في عام 1972، أي في العشرين من عمره، وبعد سجال طويل مع أمه -التي كانت تنشر ورق اللعب على مفرش الطاولة لتقرأ الطالع- حول ضرورة تخليه عن الرسم، وإكمال دراسته الجامعية في كلية الهندسة، خرج أورهان باموق من المنزل، كما يقول، إلى شوارع اسطنبول الخلفية والمظلمة في تلك الليلة الباردة. تجول في بيه أوجلو، وعلى طول سور ضولمه باهتشة، مفكرا في مستقبله الغامض، الذي يدفعه إلى الشجار كثيرا مع أمه. كان يريد أن يصبح فنانا، ولكن بعد جدالات طويلة معها، أظهرت له فيها كم من الصعب أن يعيش الفنان في مدينة لا تقدّر الفن آنذاك، وكم على الفنان أن يتملق الأثرياء لتسويق أعماله. رأى حبه للرسم يتلاشى مما جعل الخواء يغزوه شيئا فشيئا. لا أحد يعرف إن كانت أمه قد رأت ذلك في ورق اللعب: يقول أنه عاد في تلك الليلة بعد تجوال طويل في الشوارع القذرة، ليكتب على قصاصة من الورق أمامه ما يلي: «لا أريد أن أكون رساما، سأكون كاتبا».
بعد ذلك بسنوات طويلة -كتب فيها العديد من الروايات، وذاع صيته في الغرب والشرق، بعد أن حاز على العديد من الجوائز الأدبية وآخرها جائزة نوبل في 2006- سيذكر فضل الرسام على الروائي، الذي علمه الكثير من التفاصيل الضرورية، وأرشده إلى تكنيكه الخاص، حيث لا ينبغي أن يبدأ الكتابة قبل أن يمتلك مشهدا قويّا، وأن لا يبحث عن الكمال والتناسق كي لا يقتل الحياة في العمل، ناظرا إلى العالم عبر عينَيّْ الشخصية، و غير آبه في الابتداء من الجزء الثانوي للقصة: «الرسام والروائي أصبحا أكثر صحبة يوما بيوم».
باموق الذي دشن مشواره الأدبي ب»جودت بيك وأولاده» (كانت منشورة باسم الظلام والنور، وفازت بجائزة ميليت للرواية في 1979 مناصفة مع رواية لمحمد أورغلو) قدم فيها صورة عن تاريخ اسطنبول الحديث عبر ثلاثة أجيال لأحد العائلات الغنية، تمتد من أيام ضعف الخلافة العثمانية، إلى ما بعد الثورة. تنبأت النيويورك تايمز بعد صدور روايته «القلعة البيضاء» ببزوغ نجم جديد في الشرق الأوسط. كتب «البيت الصامت» بأسلوب جديد، قامت فيه شخصيات العمل بالحديث عن نفسها وعن الشخصيات الأخرى، واستخدم ذات الأسلوب في عمله الأثير «اسمي أحمر» دون أن يقتصر ذلك على البشر، فالكلب والشيطان والرسمة والجثة والحبر الأحمر يتحدثون بالتناوب في هذه الرواية، التي نال باموق صدى كبيرا على إثرها وحصل على جائزة نوبل، شاحنا إياها بالمعلومات التاريخية عن حياة النقاشين، وعن الحياة الاجتماعية المرافقة لأحداثها الدائرة في مدينة اسطنبول الحاضرة بطبقاتها الاجتماعية وتياراتها المتصارعة في كل أعماله التي سيكون في آخرها «الحياة الجديدة» (اختيرت كأكثر الكتب مبيعا في تركيا) ومن ثم «متحف البراءة» (افتتح بعدها متحفا بذات الاسم في اسطنبول لعرض المقتنيات التي استعملها أبطال الرواية في الواقع).
اسطنبول، التي شغلت كتابها بها، المدينة التي تقع في المرتبة الثانية في العالم من حيث التعداد السكني، كان باموق يراقبها بعينه التي حرص جاهدا أن لا ترفّ. سقطت الامبرطورية تاركة إرثها في اسطنبول مقسوما بين الراغب في نفخ الروح فيه مرة أخرى، وبين الداعي إلى ترك هذه الجثة وراء ظهره بحثا عن قالب جديد لكي تنصهر فيه المدينة بروح العصر، واختار باموق مكان الراصد القريب لكي لا يفوته شيء من هذه المعركة الطويلة. لم يغادر اسطنبول، بعد ما صار معروفا كأهم الكتاب فيها، إلا بعد أن صرح وأشار إلى المجازر التي ارتكبتها الدولة سابقا بحق الأرمن والأكراد، ورُفعت ضده الدعاوى القضائية ولوحق بتهمة إهانة الهوية التركية، وما تبعها من تهديدات بالتصفية الجسدية دفعته إلى المغادرة مكرها بعد ما كان قد أصبح لسان المدينة، الذي يخاطب العالم، عارضا له تفاصيلها الدقيقة: «عُرف كتاب مثل كونراد ونابوكوف ونايبول، بهجرتهم بين اللغات والثقافات والبلاد. تغذت أخيلتهم على الاغتراب. غذاء لا يأتي عبر الجذور، بل عبر اقتلاع الجذور. إلا أن خيالي يتطلب أن أعيش في المدينة نفسها، وفي الشارع نفسه، وفي المنزل نفسه، محدّقا بالمنظر نفسه. إن قدر اسطنبول هو قدري».
٭ كاتب ومترجم سوري
مصعب النميري