أن تزوّر حتى طلوع الشمس!؟ فريق «فوضى» إلى جبهة موازية لحرب الإبادة

حجم الخط
1

كان الردّ الإسرائيلي على اللّطمة التي تلقتها الدولة العبرية، صبيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأول دموياً، إذ شرعت من فورها في تنفيذ أوسع حرب إبادة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ما زالت مستمرة إلى اللحظة، دون أن يردعها عدّو أو صديق، ولم توفّر لا المدنيين، ولا المنشآت ولا البيئة ولا شيء مطلقا!
المذبحة، التي جرت في هذه المرّة من تاريخ الكيان المزروع في خاصرة الشرق العربي، على الهواء مباشرة – وتابع أخبارها عبر التلفزيونات وتناقل صورها المليارات من البشر حول العالم، بالاستفادة من وسائل التّواصل الاجتماعي – تسببت في الكشف عن الوجه البشع للمشروع الصهيونيّ، وأسقطت طبقات الطلاء الملون الكثيف، التي تراكمت عليه عبر عقود طوال من تواطؤ الإعلام الغربيّ، وتحولت الدولة المدللة من رمزية «واحة الديمقراطيّة» الفريدة في قلب «صحراء التخلف» إلى كيان منبوذ مكروه يتجنب كل عاقل الارتباط به أو التعامل معه، ما لم يكن متورطاً بشكل ما بديمومة هذا المشروع الصهيوني واستمرار بقائه.
كارثة العلاقات العامة هذه بالطّبع لم تكن لتغيب عن أذهان حكماء الدّولة العبريّة، وهم منذ اليوم الأول لحربهم الانتقاميّة ضد الفلسطينيين على الأرض أطلقوا العنان لجبهة هجوم أخرى موازية تستهدف السيطرة التامّة على شكل السجل التاريخي لما جرى، والتحكم بالذاكرة البصريّة بشأن تفاصيل الأحداث، بحيث يمكن لهم الاستمرار في لعبتهم التي أتقنوها منذ آلاف السنين: تزوير التاريخ، واختلاق البطولات، وتبديل المواقع مع الضحايا والمعذبين.
وهكذا تقوم أجهزة متقاطعة بين القطاعات العامة والخاصة في الدّولة العبرية، كما جهات متصهينة حول العالم ببناء مكتبة متكاملة من البرامج الوثائقيّة والأفلام التسجيلية، والشهادات التفصيلية المصورة حول ما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، في موازاة انعدام عمليّ شبه كلي لبناء سرديّة نقيضة مع استمرار القتل اليومي.

7 أكتوبر: من التوثيق المزوّر إلى الدراما الفاجرة

لا تكتفي الدولة العبرية بهذا الاحتكار للمدى التوثيقي بشأن هذه الحرب، بل وهي بصدد نقل المعركة غير المتكافئة الموازية لحرب الإبادة هذه إلى قاعات السينما ومنصات البث على الإنترنت (نتفليكس وأخواتها)، واستعانت لذلك بأعلى نجومها رتبة في فضاء حرب الدراما على الوعي: الجنديان السابقان في جيش (الدّفاع) الإسرائيلي آفي يسخاروف وليئور راز، اللذان اشتهرا بعملهما على إنتاج مسلسل «فوضى» الذائع الصيت.
يسخاروف وراز سيكتبان السيناريو لفيلم ضخم تتولى ليفياثان، وهي شركة صهيونية الهوى – تتخصص في إنتاج وتوزيع الأعمال السينمائيّة والتلفزيونية المصممة للترويج للتراث والتاريخ العبريين – التحضير لإطلاقه بعنوان «7 أكتوبر»، يروي استناداً لأحداث يقال – وفق ادعاءات الإعلام الغربيّ – إن ثمة رصيداً من الواقع لها، حكاية بطولات الجنرال الإسرائيلي المتقاعد نعوم تيبون، خلال ذلك اليوم الطويل، وسيعملان معه ومع ابنه – كمستشارين – على استعادة الأحداث، عندما انتقل الجنرال فور سماعه بحصار عائلة ابنه في ناحال عوز – إحدى كيبوتسات منطقة غلاف غزّة – أثناء السابع من أكتوبر/تشرين الأول بسلاحه الشخصي لإسناد وحدات الجيش الإسرائيلي، التي استدعيت للتعامل مع اختراق الفدائيين للمستعمرة الاستيطانية.
ويبدو أن تيبون الابن قد نجا بعائلته عبر الاختباء في غرفة سرية في منزل، فيما تلقفت الصحف العبرية، كما الأمريكيّة المتصهينة الحكاية وجعلت منها على أوراق الصحف بسرديّة بديلة عن إذلال العبور الثاني، وتلويناً لها بروح «الماسادا» اليهودية المتخيلة في مواجهة النوائب.
وتحدث يسخاروف وراز أن عملهما المخصص لتضخيم شجاعة الجنرال تيبون» يحمل قيمة (إنسانية) عابرة للجنسيات والأديان والأوقات حول حجم «التضحيات التي نكون على استعداد لتقديمها من أجل الذين نحبهم» بالطبع مع إغماض عينيهما التام عن كل القيم الإنسانية التي ديست بالأقدام في غزّة.

الثنائي يسخاروف وراز: كيف تصنع شهرة من تبرير القتل

اقتحم الشريكان يسخاروف وراز عالم صناعة الدراما قادمين من الجيش الإسرائيلي، حيث خدما وخبرا أعمال العربدة، التي تنفذها وحدات ما يسمى بالمستعربين في ملاحقتها للمقاومين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
وقد أنتجا باكورة تعاونهما مسلسلاً تحت اسم «فوضى» أُطلق موسمه الأول في 2015 قبل أن تعمد منصة «نتفليكس» إلى شراء حقوقه وتنتج لهما ثلاثة مواسم أخرى، مع توسيع مساحة بطولات رجال الاستخبارات الإسرائيليين من أزقة مدن الضفة إلى حواري بروكسيل مروراً بضاحية بيروت الجنوبية.

قدّم موسم «فوضى» الأول مادة ترضي سايكولوجيا المواطن الإسرائيلي المتعطش للبطولات والانتصارات في مواجهة واقع متأزم وجودياً وموضوعياً، فقفز ليصبح المسلسل الأهم إسرائيلياً، وتقبله بعض العرب من مزوري الوعي في الدولة العبرية، وما حولها، بوصفه يقدّم صوراً إنسانية عن المقاوم الفلسطيني، المهزوم حتماً ودائماً ودون جدال! لينتقل بعدها إلى العالمية في مواسمه اللاحقة من خلال منصة نتفليكس التي وفرته للمشاهدة السهلة أمام نصف مليار مشترك حول العالم.
آخر أعمال يسخاروف وراز كان مسلسل «أشباح بيروت»، الدراما الوثائقية التي أنتجتها شبكة «شوتايم» الأمريكيّة عن عمليّة اغتيال القائد في حزب الله اللبناني عماد مغنيّة في عملية مشتركة بين الموساد والمخابرات الأمريكيّة على الأراضي السوريّة. لكن هذا العمل لم يرتق لا للكفاءة الفنية ولا مستوى الشعبية، التي وصلت إليها مواسم «فوضى» المتتابعة، واعتبره كثيرون مخيباً للآمال.

الإسرائيليون يجتهدون والعرب يستهلكون

لا نعرف بالطبع في ما إذا كان «7 أكتوبر» سيقترب من نجاح «فوضى» أو ينتهي عند خيبة الأمل، كما «أشباح بيروت»، لكن وعلى كل حال فإن عدد من يتابع أعمال يسخاروف وراز من العرب هم أضعاف من يشاهدها من الإسرائيليين. وللحقيقة، وفي ظل نزوع غالب الجهات العربية المنتجة إلى التركيز على قضايا لا قومية، لم يكتفِ الإسرائيليون باستضافةِ فرق التصوير لأعمال الدراما الأمريكيّة، مستفيدين من تنوع البيئات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل هم عملوا بمنهجية على الاندماج في المنظومة الهوليوودية ضمن عمليات التأليف والتصوير والإخراج والمونتاج جميعها، حتى أصبحوا الآن قادرين على إنتاج أعمال دراميّة إسرائيليّة مؤثرة، ذات تقنيات متقدمة، لا تقل أبداً في جودتها عن مستوى الأعمال التي تقدمها هوليوود نفسها.
وهذا ينسحب بدوره على الأعمال الوثائقيّة، التي ينتجها الإسرائيليون – على تباين مستوياتها بين الجيد والرديء – في مقابل غالب الأعمال الضعيفة (مضموناً على الأقل) التي ينتجها فلسطينيون وعرب محكومون بشروط التمويل الغربي، التي لا ترحم وخطوطه الحمراء، التي تأكل من لحمنا وحقنا.
ولا شكّ أن معركتنا في السينما ستكون بالميل ذاته بحكم القدرات الجبارة التي تدعم المنتج الصهيوني، مقابل الهراء الذي ينتجه عدد ليس بقليل من المبدعين العرب (خذ مثلاً فيلم «فرحة» الأردني المعبّأ بحذر بالغ في قالب الممول الغربي الخانق).
لقد اعتقدنا نحن الذين عشنا لنشهد السابع من أكتوبر/تشرين الأول أن هذا اليوم الساطع الأقرب إلى الحلم لن يمكن نسيانه، ولا تزويره. لكن الجليّ أن العبراني، الملفّق الأبدي، يعمل بلا كلل من أجل ذلك، ولو كلفه الأمر تزوير طلوع الشمس ليراه العالم ظلاماً!

 كاتبة وإعلامية لبنانية مقيمة في لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية