فضلت تركيا، فيما يبدو، تجريب المجرب الذي عرفته في اتفاق منبج على أن تشن حربا في منطقة شرق الفرات، خشية التورط في وضع لا تحمد عقباه كما فعلت يوم أسقطت طائرة روسية نهاية عام 2015، فما بالك أنها ستغضب أمريكا هنا.
وقرأت أنقرة رسالة وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر التي أرسلها الثلاثاء الماضي على محمل الجد، حين قال إن بلاده ستمنع أي توغل أحادي الجانب في شمال سوريا، واصفا العملية التركية التي هددت بها أنقرة بـ”غير المقبولة”. وجاء تصريح إسبر بعد إعلان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قبل يومين من ذلك، أن بلاده ستشن عملية في شرق الفرات ضد وحدات حماية الشعب الكردية، وأنه أبلغ موسكو وواشنطن بخصوص ذلك.
وتزامنت المباحثات بين الجانبين التركي والأمريكي مع حملة تصريحات حول بدء العملية العسكرية في شرق الفرات وإعلان أنقرة أنها بدأت بالفعل بتفكيك أجزاء من الجدار الإسمنتي مع سوريا في منطقة تل أبيض. وجاء سيل التصريحات على مستوى الرئاسة ووزارتي الدفاع والخارجية، ووصل إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم حيث قال الناطق باسم الحزب، عمر جليك: “لدى تركيا القدرة بمفردها على فرض المنطقة الآمنة بالقوة إذا تعذر التوصل الى اتفاق الأطراف الدولية” في إشارة إلى المفاوضات التي كانت جارية في أنقرة بين ممثلين عن الدولتين.
وأوضحت وزارة الدفاع التركية، في بيان رسمي لها، أن المرحلة الأولى تتمثل في “اتخاذ الولايات المتحدة خطوات عملية سريعة تتعلق بالمخاوف الأمنية التركية، قبل أن يتم إنشاء مركز عمليات مشتركة في تركيا خلال أقرب وقت لتنسيق وإدارة إنشاء المنطقة الآمنة في سوريا”.
وكانت واشنطن قد وضعت فيتو على أي تواجد عسكري تركي في منطقة شرق الفرات، وأصرت على أن تسند أمن المنطقة إلى “قوات محلية” من العرب والأكراد الذين يقاتلون تحت لواء سوريا الديمقراطية مع مراعاة حساسية أنقرة من أسماء بعينها. ورفض الفريق العسكري التقني الأمريكي أن يكون عمق “المنطقة الأمنية” 32 – 35 كم كما طالب نظراؤهم الأتراك.
وتنظر واشنطن إلى أن إبعاد مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية عن الحدود السورية التركية سيكون كافيا لطمأنة أنقرة والتخفيف من هواجسها، وخصوصا في البلدات والقرى الحدودية الملاصقة والقريبة من الجدار الإسمنتي الحدودي الذي بنته أنقرة.
ما هو سر الـ35 كم؟
من جهتها أنقرة تصر على أن يصل عمق المنطقة الى 35 كم في بعض المناطق، والهدف الاستراتيجي التركي من ذلك هو السيطرة على والتحكم بأجزاء من طريق M4وهو أطول الطرق السورية على الإطلاق والذي يبدأ في اللاذقية ويصل إلى حلب مخترقا ريفها الشرقي في الباب ومنبج إلى ريف الرقة الشمالي، وينتهي عند معبر اليعربية في محافظة الحسكة قرب الحدود العراقية، ومنها إلى الموصل في العراق. وتدرك أنقرة أن السيطرة عليه يعني التحكم في الحركة التجارية في شمال شرق سوريا، وتقطع أيضا الطرق بين المنطقة وبين جبال قنديل. ويلاحظ كذلك أن أغلب الانتشار الكردي في سوريا يتمركز بكثافة شمال طريق M4 وهو ما يعني تفكيك الكتلة الكردية الصلبة في أبرز مدنها بعد أن نجحت في فعل ذلك في منطقة عفرين بعد السيطرة عليها، حيث فر عشرات آلاف المدنيين هربا من العمليات العسكرية التي بدأت مع إعلان معركة “غصن الزيتون”.
وتنظر واشنطن إلى أن أي توتر في شرق الفرات أو عمل عسكري مهما كان صغيرا من قبل تركيا سيعيق جهود محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” من جانب قوات سوريا الديمقراطية وسيحول دون منع التنظيم من استعادة أراض كان يسيطر عليها سابقا، حسب ما قال وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته لليابان الأسبوع الماضي.
وشكلت مسألة الانتشار التركي في شرق الفرات وعمق المنطقة نقطتا الخلاف الأبرز. فقد رفضت واشنطن دخول الجنود الأتراك إلى منطقة منبج سابقاً، واقتصر تطبيق الاتفاق على تسيير دوريات عسكرية أمريكية تركية مشتركة.
وكان الإعلان التركي عن التوصل إلى اتفاق قد دفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى إصدار توضيحات تنفي التوصل إلى اتفاق نهائي مع أنقرة، وأشار المتحدث باسم البنتاغون شون روبرتسون الى أن محادثات ثلاثة أيام أفضت إلى تفاهم على آليات أمنية وقيادة مشتركة في أنقرة دون الحديث عن إقامة منطقة آمنة.
وقال المتحدث: “إنّ الاجتماعات العسكرية بين الجانبين الأمريكي والتركي حققت تقدما لافتا في اتجاه استحداث آليات أمنية في شمال شرق سوريا، لمعالجة مخاوف السلطات التركية”. وأضاف روبرتسون أن البنتاغون “ينوي إنشاء قيادة عسكرية مشتركة في تركيا بهدف مواصلة البحث في التخطيط وآليات التطبيق”، مشدداً على أنه ملتزم بدعم حلفائه وإلحاق الهزيمة بتنظيم “الدولة”.
وفي سياق متصل، قالت الخارجية الأمريكية أن واشنطن تدعم “عودة أي لاجئ بشكل طوعي إلى سوريا والاتفاق بشأن المنطقة الآمنة”.
ومع الإعلان الرسمي التركي التوصل اتفاق حول “ممر السلام” في عمق الأراضي السورية، علقت السفارة الأمريكية في أنقرة بتصريح نشرته على معرفاتها الرسمية بأن الوفدين التركي والأمريكي اتفقا على التطبيق السريع والإجراءات المبدئية لضمان إزالة الهواجس الأمنية التركية. وثانياً، إنشاء مركز عمليات مشترك بأقرب وقت ممكن من أجل التعاون وتطبيق إنشاء هذه المنطقة الآمنة معاً، على أن تكون هذه المنطقة معبرا (ممرا) آمنا، وبذل الجهود الممكنة ليتمكن المهجرون السوريون الانتقال إلى بلادهم.
وأتى التوافق بعد أسبوع من وصول السفير الأمريكي الجديد ديفيد ساترفيلد إلى العاصمة أنقرة، والذي تولى منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، حيث يسجل له التقريب في وجهات النظر.
هذا بخلاف ما يصف الخبراء الأتراك، من أنهم تمكنوا من انتزاع تفاهم واتفاق مع واشنطن، أو ما علق به معارضون سوريون أن أمريكا قد باعت أو تخلت عن الأكراد السوريين بعد أن انتهى دورهم. يبدو أن إمكانية تحقيق اتفاق واضح بشأن ممر السلام أمر غير قابل للتطبيق نهائياً في الوقت الحالي، خصوصا مع التوجس الأمريكي من عودة تنظيم “الدولة” إلى الحياة، إذ تأخذ واشنطن ودول التحالف فرضية نهوض التنظيم في رقعة جغرافية داخل الأراضي السورية على محمل الجد.
وهذا ما يجعلها تحافظ على شريكها المحلي المتمثل بقوات سوريا الديمقراطية. وتحتاج واشنطن إلى وحدات حماية الشعب في مطاردة الخلايا والولايات الأمنية للتنظيم، خصوصا وأنها الوحيدة من الشركاء المحليين الذي طور جناحا أمنيا لا بأس به على الأرض. وتملك كذلك قوة من النخبة القادرة على مساندة طيران التحالف في عمليات الإنزال والتي تستهدف قادة في التنظيم مختبئين هنا وهناك.
وحتى ينتهي التحالف الدولي من مهمته في سوريا فان المفاوضين الأمريكيين سيغرقون نظراءهم الأتراك بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، بدون السماح لهم بدخول منطقة شرق الفرات. وهو ما خبره الأتراك قبلاً في منبج وما زالوا.