أنساق الغيرية وأفق الكتابة الجمالية

حجم الخط
0

بعد عدد من الإصدارات النقدية الجادة التي قاربت التراث السردي(ألف ليلة وليلة)، والسرود العربية الحديثة(الرواية والقصة والسيرة)، وتناولت قضايا تتصل بإشكالات متنوعة أثارتها هذه الكتابات الأدبية فنيا ودلاليا، يعود الناقد والباحث الجاد شرف الدين ماجدولين إلى مناوشة السرد العربي من أفق جديد، وبإطلالة نوعية تتخذ من تلمُس إشكال الفتنة والآخر منطلقا لمقاربة أنساقِ الغيرية وتشكلِها في السرد العربي قديمه وحديثه.
فما مفهوم الفتنة كما يتمثله الناقد؟ وما صلته بالآخر؟ وكيف يُسهم الآخر بفتنته في تشكل أنساق الغيرية في الكتابة السردية؟ وما الصيغ الفنية التي أفرزتها هذه الأنساق؟
ستكون هذه الأسئلة منطلقنا نحو قراءة الكتاب الجديد للناقد شرف الدين ماجدولين وبلورة بعض الرؤى التي عنت لنا بصدده.

الفتنة والآخر: أية علاقة

قد يتساءل القارئ عن سر جمع الناقد شرف الدين ماجدولين بين مصطلحي الفتنة والآخر في عنوان الكتاب الرئيس، وهو سؤال مشروع، خاصة أن عنوان الكتاب النقدي يُعتبر مدخلا أساسا إلى ضبط محاوره وقضاياه النقدية التي يتناولها. من هنا نجد الناقد يحاول أن يبسط رأيه حول الغيرية/ الآخر، وحول فتنة السرد في الفصل الأول من الكتاب الذي يعد مدخلا نظريا عرض فيه بعض الحدود المفهومية بين الآخر والغيرية، وبين علاقة الغيرية بالمعيار الأسلوبي/الفني في السرد، كما تناول قضية الغيرية والتمركز السردي في مرجعياتها العديدة وتجلياتها المتنوعة.
وفي سياق حديث الناقد عن حدود الغيرية ومرجعياتها وتجلياتها بث فهمه للفتنة في أفقها السردي الجمالي، فكانت عناوين الفصول اللاحقة حاملة لهذه الكلمة المفتاح التي اتخذها منطلقا لقراءة أشكال حضور الغيرية في السرد العربي. يرى شرف الدين ماجدولين أن الفتنة يُقصد بها جانب ‘ملتبس دوما بالآخرين’ باعتبارها محصلة ‘لاغتياب الآخرين’ جماليا، وفق أصول سردية معلومة، يختص بها جنس سردي على نحو فريد، وتتمثل في خصائص أسلوبية وقيم تعبيرية، تجعل للفتنة كُنها جماليا يباعد بينها وبين الشقاق والمحنة، ويجريها مجرى الغواية والبيان. ومن هنا تتنوع تمظهرات الفتنة في السرد بحسب تجلي الآخر في الخطاب السردي، وبالنظر إلى مرجع بروزه، ونسق غيريته. (الكتاب، ص.13)
نستشف من هذا الفهم أن الفتنة، هنا، تتصل بالسرد وطرق صياغته لمنظور الذات إلى الآخر في أفق جمالي، ولذلك تتعدد تجلياتها بحسب موقف الذات من الآخر، وكما تُمثله الكتابة السردية قديمها وحديثها، ومن ثم نجد عناوين فصول الكتاب تحمل هذه المفردة/ المفهوم جميعَها، وانطلاقا منها تتشكل أشكال الغيرية: فتنة السرد، فتنة الحبيب، فتنة الخبر، فتنة السفر، فتنة العقيدة، فتنة المشرق، فتنة الجسد، فتنة الذات، فتنة القول. وهكذا ترتبط الفتنة بكل التيمات التي اشتغل بها الكتاب وكانت منطلقه نحو مقاربة نظرة السرد إلى الغير/الآخر، المنفصل عن الذات، والمختلف عنها، سواء تمثل في الحبيب، أم في المهمش، أم في الآخر الذي نتعرف عليه عبر السفر والرحلة، أم المختلف في العقيدة، وفي الوطن، وفي الجسد…وغيرها من أشكال الاختلاف التي صورتها الكتابة السردية، وكانت علامة من علامات فتنة الحكاية والسرد الأدبي.

الغيرية: مفهومها وتجلياتها في السرد

يرى الكاتب شرف الدين ماجدولين في مقدمة كتابه أن الغيرية، ‘كما تمثلها النصوص السردية، هي صور من التفاعل المتغاير بالضرورة، قد تنطلق من مجرد نفور غريزي من الغريب، لتتحول عبر تراكم الصور والأساليب، إلى علامة تنابذ، وقاعدة سجال، في المباني السردية. كما قد تشكل معيارا رمزيا لرصد ‘فقدان التواصل’ و’الشعور بالنفي’ و’انعدام الفهم’. أي أنها تتحول بالتدريج إلى وسيلة لاستكناه ‘الفتنة’ الملتبسة دوما بالآخرين’.(ص.13)
بهذه الشاكلة يصبح مفهوم الغيرية دال على كل ما هو خارج الذات الفردية وتمثلاتها عن الأنا، والجسد، والجماعة، والوطن، والعقيدة.. وغيرها من أشكال تختلف الذات في النظر إليها، مما قد يشعرها بفقدان التواصل والشعور بالنفي وانعدام الفهم والتفاهم.
وبما أن الكتابة توجه نحو إنتاج معنى يختزل رسالة لمتلقين آخرين، فهي تطلع نحو فهم الذات والمجتمع، واستيعاب المحيط والزمن، عبر السعي إلى تمثل ‘الصلات’ و’الحدود’ و’القيم المشتركة’، ومولدات ‘الصراع’ و’التواؤم’ مع الكيانات الغيرية. (ص.25)
وبذلك تسعى الكتابة إلى تحقيق نوع من الفهم لهذا الاختلاف وتحليله فنيا وتخييليا، إما عن طريق العمل على الكشف عن المشترك الإنساني وتقليص مسافات عدم التواصل والشعور بالنفي وانعدام الفهم، أو عن طريق تكريس موقف يؤكد هذه المعطيات ويجعلها ثوابت أساس في التعامل مع الآخر، مع ما يتجاوز حدود الأنا.
ومن ثم نرى، كما يبين شرف الدين ماجدولين، أن ‘العلاقة بين الأنا والآخر هي الخيط الناسج للنص الإبداعي، فالأحاسيس والمواقف التي تحفل بها الأعمال الأدبية الخالدة تبقى متعلقة في العمق بجدلية الذاتي والغيري، فلا وجود لأدب في عالم غير إنساني..'(ص.25)
ويؤكد الناقد أن الغيرية تصبح، بهذا الفهم، ‘تكوينا متخيلا مقترنا بمكونات ووظائف الجنس التعبيري، وتشكيل أسلوبي خاضع لسياقات التأليف الأدبي، ومحكوم بضوابط الزمن الثقافي والجغرافيا الإبداعية والمجال المعرفي/ الإنساني’.(الكتاب، ص.27)
وفي هذا السياق يميز شرف الدين ماجدولين بين مستويين للغيرية في النصوص الأدبية:
-المستوى الأول أفقي: يتصل بعوالم الذوات الفاعلة في علاقاتها مع مجتمع النص.
-المستوى الثاني عمودي: ينصرف إلى نسج احتمالات التحاكي والتقاطب بين علائق الغيرية في النص ومرجعياتها النصية الغائبة والموجهة، إن المرجعيات في هذا المستوى تَمثُل بوصفها آخر مضاعفا، يكثف دلالات التفاعل وقيم الجدل.(ص.30)

أنساق الغيرية في السرد العربي

ما أنساق الغيرية في السرد العربي كما تمثلت في الكتاب؟ وما الأبعاد الفنية التي تنطوي عليها هذه الأنساق؟ وكيف بلورت نظرة المبدع العربي إلى الآخر في شتى تجلياته وكما انعكست في نصوصه؟
إن أنساق الغيرية في الإبداع السردي ارتبطت بأفق زاوية تموقع الذات في تعاملها مع الآخر، وتمثلها لهذا الآخر فنيا وتخييليا. من هنا، فإن هذه الأنساق الفنية المتصلة بالآخر هي أنساق سردية جمالية بالدرجة الأساس. وتتخذ هذه الأنساق سماتها من طبيعة معالجة الكاتب لموضوعه، وكيفية بنائه لنصه الإبداعي، وخاصة في الرواية التي استأثرت باهتمام الناقد في الكشف عن تشكلات أنساق الغيرية. ومما لا شك فيه أن هذه الأنساق الفنية تتعدد وتتنوع حسب تنوع الصيغ التكوينية والأساليب الفنية للنصوص، ولكن هذا لا يمنع الناقد من وضع يده على بعض القواسم المشتركة بين المبدعين في تناول الغير وتحديد مواقفهم منه. ونظرا إلى صعوبة ذكر أمثلة من كل الأنساق التي وقف عندها شرف الدين ماجدولين، وصعوبة تلخيص ما يتعلق بهذا الجانب، نكتفي بالوقوف عند مثال واحد نتخذه من حديثه عن الرواية الجزائرية الراهنة وكيفية تمثلها لما حدث في الجزائر مع صعود جبهة الإنقاذ للحكم في التسعينات. يقول الناقد في هذا الصدد:
‘وبقدر سيطرة سمة ‘المنفى الداخلي’ على رواية ‘العشرية السوداء’ في الجزائر، فإن نزعة ‘المونولوجية’ والانحياز إلى معتقد فكري واحد، واستبعاد الآخر، شكل الملمح الجمالي الأكثر بروزا في نصوص روائيي هذه المرحلة، بل إن هذا الانحياز سيتجاوز النصوص، ليشمل الخطاب الثقافي العام أحيانا، وذلك عبر تبادل الاتهامات والتجريح..’.(ص.118/ 119)
وبهذه الكيفية يكشف الناقد كيف أن الرواية والخطاب الناشئ حولها، أصبح السياق الأمثل لتصفية الحساب، والانحياز العقدي، والسجال السياسي. وهكذا ستجد الرواية الجزائرية نفسها ممثلة في أسمائها الكبيرة تخوض حربا سياسية على جبهة الكتابة. وبهذه الكيفية صنعت نسقا سرديا قوامه إلقاء اللوم على الآخر المختلف سياسيا عن الذات الكاتبة، أو المتميز عقديا وفكريا. وقد كانت نزعة الإقصاء وتغييب هذا الآخر عبر التوسل بالمونولوجية وأحادية النظرة من أهم ملامح هذا النسق الفني السردي.
بهذه الشاكلة يمضي شرف الدين ماجدولين محاورا، بدوره، الرواية والصيغ السردية ليكشف عبر طبقاتها الدلالية والفنية والأسلوبية والتصويرية أنساق الغيرية وصيغ تشكيل الذات المبدعة لهذه الأنساق، مع الوقوف عند إيجابيات تَمثل الآخر والتعامل معه، من جهة، والوقوف عند مطبات الانسياق نحو الإصرار على عدم فهم الآخر وإدانته والعمل على تغييب صوته فنيا وإبداعيا عن طريق الكتابة، وفعل الإبداع السردي.
على سبيل التركيب

ما يمكن أن نستنتجَه انطلاقا من كل ما سبق أن الغيرية، وكما يؤكد شرف الدين ماجدولين، في الكتابة السردية لا تنبني على ‘مرتكزات العرق والجنس والدين واللسان، فالأهم أن تنهض على شبكة من القيم التخييلية التي تستثمر العلاقات غير المتوازنة بين الأطراف المشكلة للنص الأدبي (الكاتب والمتلقي والفاعلين المتخيلين)، وتشعر القارئ، الخاضع لشروط انتماءات ثقافية معقدة، بمستويات الصراع الأزلي بين الذات ومحيط ألفتها (أو غربتها)، وبناء على ذلك فإن التشكيل الجمالي ل ‘الغيرية’ يضحى محصلة لتفاعل تلك العلاقات النصية، التي من شأنها أن تنتج ‘تراثا صوريا’ لصلات الذات بالآخرين’.(ص.28)
وهكذا كان الكشف عن صور الغير في السرد العربي هو محور هذا الكتاب الممتع بأسلوبه ولغته، الممتع في تفكيكه لأنساق الغيرية كما تمثلها السرد العربي، وبخاصة الرواية التي تعد فنا فاتنا قادرا على تشكيل عوالم تخييلية تكشف عن أوجه صلات الذات بالآخرين في سياقات اجتماعية وثقافية وسياسية مختلفة ومعقدة. وبذلك فإن كتاب ‘الفتنة والآخر’ يعد من بين أهم الكتب النقدية المغربية الصادرة مؤخرا التي تستحق الالتفات إليها، وهي جديرة بالقراءة نظرا إلى طزاجة الموضوع الذي تقاربه، ونظرا إلى الرؤى الجديدة التي تبلورها في قراءتها للسرد العربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية