سيطرت أنباء موجة الحر الثالثة التي ضربت أوروبا هذا الصيف على شاشات التلفزيونات الغربيّة دون استثناء، ونقلت المحطات على رأس نشراتها الإخباريّة مشاهد حيّة لاحتراق الغابات وتعطل الخدمات وإرهاق الماشين في طرقات مدن القارة الكبرى.
« إنه الجحيم» يقول أحد الهاربين من الحرائق، و»يا له من أمر متطرف للغاية، لا يصدق» يعلّق خبير في التّغيرات المناخيّة، وعنونت صحيفة بريطانية «إنّه وادي الموت»، فيما قال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز للمراسلين التلفزيونيين الذين رافقوه خلال زيارة إلى منطقة ضربتها الحرائق «تغير المناخ يقتل النّاس ونظامنا البيئي وكل ما هو ثمين بالنسبة لنا».
وبالفعل، فقد تسببت درجات الحرارة القياسية في معظم جنوب وغرب أوروبا في تعطل العديد من رحلات القطارات وأغلقت المدارس وقلصت المستشفيات من خدماتها وتعرضت شبكات الكهرباء لطلب مضاعف.
وبلغت درجة الحرارة في بريطانيا أعلى مستوياتها التاريخيّة على الإطلاق فوق 40 درجة بقليل، فيما وصلت جنوب القارة نحواً من 47 درجة مئوية.
واندلعت النيران داخل المناطق المشجرة في عدة دول أوروبيّة من اليونان حتى بريطانيا، وتُجاهد الأجهزة الحكوميّة لتوفير المأوى لعشرات الآلاف من السكان الذين احترقت منازلهم أو حوصرت باللهب، بينما أُرسل التلاميذ إلى بيوتهم خائفين، واضطرت الكثير من المؤسسات إلى العمل بالأنظمة الورقيّة بعدما ارتفعت حرارة خوادم أنظمة الكمبيوتر لديها، وأُلغيت عمليات جراحيّة وأُغلقت دوائر حكوميّة في وجه المراجعين.
وبالطبع فنحن ما زلنا في بداية الصيف والمتوقع – وفق نمط الغلاف الجوي غير العادي الذي يسيطر على أجواء القارة – أن تستمر درجات الحرارة في الارتفاع، حيث يُحمل الهواء الساخن من جنوب أوروبا نحو شمالها متسبباً معه بآلاف الوفيات المبكرة وفق أرقام السلطات الصحية.
لقد دفعت هذه المشاهد المؤلمة الكثيرين في القارة إلى استعادة ذكريات الفيضانات غير المعهودة التي ضربت ألمانيا وبلجيكا صيف العام الماضي وأودت بحياة مئات الأشخاص وفرضت على أذهان الجميع النظر إلى الانعكاسات المتصاعدة لتغير المناخ، لا سيّما في بعض البلدان التي طالما ظن سكانها أنّها قد تكون محمية نسبيا منه حتى الآن بحكم موقعها قرب الشّمال البارد.
قليل من التخطيط ينعش القلب
بالطبع فإن بعض الحر في قلب الصيف أمرٌ لا بدّ منه، ويجب قبول أنه في بعض الأيام لن تسمح درجات الحرارة القصوى المتزايدة – أو الفيضانات – بأن يستمر العمل كالمعتاد.
ولكن المسألة تذهب لأبعد من مجرّد أن جيراننا الشماليين حساسون، إلى وقائع بنيوية أساسية في منظومة التعمير والبنية التحتية التي صُممت قبل عقود كثيرة على اعتبار الحد الأقصى، الذي يمكن أن تبلغه درجات الحرارة لا يزيد عن الثلاثينات إلا قليلا. فمعظم المباني العامة والخاصة في أوروبا – لا سيما التي بنيت في القرن الماضي – غير مجهزة لتحمل الحرارة العالية وغير مزودة بأنظمة تكييف بارد. وحتى مدرجات المطارات وخطوط السكك الحديدية والطرق لا تمتلك المرونة اللازمة للاستمرار في الأداء مع ازدياد الحر.
ومن المؤكد أن الأوروبيين يمتلكون الخبرات الهندسية والقدرات التقنيّة لتغيير ذلك كله، لكنهم وعبر عقود من التقشف وسياسات الخصخصة أهملوا الاستثمار في التخطيط طويل المدى للتعامل مع الارتفاع المتوقع في درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ – والذي ما انفك علماء النظم المناخية التحذير منه منذ نهاية الثمانينيات – ووجهوا موارد شعوبهم بداية لإنقاذ الأثرياء والبنوك – إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008 – وحالياً للإنفاق على المجهود الحربيّ داخل أوكرانيا.
والملاحظ أن كثيراً من شبكات البنية التحتية (الطرق والكهرباء والماء والاتصالات والخدمات الصحية والتعليمية..) في معظم الدول الأوروبيّة انتقلت تدريجياً من المُلكية العامة وأصبحت في عهدة القطاع الخاص، وهذا الأخير غير معني بالإنفاق الرأسمالي لإجراء تحديثات بنيوية على تلك الشبكات ونظرته غالباً قصيرة المدى.
ولعل صدمة صيف هذا العام ستكون بمثابة جرس الإنذار توقظ سكان الشمال من كابوس المتربحين والتجار وتعيد للناس شراكتهم الأبدية في الماء والكلأ والنار، وإن كان الأمر سيستغرق عقوداً قبل أن تصبح تلك الشبكات أكثر مرونة للتعامل مع تطرفات الطقس بين البرد والشتاء.
الإعلاميون: شركاء في الجريمة
ولكن أين دور الإعلام الأوروبيّ من هذا كلّه؟ لقد انخرط بقضّه وقضيضه في دعم سياسات الخصخصة، وهاجم القطاع العام بلا رحمة بوصفه لا يليق بالتقدم والازدهار وعصور المنافسة في الأسواق المفتوحة، وصمت عن تورط السياسيين والنخب في سرقة المال العام لإنقاذ البنوك والمؤسسات الماليّة من الإفلاس، وتخلّى عن دوره لناحية تنبيه مواطنيه من خطورة السياسات الرأسماليّة الدافع التي تهمل الخطر المناخي ولا تُلقي إليه بالاً سوى بالشكليّات.
وها هو اليوم مستمر في دوره الانسحابيّ مُركزاً على الأعراض (مشاهد الحرائق والدمار وتعطل الخدمات وأوجاع المتضررين) دون البحث عن جذور الدّاء.
ولعل موجة الحر الحالية تكون صفعة للأوروبيين الذين تركوا إعلامهم يسقط في دائرة الترويج الاستهلاكيّ وخدمة المصالح المتنفذة دون أدنى حس بالمسؤولية عن المستقبل الذي ستتركه للأجيال المقبلة. لقد كانوا شركاء تامين في جريمة الطقس المتطرف هذا.
الموت الآتي من الشّمال
ومما يثير القلق أيضاً أن تأتي حالة الطوارئ المناخيّة هذه تزامناً مع أزمة طاقة متفاقمة نتيجة انقطاع إمدادات الغاز والنفط من روسيا.
وكان الأوروبيّون قد نفذوا إلى الآن ست جولات من العقوبات والإجراءات العقابيّة المتعجلة ضد الكرملين، إثر الهجوم الروسيّ على أوكرانيا تسببت في تعطيل عمليات الإمداد بشكل كبير قبل توفر حلول بديلة كافية.
وستلجأ حكومات الاتحاد الأوروبي الآن لتعويض النقص إلى التراجع عن سياساتها السابقة بهدف التقليل من استخدام الفحم في توليد الكهرباء، وكذلك إحياء خطط استخدام الطاقة النووية، رغم الحوادث المؤسفة في الذاكرة الحديثة من تشيرنوبل وفوكوشيما، وبالتالي ضمناً التخلّي عن أهداف الانبعاثات الكربونيّة التي تعهدت بها الحكومات الغربيّة في قمة باريس للمناخ.
وهذا بالضرورة، ستكون آثاره المستقبليّة سلباً على الكوكب برّمته لا على ذوي البشرة البيضاء، الذين لا يشبهوننا وحدهم، حيث سيأخذنا السادة الأوروبيّون في إطار بحثهم لحلول آنيّة لمشاكلهم نحو «النقطة حيث ستسقط أمّنا الأرض البشرية كجلد قديم، وتتخلص منا جميعاً» – على ما يقوله فرانس تيمرمانز، أكبر مسؤول بيئي في الاتحاد الأوروبي، وهم أصلاً بحكم مساهماتهم البارزة تلك في إطلاق الانبعاثات الكربونيّة مع شريكهم الأمريكي الشمالي كانوا وراء تعظيم أزمة الاحتباس الحراري من حيث المبدأ.
إن صيفهم الحار هذا، ما لم يتداركوا أمورهم عاجلاً، سيكون نذير شؤم لنا جميعاً.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن