أنا لا أحاور ولكني أتجمل

لا يحق لي (أو لغيري في الحقيقة) أن أشكو من السأم هذه الأيام، ولا أن أزعم أن الرتابة والملل باتا يغلفان كل شيء، فالأحداث سريعة ومتواترة تتراص وراء بعضها بعضا بسرعة مدهشة، في خضم الزفة المصاحبة للعد التنازلي للانتخابات شبه المحسومة مسبقاً، واستعداداً ليوم التتويج. وبينما جوقة أصحاب المصالح تعزف لحناً فريداً بأعلى صوتٍ ممكن تهدف من ورائه إلى تسجيل موقفها: نحن دعمناك أيها المشير- القائد- المخلص فانظر إلينا وتذكرنا حين تجلس إلى جوار أبيك، أقول في أثناء ذلك فإن أحداثاً سريعة تقع، تتراوح بين الدهشة والعبث، ليس أقلها وإن كان أحدثها الحكم على الناشطة اليسارية ماهينور المصري بالسجن لمدة عامين بتهمة التظاهر، وكله بالقانون.. غير أن الأكيد أنني الآن صرت أجد مشكلة حقيقية في إيجاد الوقت لمتابعة أحاديث ولقاءات المشير السيسي (أخشى أن أقول الرئيس المقبل، لكي لا يتهمني البعض بتثبيط منافسه والبعض الآخر بالحسد وتقليل البركة!)، إذ يبدو أن الرجل قرر أن يبطل حجة كل من كان يتذمر من قلة كلامه المشوبة بالغموض، التي تليق بكادر مخابرات مثله، فها هو بعد أن سكت دهراً يتكلم كثيراً، ولساعاتٍ طويلة!
ولا أنكر أن تلك اللقاءات، إلى جانب ما تبثه من خوفٍ وترقبٍ من المشير، لا تخلو من طرافة، بل ومن هزلٍ غير مقصودٍ طبعاً من المحاورين ومن الرجل نفسه؛ أنت لا تملك وأنت تراقب سوى أن تصل إلى قناعةٍ بأن تلك الأسئلة تم الاتفاق عليها وإخراجها بعناية، كمسرحيةٍ متقنة بحيث يبدو كل شيءٍ طبيعياً.. صوت الرجل ولفتاته ولحظات صمته التي يبدو فيها متأملاً يعمل فكره بحثاً عن إجابة، ومن ثم يزن كلماته. لقاؤه الأخير مثلاً مع الإعلاميين وائل الإبراشي وخالد صلاح ولبنى عسل لم يشذ عن ذلك، فهم لا يسألونه وإنما يستميحونه عذراً أن يتكرم بالإجابة عن بعض التساؤلات، وهم لا يواجهونه أو يهاجمونه (كما فعل آخران مع حمدين على سبيل المثال..) وإنما يتملقونه بمنتهى اللطف والظرف، يستجدونه.. يساعدونه على إبراز مدى عظمته وحكمته وصدقه وبعد نظره ونبل مقاصده وإحساسه بالبسطاء، إلى جانب ما شئت من معاني السمو النفسي المرهف والأخلاقي، ولا يخلو الأمر من استعدائه على ‘خصمه’ الذي يشير إلى أدائه التحية العسكرية للرئيس السابق د. مرسي. يراقبون أدق اختلاجات وجهه ويكيفون لهجتهم معها ويمتثلون حين ينهاهم عن سؤالٍ ما أو يوبخهم بصورةٍ ما، طبعاً بذوق.
والحقيقة أن مقابلته تلك استدعت صوراً شتى من الحياة العامة، سينما وتراثاً وثقافةً دارجة الخ.. فتارةً حين سأله أحدهم عن ما هي فلسفته في شيءٍ ما، لم أملك الا أن أستحضر ذلك المشهد الشهير من فيلم نجيب الريحاني ‘لعبة الست’ حين سأل صحافي الراحلة تحية كاريوكا وكانت تقوم بدور فنانةٍ ذاع صيتها: أين ترعرعت فاتنتنا’…وتارةً أخرى يعيد إلى الأذهان المرحوم الشيخ الشعراوي حين يشرح شيئاً ثم يسأل المذيعين الثلاثة إن كانوا فهموا فيعيدون كلامه كمتلقين في كُتَّاب.. وأخيراً وليس آخراً حين يسترسل في السرد يذكرنا بالمرحوم السادات في أواخر أيامه حين كان ينخرط في مقابلاتٍ تلفزيونية عديدة في حكايا لا نهاية لها قد تسلي إلا أنها بالتأكيد تصدع الرأس. غير أن ذلك النمط من الكلام (بما يحمله من خلطةٍ فكريةٍ) ذو دلالةٍ عميقة فهو كشفٌ عن أيديولوجية تلك الشريحة من الطبقة الحاكمة التي يمثلها الرجل وينتمي إليها والمتشكلة من شراذم غير منسجمة من الأفكار والمؤثرات المتناثرة واللقيطة، من سقط متاع النظريات واللاهوت.. أبسط مثال على ذلك أنه يتحدث عن الديمقراطية والحرية، ثم إذا به ينبئنا بمسحةٍ رسولية، كما البشارة، أن ‘الله والتاريخ وحدهما سيحاسبان’، أين الشعب والمجلس المنتخب؟ ما مفهوم الديمقراطية عندك إذا لم يكن توازن سلطاتٍ ومساءلة؟ أم أن المجالس المنتخبة ما هي إلا ‘مصاطب’ أو’ديوانية’ لطق الحنك؟ يسهب في الحديث عن الإرادة والوثبة ثم يعقب ويختم بـ’المكتوب حنشوفه’.
جمع الجبر مع القدر مدهش فعلاً.. أما في ما يتعلق بالطبقات وتغيير مواقعها فلا تعليق لأنني لم أفهم ما قاله بصراحة شديدة، وحسبي أن أعترف بأن صيغته للسلم الطبقي تذكرني بـ’حاضنين بعض’ للراحل د. محمد مرسي يسر الله حبسه.. بيد أن الصدارة من دون شك يحوزها ذلك التصريح بأنه لا يستطيع الاستفاضة في تفاصيل البرنامج خشيةً على أمننا القومي، خاصةً أن ذلك جاء في سياق الحديث عن الطاقة المتجددة والشمسية بالتحديد، لعله كان يخشى أن يسرق الغرب الشمس أو يحجبها عنا، ولا يفوتنا أن نؤكد أنه في كل أحاديثه تجد المؤسسة العسكرية حاضرةً بارزةً، وهو لا يسمح لأحدٍ بأن يقترب منها أو يداعبه خياله بأنه ستتاح لنا كشعب مراقبتها: ينبغي لنا أن نثق فيها ثقة عمياء.
أجل لقد تكلم الرجل كثيراً وطويلاً، إلا أن المشكلة الحقيقية في كونه لا يقول شيئاً وإنما يستفيض في شرح رؤاه في الحياة ومُثُله عن كيف يجب أن تكون الدولة ومبادئه.. هي وسيلة لتسويقه وتجميل صورته لدى أوسع قطاعٍ ممكنٍ من الجمهور ليس أكثر. عن نفسي لا أرى ضرورةً لذلك، فالرجل شعبيته طاغية، خاصةً وقد تم تقديمه في صورة الفارس الهمام والبطل المنقذ الذي خلص البلد من جحافل الإخوان، بغض النظر عن مدى دقة هذا أو صحته، وأن سردية المؤامرة والخوف من الإرهاب وانعدام الأمان يسودان المشهد في مصر إلى الدرجة التي رسخت تلك القناعة لدى القطاع الأوسع من الجمهور بأنه لا بديل عن رجلٍ عسكري، وعنه تحديداً. بعيداً عن السخرية من بعض تصريحاته مازلت عند رأيي بأن الرجل خطير ولا يجب الاستهانة به، فهو قويٌ على الأرض.. قويٌ بدعم ذوي المصالح الذين يرون أو يتصورون فيه دحراً للطابع الاجتماعي للثورة وتوطيداً لمكتسباتهم، وبالدولة العميقة خاصة ً منظومة الأمن التي تعميها شهوة الانتقام من طبقاتٍ هزت أغلالها.. قويٌ بجماهيرٍ يئست وأرهقتها ثلاث سنواتٍ عجاف من انقطاع الأرزاق والفوضى، وتمكنت من أدمغةٍ كثيرين منهم فرية المؤامرة التي يروج لها إعلامٌ منحط ذومصالح مترابطة مع نظام مبارك، وأخيراً وليس آخراً فهو قويٌ بالضعف التنظيمي وضآلة وتشرذم القوى المطالبة بالتغيير والمعبرة عنه حتى الآن.
منذ عدة سنوات، قبل 25 يناير/كانون الثاني حين بدأت الظهور على صفحات ‘القدس العربي’، كتبت مقالاً عن توازن الضعف في مصر.. كيف أن نظام مبارك يرهق كل الفصائل ويبقيها ضعيفة بحيث يظل هو الأقوى على الرغم من ترهله وشيخوخته.. بعد ثورتين، وعلى الرغم من تغيراتٍ في رأس النظام وتنامٍ مطرد ومدهش في وعي الناس فما زال الضعف النسبي للقوى السياسية المنظمة حاضراً ومحسوساً بما يصب في صالح المشير السيسي.
قد ينجح المشير في ضبط الأمن وبالتالي فقد ينتعش الاقتصاد، خاصةً إذا استمر الدعم المالي من الخليج، على الأقل على المدى القصير، لكن يتبقى السؤال: هل سيكون ذلك المجتمع الجديد الذي سيكتسب ملامحه على ضوء هذه المعطيات هو المجتمع الذي حلمنا وننادي به؟

كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية