كان ـ «القدس العربي»: كرس المخرج الأمريكي شون بيكر فيلميه «تانجرين» (2015) و«الصاروخ الأحمر» (2021) لإزالة وصمة العار عن بائعات وبائعي الهوى، وعن تقديم البعد الإنساني لحياة العاملات والعاملين في أقدم مهنة في التاريخ. وفي هذا العام حاز فيلم «أنورا» لشون بيكر، وهو أيضا عن عاملة جنس، على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته السابعة والسبعين (14 إلى 25 مايو/أيار)
في «أنورا» يقدم لنا شون بيكر ما لا نتوقعه، ويضرب عرض الحائط بقصص مثل «سندريلا» و»الجميلة والوحش» التي تنتهي القصة فيها بانتصار الحب وزواج الفقيرة من الأمير. لا ينحى شون بيكر هذا المنحى اليسير، ليقدم لنا ما يأتي بعد أن توافق الصبية الفقيرة الجميلة على الزواج من الثري فارس الأحلام.
«أنورا» هو الاسم الأصلي لآني (مايكي ماديسون في أداء متميز) وهي راقصة تعرٍ وعاملة جنس في ملهى للتعري في مانهاتن في نيويورك. هي من أصول روسية وتتقاسم السكن مع شقيقتها. آني في الثالثة والعشرين، وهي فتاة قوية الشكيمة والشخصية، ما يعرضها للغيرة من بعض زميلاتها. ذات يوم يأتي إلى الملهى حيث تعمل آني، إيفان أو فانيا (مارك أيدلشتاين) وهو شاب روسي وسيم بريء الملامح، قد نخاله في السابعة عشرة، لكن عمره 21 عاما. يريد إيفان أن يكون في صحبة فتاة تفهم الروسية وتتحدثها، وآني هي الفتاة الوحيدة في الملهى بهذه المواصفات. إنه الإعجاب منذ اللقاء الأول، حيث يعجب إيفان بآني، وتتكرر اللقاءات، حتى يدعوها لمنزله لتكون رفيقته لمدة أسبوع مقابل مبلغ كبير من المال. ما لا تعرفه آني هو أن إيفان هو ابن أحد أباطرة المال في روسيا، وأن لوالده نفوذا واسعا، وأن القصر الأنيق الذي يقيم فيه إيفان في نيويورك هو ملك والديه اللذين يخططان لعودته من الولايات المتحدة إلى روسيا، للعمل في إمبراطورية والده.
منذ الوهلة الأولى نرى أن أنورا، هي الأرجح عقلا، والأكثر خبرة بالحياة، بينما يبدو إيفان كطفل يلهو بالنقود لهوا. بعد أسبوع حافل بالجنس واللهو والسهر يعرض إيفان على آني مرافقته السفر على متن طائرة والده الخاصة إلى لاس فيغاس، وهناك يعرض عليها الزواج. ما نراه حتى الآن يسير وفقا لمعطيات كتب الحكايات، حيث يتزوج الأمير الفتاة الجميلة، رغم الفارق المادي والاجتماعي، ويعيشان في سعادة في قصرهما المنيف. لكن شون بيكر الذي عادة ما ينفذ إلى قلب المجتمع، وما فيه من عطب، ينأى بنفسه عن ذلك الحلم الرومانسي.
في «أنورا» ليست قصة الحب تلك إلا تمهيدا لما سيأتي بعدها. إنه فيلم الأحلام المحطمة، عن التعسف والتعنت اللذين يمارسهما أصحاب الثراء، على من لا يملك، عن القهر والبطش الذي يتعرض له هؤلاء الفقراء إذا ما تجرأوا وحاولوا دخول عالم المتنفذين وأصحاب المال. في «أنورا» يبقى شون بيكر وفيا للسينما المستقلة، ولا يقدم فيلما يرضخ لمتطلبات الاستوديوهات الكبرى ولا يقدم نهاية معسولة غير منطقية. وحين تتدخل أسرة إيفان لإنهاء الزيجة، وتتساقط أحلام أنورا الواحد تلو الآخر، وحين تتعرض للبطش، لا تجد مفرا من أن تخفي حزنها وألمها وتواصل التحدي. تبقى أنورا صلبة قوية، بينما يفر إيفان هربا من والديه. يتفهم شون بيكر رغبة آني في الاحتفاظ بخاتم الخطبة باهظ الثمن، أو بمعطف الفراء الثمين الذي أهداه لها إيفان، فهو يدرك أنها وسط هذا العالم الصعب، عليها ان تغتنم اللحظة وتتمسك بالقليل الذي تعبت في الوصول إليه. على أنورا أن تتحمل العنف الجسدي وترد الصاع صاعين لتتمسك بحقوقها وبزواجها، ولا يلومها بيكر على ذلك قط، فالفيلم يتفهم دوافعها.

آني فتاة ذكية علمتها الحياة أن تتشبث بالقليل الذي لديها، إنها ليست الفتاة الساذجة حتى تنسيها وسامة إيفان أن تتفق على مبلغ مجزٍ مقابل الأسبوع الذي أمضته معه أو تنسيها أن تنتقي خاتما ذا حجر ماسٍ ضخم كخاتم زواج. لكنها على كل نضجها وذكائها تصدق أن إيفان سيتمسك بها ضد رغبة والديه، لكنها حين تواجه بفراره خوفا من والديه، تقاتل باستماتة للحفاظ على حقوقها.
يتجلى تمكن بيكر من صنعته في تمكنه السيطرة على نغمة الفيلم وإيقاعه. كان يمكن للفيلم أن يتخذ المنحى المأساوي التراجيدي، لكن بيكر يقرر أن يجعلنا نضحك رغم قسوة الأحداث. تتمكن آني من رد الصاع صاعين لرجال والد إيفان. وما نخال أنه سيكون مواجهة دامية بين آني ورجال مدججين بالسلاح، يتحول إلى مواجهة عنيفة، فيها من المفارقات الضاحكة الكثير، حين تستخدم آني كل ما في جعبتها من العض والركل ضد رجال يدون قساة أشداء، لكنهم ليسوا بالقوة التي نخالها. هؤلاء الرجال ليسوا من رجال العصابات، بل منهم قس في الكنيسة، لكنهم تعهدوا برعاية إيفان ومتابعة تحركاته والحفاظ عليه من الأخطار، حتى يعود إلى روسيا، مقابل حصولهم على المال لرعاية أسرهم.
إنهم لم يأتوا لتنفيذ مهمتهم وإلغاء الزواج بين أنورا وإيفان، لكن من بينهم من يتعاطف سرا مع أنورا. وتكمن براعة بيكر في اختيار الممثلين الذين يؤدون هذه الشخصيات. ومن أبرز هؤلاء كارين كارغوليان (توروس) القس الذي يترك الكنيسة وسط القيام بتعميد طفل في محاولة لإنهاء زواج إيفان قبل وصول والديه من روسيا. أما ألطف شخصيات الفيلم وأقربها للقلب فهو إيغور (يوري بوريسوف) الشاب الذي يبدو مخيفا بقامته المديدة ورأسه الحليق، لكنه في الواقع يتعاطف مع أنورا، ويجد الكثير من الشبه بين ظروفه وشخصيته وظروفها وشخصيتها.
البعد الطبقي حاضر بشدة في «أنورا» وينتصر فيه شون بيكر لهؤلاء المهمشين، الذين يعيشون على أطراف المجتمع. يلعب الفيلم على زعزعة توقعاتنا وقلبها رأسا على عقب. كنا نتوقع من آني أن تستخدم فتنتها وخبرتها في التعامل مع الرجال خاصة، لصالح جني أكبر قدر من النقود من هذه الزيجة واستغلال الثراء لصالحها. لكن ما يحدث هو العكس، حيث يحاول والدا إيفان بالغا الثراء، خاصة والدته، على تجريد أنورا من كل ما حصلت عليه من إيفان، بما في ذلك خاتم زواجها القيم ومعطف الفراء الثمين. يحاول الأثراء الحفاظ على ثرائهم، بينما تسعى أنورا وراء البحث عن زوجها الهارب، الذي تظن خاطئة أنه سيتمسك بها متحديا والديه.
لا يسعنا إلا أن نؤكد براعة بيكر في اختيار ممثليه. مايكي ماديسون تبرع في لعب دور أنورا، وتنغمس كلية في لعب الشخصية. نجد فيها هذا المزيج من المرأة القوية التي خبرت كيفية التعامل مع الشارع والرجال، لكننا نعرف فيها أيضا ذلك الجانب المرهف الذي تخفيه خلف قوتها الظاهرة. أما مارك أيدلشتاين فهو يذكرنا شكلا بالجمال المرهف لتاتزيوا في رائعة فيسكونتي «الموت في البندقية» لكننا على يقين منذ أن نراه أنه لن يصمد في مواجهة أي شدة أو أي تحدٍ.. فما هو إلا طفل كبير يبعثر أموال والديه، لكنه لا يستطيع أن يخالف لهما أمراً، أو أن يستقل دون أموالهما. يعامل إيفان آني بلطف ويغدق عليها المال، لكننا نعلم أنه لن يتردد لحظة في التخلي عنها لتجنب غضب والديه.
يصحبنا بيكر في رحلة محمومة مجنونة، بين ملاهي نيويورك وصالات ألعابها، بين محكمتها للحصول على الطلاق، الذي نكتشف أنه يجب أن يتم في لاس فيغاس حيث تزوج آني وإيفان. ثم ينقلنا بالسرعة ذاتها إلى لاس فيغاس ومنها مجددا إلى نيويورك. طوال هذه الرحلة تبدو آني قوية حاضرة البديهة. لكننا ننتظر طوال الفيلم أن تنزع آني عن نفسها قناع القوة والصلابة، لتبدو على رهافتها دون تصنع للقوة. وحين تأتي هذه اللحظة تتحطم قلوبنا حتى نكاد أن نبكي، ولا تجد آني من يواسيها إلا إيغور، ابن طبقتها، الذي تجبره ظروفه أيضا على تصنع القوة، رغم طيبة قلبه.