بعد أن استنفدنا الحديث في كلِّ شيء، وبما أننا كنا نتكلم مجانياً بفضل الفايبر العظيم الذي أتاحه لنا الغزو الثقافي الغربي، ولم يبقَ شيء نتحدث عنه سألتها:
* ما أخبار المونديال؟ هل تتابعين المباريات؟ وماذا عن مباراة الجزائر وألمانيا؟ من ستشجعين؟ أنا شخصياً مع الجزائر على الرغم من أنني أكره بو تفليقة الذي سينسب الانتصار في حال حدوثه إلى سياسته الحكيمة، وقيادته الرياضية…
* ضحكت ضحكتها المتميزة، وقالت: سألتني صديقة ألمانيَّة السؤال نفسه، من سأشجع في مباراة ألمانيا والجزائر؟ فأجبتها دون تردد وبحزم تام: سأشجع ألمانيا حتى لو كانت تلعب ضد أمي.
وانتهت المكالمة المطولة.
لم أكن أتخيل أن أختي فاطمة يمكن أن تقبل بمناقشة موضوع يضع أمنا في علاقة منافسة مع أحد، لقد أذهلتني فعلاً وهي تقول سأشجع ألمانيا حتماً، حتى وإن كانت أمي هي الخصم…
كانت الفكرة سوريالية جداً وعجائبيَّة… تصورت أمي المرأة التي تجاوزت الثمانين سنة من عمرها، تلعب كرة القدم، تركض وتدافع، وترمي رمية تماس… وتضع رجلها أمام مولر فينقلب على رأسه، ويرفع الحكم في وجهها بطاقة صفراء…، لكنَّ شطحة الخيال هذه سرعان ما انتهت، وعدت إلى التأمل بعقلانيَّة في هذه الفكرة الغريبة.
خرجت فاطمة من مخيم اليرموك برفقة زوجها وبنتها بعد أن غدت الحياة فيه أشبه بالجحيم… أقامت سنة في مصر، لكنَّ أمَّ الدنيا ضاقت ذرعاً بها، وبثيابها التي لا تتناسب كثيراً مع قواعد الاحتشام والتحرش الفرعونيَّة…، ولم تشعر هي بأي رغبة بالاندماج.
أتيحت لها فرصة الهجرة إلى ألمانيا، فهاجرت على جناحي السرعة والرغبة… وعلى الرغم من أنَّ الفترة التي قضتها هناك لم تزد على الأربعة أشهر، فقد وصلت إلى هذه القناعة… القناعة بالانتماء إلى وطن جديد، والاندماج بتفاصيل هذا الوطن اندماجاً تاماً إلى حدِّ تشجيع منتخبه الوطني كائناً من كان الخصم!
– قلت في نفسي معللاً لا بدَّ أن تكون أجهزة المخابرات الألمانية قد أجهدت نفسها لتمحو ذاكرة أختي، وتجعلها تندمج كلياً وتصبح مواطنة ألمانية بالكامل (أعطوها حقنة مؤثرة في الدماغ).
– ومن المحتمل أنها خضعت لدروس خاصة في التوجيه السياسي كتلك التي يخضع لها حماة الديار، فتؤثر فيهم تأثيراً يمسح ذاكرتهم وتحولهم إلى قتلة محترفين لا يتورعون عن قصف القرى التي يقطنها أهلهم وذووهم وتدميرها…
– أو من المحتمل أنها تتابع يومياً البرامج التلفزيونيَّة الألمانية ((أرضنا الخضراء)) و((مع العمال)) و((مع المواطنين))… مما جعلها ترتبط ارتباط تماهٍ مع وطنها الجديد.
هل كانت هذه الفترة كافية للوصول إلى هذه القناعة؟!
لم أجد مسوغاً كافياً يقنعني بأن وصولها إلى هذه الحالة أمر طبيعي ليس فيه أيُّ شذوذ… لذا اتصلت بها مجدداً، وسألتها مباشرة عن سر هذا العشق لألمانيا والألمان؟ فقالت لي: عندما وصلنا إلى ألمانيا استقبلتنا صديقة قديمة اسمها آنجيلا، وقالت لي وقتها: لا تشتروا شيئاً لبيتكم الجديد قبل أن تخبروني… وخلال أيام جاءتنا عشرات الاتصالات من أصدقائها وصديقاتها… كل واحد من المتصلين كان يعرض علينا شيئاً ما من أثاث البيت… واحد قدم لنا ثلاجة وآخر قدَّم تلفزيزن، واحدة قدمت سجادة وأخرى قدمت غرفة نوم للطفلة وهكذا أثث البيت في غضون أسبوعين ولم نتكلف لذلك إلا القليل من النقود. وكان أطرف ما عُرِض علينا هو ماكينة الخياطة، وإليك ما جرى حرفياً:
– ألو أنت فاطمة؟
– نعم أهلاً.
– أنا جيني صديقة فلانة، وقد أخبرتني أنك تؤسسين بيتاً وبحاجة إلى مساعدة، ولديَّ رغبة بتقديم شيء ما لك… هل تجيدين الخياطة؟
– نعم أجيدها.
– هل ترغبين في أنْ أرسل لك ماكينىة خياطة؟ إنها موجودة لدي ولم أستعملها منذ فترة من الزمن.
– نعم أشكرك على ذلك.
– يؤسفني أنَّه ليس لدي من الوقت ما يكفي كي أتشرف بالتعارف معك، لكنني سأرسل الماكينة بسيارة خاصة.
– شكراً جزيلاً لك.
– أه اسمعي يا صديقتي إني خجلة منك قليلاً، لكنَّني أودُّ أن ألفت انتباهك إلى أنني لم أستعمل هذه الماكينة منذ مدة طويلة، ومن المحتمل أن تكون بحاجة إلى إصلاح… إذا تبين لك أنها ليست صالحة بصورة جيدة للاستعمال أرجو ألا تفعلي بها شيئاً… ما عليك إلا أن تتصلي بي وسوف أرسل من عندي شخصاً ليأخذها ويصلحها ويعيدها إليك.
شكرتُها والدمعة في عيني، ثمَّ فكرت ملياً… من أين جاء هذا الشعب بهذه الأخلاق، وكيف استطاع بفترة زمنية تقارب الستين عاماَ أن يبني هذه المنظومة الثقافية الأخلاقية المذهلة؟
الشعب الألماني قدم من المساعدات لي ولأسرتي وتعامل بمقدار من الإنسانية والأخلاق جعلتني أعتز بالانتماء إليه.
وقالت لي هل فهمت الآن يا فهمان؟ هل فهمت لماذا أحب الألمان وأريد أن أنتمي إليهم ما داموا قد قبلوني هم أيضاً؟ أريد التخلي عن الماضي، ولا أريد ذكر شيء من هذا الماضي لابنتي. هذا الماضي لا يعني لي شيئاً غير الإجرام والقتل، ولا يذكرني بشيء إلا بوحوش كانوا يربضون عند أطراف مخيم اليرموك لا يكتفون بإطلاق النيران والقذائف باتجاه أصدقائي وجيراني… بل يمنعون عنهم لقمة الخبز وكل أسباب الحياة، لم أكن أتصور في يوم من الأيام أن هناك وحشية بهذا المقدار يمكن أن يمارسها البشر. لكنَّهم مارسوها في وطني سوريا، وما زالوا يمارسونها… وأنا لا أريد أن أكون مواطنة في وطن فيه هذا المقدار من الإجرام والمجرمين.
أنا مع ألمانيا حتى العظم، أحب أنجيلا ميركل وسأصوت لها – إذا حصلت على الجنسية – في الانتخابات القامة… وأكره بشار الأسد وداعش وحالش وبوتفليقة، وأريد أن أمحوهم من ذاكرتي نهائياً.
انتهت المكالمة وانتهت معها حالة الدهشة، لتبدأ حالة الألم… الألم على وطن يتيم.
غسان مرتضى