أنقرة تخلط أوراق حلفاء حفتر وألمانيا تتحرك لتوحيد الصف الأوروبي

آدم جابر
حجم الخط
1

باريس-“القدس العربي”: على أبواب أوروبا يشهد الصراع في ليبيا تصعيدًا مفاجئًا وتدويلا مثيرًا للقلق، حيث تواجه البلاد بشكل متزايد تطورات ميدانية، تهدد بتحويلها إلى حلبة حرب بالوكالة، قد تؤدي إلى انفجار شامل ستكون له ارتدادات على الإقليم العربي والفضاء الأوروبي.

 فقبل نحو شهر، اتهمت منظمة الأمم المتحدة على لسان مبعوثها الخاص إلى ليبيا غسان سلامة، أطرافا خارجية لم تسمها بشن هجمات عبر طائرات مُسيّرة في ليبيا مما يزيد من الخسائر في صفوف المدنيين. وحذرت المنظمة من مغبة أن الاستخدام المتزايد للمرتزقة من ذوي الخبرات القتالية يؤجج النزاع في هذا البلد الذي مزقته الحرب. وتقول الباحثة الجيوسياسية سيلين جريزي لـ”القدس العربي” إنه “بين شرعية فايز السراج المعترف بها دوليًا وقوة الأرض التي يمثلها المشير خليفة حفتر والتي لا يمكن تجاهلها؛ أصبح التّسابق في مزاد الدعم والتسلح في ليبيا علنيًا أمام عجز وتعثر الدول الكبرى وشلل الأمم المتحدة التي تحاول وبدون جدوى، عبر مبعوثها غسان سلامة، إحداث عملية سياسية سلمية أخرسها صوت السلاح” في ظل التصعيد الأخير في العملية العسكرية التي أطلقها المشير خليفة الخميس الماضي نحو طرابلس لتعزيز الهجوم الذي تشنه قواته على المدينة منذ أبريل/نيسان الماضي بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة.

إعادة خلط أوراق

وجاء التّهديد التركي بتقديم المساعدة العسكرية لحكومة الوفاق في طرابلس لإعادة خلط أوراق المعادلة العسكرية الليبية، كما يقول مراقبون، موضحين أن ملفّي الهجرة غير النّظامية ومقاتلي تنظيم “الدولة” (داعش) من أصول أوروبية كسرا جدار الثقة بين العواصم الأوربية وأنقرة وأصبح ينظر لأي تحرك دولي تقوم به تركيا كضربة موجعة لمصالح دول الاتحاد الأوربي. ويقول الإعلامي والمحلل السياسي مصطفى الطوسة لـ”القدس العربي” أن تركيا بإعلانها الصريح والمباشر على أنها مستعدة لتقديم الدعم العسكري لحكومة فايز السراج في مواجهتها مع قوات خليفة حفتر، “تكون قد تسببت في إعادة خلط أوراق المعادلة العسكرية الليبية وسترغم دولًا عربية وغربية على مراجعة سياساتها حيال الملف الليبي”.

من بين هذه الدول فرنسا، التي تلعب ورقة الغموض والازدواج الاستراتيجي فيما يتعلق بالملف الليبي، كما جاء في تقرير سابق لموقع “ميديا بارت” الفرنسي. فهي (باريس) تصطف علناً إلى جانب المجموعة الدولية الداعمة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، لكنها تقدم في الوقت نفسه الدعم العسكري لقوات المشير خليفة حفتر في شرق ليبيا حيث يوجد عشرات المستشارين الفرنسيين الذين تكشف وجودهم بشكل لا إرادي في تموز/يوليو عام 2016 إثر مقتل ثلاثة ضباط صف بعد تحطم طائرة هليكوبتر كانوا على متنها بالقرب من بنغازي.

وفي تقرير سابق، قال الإعلامي عبد الرحمن ولد أمبيربك لـ”القدس العربي” إن “ماكرون واصل رؤية فرنسا الخاصة للأزمة الليبية القائمة على مسايرة الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق الوطني، وفي الوقت نفسه تقديم الدعم لخليفة حفتر من منطق أنه الأقدر على حسم الأمور عسكريا. كما أن الرئيس الفرنسي عدو لدود للإسلاميين الذين تنظر إليهم باريس بقدر من الشك وحتى العداء الضمني”. ففرنسا ومعها الولايات المتحدة هاجسهما أمني واقتصادي (المجموعات المتطرفة والثروات الباطنية مثل النفط وأيضا اليورانيوم؛ أكبر مصانع آريفا الفرنسية يوجد بشمال النيجر) يوضح عبد الرحمن أمبيريك.

ثم إن هناك أجندة أوروبية أخرى قوامها إرساء الأمن ومحاربة الهجرة غير النظامية، وهذه الأجندة تمثلها إيطاليا، التي من الواضح أن مصالحها هي مصالح استراتيجية اقتصادية بامتياز. وعليه، فإن الموقف الفرنسي الضبابي، قوبل بموقف إيطالي داعم لحكومة الوفاق الوطني الليبي المعترف بها دوليًا، مع محاولة إيجاد حل سياسي للأزمة على الطريقة الإيطالية، التي تعطي الأولية لمسألة الهجرة كونها المعنية مباشرة بتدفق آلاف المهاجرين إلى حدودها البحرية عبر ليبيا.

تحركات ألمانية وقلق أمريكي

 

وأعلنت إيطاليا، نهاية تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تحطم طائرة مسيرة من نوع بريديتور، تتبع لسلاحها الجوي في ليبيا. والأسبوع الماضي التقى وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، في ليبيا، بشكل منفصل، مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج والمارشال خليفة حفتر. أتت هذه الزيارة غداة مباحثات رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، في بروكسل على هامش القمة الأوروبية الأخيرة، في محاولة لإيجاد موقف أوروبي موحد من الملف الليبي في ظل الوجود الروسي والدخول التركي في المعادلة الميدانية.

وقد أكد ماكرون وكونتي دعمهما لمؤتمر برلين حول ليبيا الذي رجحت وسائل إعلام ألمانية عقده مطلع العام المقبل، حيث تسعى حكومة ميركل منذ شهر أيلول/سبتمبر الماضي إلى التوسط لحل النزاع والحيلولة دون حدوث حرب بالوكالة في ليبيا على غرار سوريا. وانطلاقًا من هذه المعطيات الميدانية الجديدة في ليبيا، توقع الإعلامي والمحلل السياسي مصطفى الطوسة أن تتجاوز دول الاتحاد الأوروبي فرنسا إيطاليا وألمانيا مثلًا خلافتها الداخلية لمحاولة بلورة مقاربة موحدة تواجه بها “الأطماع التركية في البحر المتوسط وليبيا”.

وأيضا، يحظى المشير خليفة حفتر بدعم روسيا التي اتخذت القرار الاستراتيجي بدعم قواته عبر مرتزقة على الأرض. وهو ما يثير قلق واشنطن، التي انتقد سفيرها لدى ليبيا، مؤخراً “دعم موسكو المتزايد للهجوم الذي تشنه قوات حفتر على طرابلس” معتبرا أنه أدّى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين.

 وفي خضم هذه التطورات، وجه فائز السراج رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً، يوم الخميس المنصرم، رسائل إلى رؤساء الولايات المتحدة وبريطانيا والجزائر وتركيا، طالب فيها هذه الدول التي وصفها بـ”الصديقة” بتفعيل اتفاقيات التعاون الأمني، والبناء عليها لـ”صد العدوان” الذي تتعرض له العاصمة طرابلس من أي مجموعات مسلحة تعمل خارج شرعية الدولة الليبية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، ومن أجل تحقيق الاستقرار في ليبيا. وكانت روسيا أول المسارعين إلى الإعراب عن القلق من التدخل العسكري التركي المحتمل في ليبيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية