وين نروح؟ أكثر كلمة بات يرددها النازحون في مناطق مختلفة من جنوب قطاع غزة، مع تزايد أوامر الإخلاء التي يرسلها الاحتلال الإسرائيلي للسكان والنازحين في مناطق مختلفة جنوب غزة، سواء بإلقاء المنشورات عليهم أو من خلال الاتصالات العشوائية على أرقام المقيمين في المناطق التي يطالب السكان بإخلائها.
ومع بدء الحديث عن جولة جديدة وأخيرة من المفاوضات للتوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحماس، شرع الاحتلال الإسرائيلي في عمليات توغل في جنوب قطاع غزة، وإصدار أوامر إخلاء للعديد من المناطق التي تعج بمئات الآلاف من النازحين، ومع استمرار العمليات البرية يعمق الاحتلال من توغله وصولاً إلى أطراف مدينة دير البلح التي تضم أكثر من مليون نازح، حيث بدأ بإلقاء منشورات تطالب سكان بعض المناطق في جنوب وشرق المدينة بالإخلاء، وسط امتعاض كبير من السكان والمؤسسات الحقوقية والدولية من خطورة دخول المدينة.
ومع بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حدد الجيش الإسرائيلي مساحة إنسانية آمنة ممتدة على طول ساحل مواصي مدينة دير البلح وخانيونس حتى مواصي رفح، لكن الاحتلال مع دخول مدينة دير البلح قلص المساحة الإنسانية، وبعد فترة زمنية قصيرة قلص المساحة المتواجدة في مدينة خانيونس، ما زاد من معاناة النازحين الذين يتكدسون داخل مناطق أشبه بعلب السردين، ومن جديد يبدأ الاحتلال بعملية تهجير لسكان مدينة دير البلح، في وقت لا يعرف أين يذهب السكان في ظل ضيق المساحة وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من النازحين.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حذر من التداعيات الخطيرة والكارثية لجريمة الاحتلال المتواصلة بحق السكان، والتي تهدف إلى خنق المدنيين في قطاع غزة وحشرهم في مناطق غير صالحة للعيش الآدمي لانعدام كل مقومات الحياة فيها محملاً الإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عما يجري من جرائم إبادة يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي وبضوء أخضر أمريكي، وأشار المكتب إلى أن المنطقة التي يدعي الاحتلال أنها آمنة قام بتقليص مساحة كبيرة منها، ما زاد من معاناة النازحين الذين يفترشون الشوارع والمقابر وبالقرب من تجمعات النفايات لعدم توفر أماكن تأويهم. المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان قال إن الاحتلال الإسرائيلي يرتكب أفظع الجرائم ضد المدنيين في قطاع غزة، بعد تصعيد عملية التهجير القسري والنزوح الإجباري لأكثر من مليون وسبعمئة ألف مواطن فلسطيني مدني، حيث أجبرهم الاحتلال على النزوح ومغادرة مناطق سكناهم تحت تهديد القتل والقصف، وأوضح المرصد أن الاحتلال يمعن بشكل مقصود ووفق خطة ممنهجة خنق المدنيين وخنق المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، في مساحة ضيقة لا تتجاوز عشر مساحة القطاع.
منطقة أصداء الواقعة شمال غرب مدينة خانيونس بالقرب من مدينة حمد التي يتوغل فيها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تضم ما يزيد عن 370 ألف نازح من مدينة رفح وخانيونس، تشهد أعنف عملية تهجير إجباري من قبل الاحتلال، حيث يرغم النازحين على ترك خيامهم والهرب، بعد أن قامت الطائرات المسيرة بإطلاق زخات من الرصاص على خيام النازحين، الأمر الذي أدى إلى ارتقاء وإصابة عدد من الأطفال والنساء والشبان. ورغم عمليات الضغط للإخلاء، إلا أن الكثير من النازحين يرفضون الخروج لعدم توفر مكان يمكن التوجه إليه يضاف إلى ذلك مشكلة أكبر وهي عدم توفر سيولة نقدية لدى النازحين يمكن من خلالها نقل أمتعتهم في ظل ارتفاع أجور النقل وأسعار المحروقات، وبات لسان حال النازحين يقول بدنا نموت وين نروح؟
رفض الخروج
المواطن أبو فايز لا يزال محاصراً داخل مدينة أصداء، بعد أن رفض الخروج والامتثال لأوامر الجيش بالإخلاء، لعدم توفر مكان يمكن الذهاب إليه إلى جانب عدم توفر سيولة مادية لتكلفة الإيجار، وحال أبو فايز مشابه لحال المئات من النازحين الذين رفضوا الخروج لانعدام الخيارات أمامهم، في ظل تأزم أوضاعهم المعيشية على مدار أشهر الحرب العشرة.
يقول شقيق النازح أبو فايز لـ«القدس العربي»: «ينتابني وضع نفسي صعب، بعد أن تلقيت خبر حصار شقيقي وعائلته في مدينة أصداء، فهو رفض الخروج بسبب ظروفه المادية الصعبة، وعدم وجود مساحة يمكن نصب خيمته فيها وإيواء أسرته» مطالباً المؤسسات الحقوقية الدولية بضرورة التدخل العاجل لوقف جريمة الإبادة الإسرائيلية المتصاعدة بحق السكان في قطاع غزة ولاسيما ملاحقة النازحين داخل المناطق المصنفة بالإنسانية.
أما المواطن أبو قصي فرفض والده وأشقاؤه الامتثال لأوامر الجيش والخروج من مدينة أصداء، مع تلقيهم مكالمات صوتية مسجلة تطالبهم الخروج من المنطقة، بعد أن فقدوا الأمل في الحياة الكريمة في ظل ملاحقة الجيش للسكان، وارتكاب المزيد من جرائم الإبادة بالتزامن مع حالة الصمت العربي والدولي لممارسات الاحتلال البشعة بحق المدنيين العزل، حيث انقسمت العائلة في القرار إلى نصف خرج والآخر لا يزال محاصراً. يقول أبو قصي لـ«القدس العربي» أن هناك حالة من الإحباط واللامبالاة تخيم على عائلته والكثير من النازحين في كل مكان، في ظل الملاحقة الإسرائيلية للنازحين وإجبارهم تحت القصف العنيف على ترك مناطقهم السكنية.
ويرى أبو قصي أن حالة التخاذل العربي والدولي ومنح الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر لإسرائيل، ساعدت الاحتلال على فرض المزيد من الانتهاكات بحق السكان الآمنين، وإجبار النازحين على الخروج من المناطق المصنفة بالإنسانية، وعدم تحريك العالم ساكنا رغم المشاهد المؤلمة التي تبث عبر المنصات الإعلامية.
ويواصل الاحتلال الإسرائيلي شن عدوان هو الأعنف في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يرتكب بشكل يومي مجازر إبادة بحق النازحين في كل أماكن تواجدهم من مدارس وخيام.