رسالة أخرى إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي
سيادة الرئيس:
أواصل كتابة رسالتى إليكم، وأنا أكبح جماح انفعالات الغضب بسبب الحكم ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك ومساعديه الكبار، وإذا ما بقيت مساحة سأتطرق إلى هذا الحكم سريعا، من زاوية مسؤولية «قوى الثورة» عن صدوره، فالوصول لهذه النتيجة ليس مسؤولية «الثورة المضادة» وحدها، والتي ما زالت متمكنة ومتحكمة في مفاصل السياسة والاقتصاد والمال والإعلام.
أبدأ بالقول أن إدارات الحكم بعد ثورة يناير؛ بداية من المجلس العسكري الذي أدار المرحلة الانتقالية الأولى، وحتى الاحتكام إلى «الصناديق»، التي جاءت بالرئيس المعزول محمد مرسي، ثم بالرئيس عبد الفتاح السيسي.. كلها تجنبت الاقتراب من أهداف الثورة في موجتيها؛ في يناير 2011 ويونيو 2013.
الموجة الأولى اختطفها «غزاة الصناديق»، فمكنوا لـ»حكم المرشد»، وإقصوا ما عداه، وادعوا بأنهم فجروا الثورة، ولا أريد أن أعود لبيانهم وتصريحاتهم قبيل الثورة بأيام (في 19 يناير 2011)؛ ورفض النزول للميادين، وهذا معروف وموثق لمن أزال غشاوة السمع والطاعة عن بصره، وتخلص من الكذب البواح على الله والوطن والشعب والتاريخ، وتخلى عن غروره باسم «استاذية العالم»!!.
واختطفت الموجة الثانية من قوى وجدت العون من سلطات، ما زالت تدور في الفلك القديم، ومن أجل المساعدة في تفكيك تعقيدات الوضع وفتح أبواب الأمل للخروج من هذا الضيق؛ قلنا أن بديلا لـ»الثورة المؤجلة» هو «حكم رشيد»، ونبع هذا من اعتقاد راسخ بأنه بديل مقبول من الغالبية العظمى من الناس، ويبدأ في التحقق مع فصم عرى الزواج المحرم بين الحكم والثروة، وهو عائق يجعل حصيلة أي إنجاز مهما عظم شأنه وحسنت نواياه تصب في قناة الفلول وحيتان المال والأعمال!!
سيادة الرئيس:
أذكر نفسي وأذكر السيد الرئيس بأهداف الثورة الستة؛ وكتبت عنها قبيل انتخابكم أملا في صياغة «عقد اجتماعي» يحدد رؤية المرحلة ومسارها، وفضلت النشر داخل مصر.. واخترت صحيفة شعبية ومقروءة هي «اليوم السابع»، فنَشَرَتْه على موقعها الألكتروني في 7 مارس 2014.
وأربعة أهداف من الستة طالبت بها الموجة الأولى في 2011.. وهي: «العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية».
و«العيش» يعني في اللهجة المصرية الخبز، والرزق الحلال دون استغلال؛ ومبرأ من الكسب غير المشروع والمحرم، وأن يكون كافيا ومتوفرا.
أما «الحرية» فهي نقيض الاستبداد، بمعنى الحريات السياسية والقانونية والمساواة الإنسانية، وإعلاء النزاهة والحد من الفساد.
و«العدالة الاجتماعية» هي الوجه الاجتماعي للحرية السياسية، وحق إنساني أصيل؛ يحرر الموإطن من الظلم الاجتماعي والاقتصادي، وذل الحاجة وضغط الحرمان. وتتوفر بضمانات قانونية وإجراءات اقتصادية ونظم تأمينية وترتيبات رعوية، وبها تتكامل حلقة الحقوق المشروعة، التي ما زالت مكسورة وعرجاء، وما زالت العدالة الاجتماعية مغيبة حتى إشعار آخر.
و«الكرامة الإنسانية» تحافظ على كبرياء الوطن والمواطن واحترام اختياراته المشروعة ونشاطاته العامة في ظل قانون عادل، يضع في حسبانه حماية حقوق المواطن من لحظة الولادة حتى يوم الوفاة، فلا تنتهك طفولته، أو يغتال شبابه، أو يذل رجاله ويضطهد نساؤه أو يُهمل كهوله ومرضاه ومعاقيه.
وفي 30 يونيو/حزيران أضيف إلى الأهداف الأربعة السابقة هدفان هما: الاستقلال الوطنى، وإستعادة الدور العربي والإقليمي، وكان من الملائم أن يوضع هدف الاستقلال الوطني على رأس الأهداف الستة؛ حيث يعتبر هدفا حاضنا لبقية الأهداف، ورغم هذه القيمة فما زال «الاستقلال الوطني» منسيا، وهو ما تؤكده السلطات الرسمية؛ هي تردد ليل نهار عن العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، أي أنها علاقة تَطابُق في العقيدتين السياسية والعسكرية، وإعلان واضح باستمرار التبعية، وكان الواجب يقتضي من الدبلوماسية المصرية ضبط مفردات وتعبيرات ومصطلحات الخطاب السياسي مع العالم الخارجي، واستخدام لغة مغايرة؛ تتحدث عن «المصالح المشتركة» والتعاون السياسي والاقتصادي!!، وذلك الخطاب يعبر عن استمرار سيطرة عناصر النظام القديمة وسيادة اللغة البالية على العقل الدبلوماسي؛ المسؤول عن العلاقات الخارجية، وهو عقل يتحرك بوحي أصحاب المصالح، وتضبطه بوصله رجال المال والأعمال وأباطرة التطبيع، الذين أحجموا عن التبرع لـ»صندوق تحيا مصر»، الذي دعا إليه الرئيس السيسي!!.
وما زلت على قناعة بأن الأهداف الستة تصلح منطلقا لعقد اجتماعي يلتقي عليه المصريون بكل توجهاتهم ومشاربهم الوطنية والاجتماعية.
سيادة الرئيس:
«الحكم الرشيد» ضرورة تعوض الثورة المؤجلة، على أن تتم التفرقة بين «حكم رشيد» على الهوى الأمريكي، وآخر ينطلق من الثوابت الوطنية. فهوى واشنطن يركز على الحقوق والحريات الفردية، ويعتبر خطابها المرجعية العليا له، فيتبنى مجمل القيم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسات الأمريكية والغربية. وإلا ما ابتُدِعت «العولمة وما بعد العولمة».
إنه خطاب مرن يقبل بالتفاوت بين نظم الحكم المستبدة وغير المستبدة، ما دامت تدور في فلكها، وتعمل وفق استراتيجيتها؛ بجناحيها الاحتكاري والصهيوني، وتواجه الإرهاب والعنف المسلح، ومعه التخلي عن المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، وتتصدى للتطرف دون معالجة أسبابه، فهو في النهاية يصب في مصلحتها، وتكشف أسلحة الدمار الشامل، وتشعل الصراعات والنزاعات الطائفية والعرقية والحدودية، وتدفع بقيام كيانات انشطارية، وتجفف موارد بشرية ومنابع مالية للقوى التي تتجاوز خطوطها الحمراء. والهوى الأمريكي نحو «الحكم الرشيد» يمزج بين استخدام الحصار والقوة العسكرية والأمنية «الخشنة» والنشاط السياسي والدبلوماسي والإعلامي «الناعم».
ولا بأس من استفادة المصريين ببعض ما في الخطاب الغربي في شأن «الحكم الرشيد»، لكن بمضمون مغاير، بحيث لا يكون مبررا للعدوان والغزو والتوسع ودعم الاستيطان والاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وغير قابل بازدواج المعايير في السياسات البينية والدولية؛ ولا يكون على حساب حق الشعوب في التحرر والحياة في مجتمعات عادلة وآمنة ومتقدمة ومستقرة.
والمنحى الوطني لـ»الحكم الرشيد» يصبح جديرا باسمه إذا ما قاوم كل ما يترتب على المعايير المزدوجة، فالشروط الغربية شروط فرض الضعف والإذعان
و«الحكم الرشيد» بأفقه الوطني والإنساني مسؤول عن تعظيم إجراءات الحماية الاجتماعية، وضوابط النزاهة ومقاومة الفساد؛ المعروفة في الغرب بـ»الشفافية»، وعن احتضان هيئات ومنظمات المجتمع الأهلي، وإتاحة الفرص أمامها لتحمل مسؤوليتها أمام المجتمع والدولة، بغير إخلال بالثوابت الوطنية والقواسم الجامعة؛ ولا بتوازن المصالح العامة، والجدية في التصدي للتمييز بسبب العقيدة أو الجنس أو اللون أو الثروة، وما إلى ذلك، وتحقيق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة.. ورفع مستوى الكفاءة والأداء في الهيئات والمؤسسات المسؤولة عن توفير وإشباع الاحتياجات المادية والروحية والعلمية والتعليمية والثقافية للمواطنين؛ وتعظيم الاستفادة من الموارد البشرية والثروات الطبيعية والميزات الاقتصادية والمناخية، وإخضاع المسؤولين في القطاعات الحكومية والعامة والخاصة والأهلية والحقوقية والخيرية للمساءلة والمحاسبة.
هناك حاجة ماسة لـ»حكم رشيد»؛ قادر على حماية الفقراء والضعفاء والمهمشين، وعلى إطلاق العنان للمشاركة السياسية والجماهيرية؛ من أجل التخفيف من جموح «نخب» سياسية ومالية واحتكارية وقبلية وطائفية ومذهبية وانعزالية وبوليسية؛ تتعالى على الشعب وتمسك برقابه.
سيادة الرئيس:
إن «الحكم الرشيد» ممكن بتوفر الإرادة، وبقوة حبل الثقة الرابط بين الشعب ووطنه ودولته وحكومته، وبتحرير القرار السياسي والاقتصادي من سطوة المقاولين وفلول الفلول!
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب