتصير تلك الأجساد اليافعة أشلاء تطفو فوق الماء.
«كالما»… أم ليست كذلك!
تعود الجزائري أن يثرثر في كل شيء، في الكرة والسياسة والاقتصاد، وكذلك في الزراعة أو الصناعة، كلما أتيحت له الفرصة، لكنه عندما يقرر السفر في البحر الأبيض المتوسط، في قارب، فسيصير متخصصاً في شأن لم يُسبقه إليه أحد، يصير عالماً في الأرصاد الجوية، يعرف اتجاهات الريح وأنواعها (موسمية، دائمة أو محلية) وكذا الضغط الجوي، فيدرك الفرق بين الإبحار نهاراً أو ليلاً، يصير الطقس مسألة حاسمة في حياته، فنشرات الأحوال الجوية التي لا يُتابعها في الغالب، سوى المزارعين، ولا يهمهم منها سوى الحديث عن هطول أمطار من عدمها، سوف تصير مادته الأهم في التلفزيون. فمن لا يعرف الحد الأدنى من علم الطقس ليس بوسعه أن يفكر في هجرة سرية. وبين المقبلين على هذا النوع من الهجرة تصير كلمة إسبانيا هي المفتاح، لعلها الكلمة الإسبانية الأكثر تداولاً بينهم. لا نقصد منها كلمة «تيا مو» فالحب هو آخر شيء يفكر فيه (حراق) بل يصير ترفاً، إنما نقصد كلمة «كالما» بمعنى: هادئ. حين يقول أحدهم للآخر: كالما، فهو يقصد أن ماء البحر مسالم لا منتفض، يشبه صفحة بحيرة، وذلك يعني أنه قد آن أوان ركوب القارب والإبحار شمالاً. وإذا قال: ليس كالما.. فذلك يعني أن السفرية سوف تتأجل. كل واحد منهم يكرر هذه الكلمة: متى تكون كالما؟ هل غدا كالما؟ متى تقدّر أن يصير البحر كالما؟ وإن كان البحر هادئاً فذلك لا يعني أن الوصول إلى المبتغى بات ممكناً، بل ذلك يعني أن الخروج بالقارب صار محتملاً، أما ماذا سيحصل في الطريق فذلك سؤال لا جواب له، لا ضامن ولا مضمون، إنما المغامرة تكمن في نصيب من الحظ والقدر، لذلك فإن المقبل على الحرقة يتحول في أيامه الأخيرة إلى زاهد ومخلص في العبادة، طلباً لمعونة من الله، يصير كريما متصدقاً على المحتاجين، يصير مقيماً للصلاة، كما لو أنه يتهيأ إلى الموت. والمسيرة من شاطئ جزائري إلى آخر إسباني، وعلى الرغم من أن المسافة بينهما على مرمى حجر، فإنها في قارب مطاطي أحادي المحرك تصير أطول، لا تقل عن أربع وعشرين ساعة، مع خطر أن يظل بهم الطريق، وتلك قصة أخرى.
من يُعيدها مرة أخرى؟
ينطلق الحراق من الشاطئ الجزائري، وهو يطوي أحلاماً في قلبه، وإن وصل إلى الشمال فأول شيء سيفكر فيه: ألا يُعيد الكرة. حين نسمع أولئك الشباب، كذلك كهول، فالقضية لم تعد تخص جيلاً بعينه أو سناً معينة، بل تشمل الجميع، حين نستمع إليهم فهم يروون الفظائع أكثر من المسرات، ففي وسط البحر يمكن أن تستيقظ الشرور كلها، ويُفتح صندوق باندورا، يخرج كل الوحوش من مغاراتهم، يحصل أن تندلع شجارات بينهم، بقصد خفض وزن القارب، يحصل أن يسيل دم بين متخاصمين، يموتون في القارب لا في البحر، تحصل خلافات بسبب الوجهة، فكل واحد منهم يصير عالماً بالخرائط والوجهات، لاسيما عندما تنطفئ هواتفهم المحمولة، أو يتعطل جهاز جي. بي. أس، وقد يحصل أيضاً أن يفكروا في العودة من حيث جاؤوا خوفاً من التقدم إلى الأمام في ظلمة الماء. في تلك الأثناء تصير المغامرة ضرباً من الجنون، يدنون من الموت، بل يرونه وهو يفتح عينيه، ويلامس قلوبهم، دون أن نتحدث عن دوار البحر، وعن الساعات الطويلة التي يقضونها في التخلص من الماء الذي يتسرب إلى قاربهم. إنها رحلة لا تخلو من تراجيديا، تشبه من يقفز من علو عشرة طوابق وهو يمني نفسه أن يسقط على رجليه. ومع ذلك وعلى الرغم من كل الجثث التي غرقت في الماء، ما زلنا نسمع من يفكر باللحاق بهم، كما لو أن الموت صار لعبة في نظرهم، أو إنهم يتحدون قوانين الطبيعة، فحين نسمع قصص من وصل بسلام، لا بد من ألا نغفل عن حكايات من توقف بهم المسير في وسط الطريق.
روائي جزائري