أوروبا والحرب الروسية الأوكرانية: بين لهيب التهديد النووي والصقيع الشتوي

محمد نون
حجم الخط
0

صارت اللغة النووية متداولة بين روسيا وحلف شمالي الأطلسي «الناتو» ما يثير المزيد من القلق في أوروبا نظرا لكونها تقف في قلب معادلة الربح والخسارة في الحرب الروسية على أوكرانيا.
ورغم استبعاد الرئيس الأمريكي جو بايدن والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ قيام روسيا باستخدام السلاح النووي إلا أن شبح هذا التهديد سيطر بشكل واسع على مواقف الدول الغربية التي قالت إنها ستراقب بدقة المناورات النووية التي تعتزم روسيا القيام بها. ورأى ستولتنبرغ أن الخطاب النووي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو «خطاب غير مسؤول ونأخذه بجدية».
ثم أضاف القول «أن استخدام سلاح نووي ولو كان صغيرا (تكتيكيا) فإنه سيكون أمرا خطرا جدا وسيغير بشكل جذري طبيعة الحرب في أوكرانيا».
هذا التغير لم تتوضح طبيعته لكن ما ظهر في موقف مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بشأن طبيعة الرد الغربي يظهر استبعاد أن يكون الرد نوويا بل هو «رد عسكري قوي يصل إلى درجة تدمير الجيش الروسي» كما قال بوريل .
وفي ذات الوقت تعهد الحلفاء الغربيون بمواصلة دعم أوكرانيا عسكريا واقتصاديا وذلك بعد اجتماع لهم في بروكسل شارك فيه وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي يوم الخميس الماضي.
وبعد الهجمات الروسية الواسعة على عدد من المدن الأوكرانية بما فيها كييف العاصمة إثر حادثة تفجير الجسر الواصل بين جزيرة القرم والأراضي الروسية، فإن أوروبا اتجهت نحو تقديم مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا ومنها صواريخ ألمانية نوعية.
وقْعُ تلك الهجمات الصاروخية الروسية على البنية التحتية الأوكرانية كان حاضرا بقوة في الاجتماع، لذلك جاء التعهد بتسليم منظومات دفاع جوي متطورة للجيش الأوكراني في الأسابيع المقبلة بعدما بدت الحاجة الأوكرانية ملحة جدا، إذ أن الجيش الأوكراني يفتقد لتسعين في المئة من حاجته للمنظومات الجوية ولا يملك منها سوى 10 في المئة وفقا لما أعلنه الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في كلمة له أمام الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي.
وبدت الهجمات بالصواريخ والمسيرات الروسية ضد المدن الأوكرانية وكأنها رسالة تهديد لأوروبا نفسها لذلك اتفق وزراء دفاع الأطلسي على تعزيز ما يسمى درع الفضاء الأوروبي في الوقت الذي تعتبر فيه موسكو أن أوروبا ومعها حلف شمالي الاطلسي إنما يقاتلون فعليا إلى جانب أوكرانيا عبر إمدادها بسلاح نوعي يتم عبره استهداف الجيش الروسي.
هذه التهمة حاول نفيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقوله إننا نساعد أوكرانيا للدفاع عن أراضيها في مواجهة الغزو الروسي وليس لمهاجمة روسيا.
ولا يبدو أن أوروبا قادرة ومعها الحلف الأطلسي على ضم أوكرانيا إلى عضوية الحلف لأن ذلك سيؤدي بشكل تلقائي إلى تفعيل المادة الخامسة من نظامه وهي مادة تعتبر الاعتداء على أي عضو منه هو اعتداء على الحلف كله، وهذا ما تحذر منه موسكو وتقول إن انضمام أوكرانيا إلى الحلف قد يؤدي إلى إندلاع حرب عالمية ثالثة ستكون كارثية على العالم كما يراها الرئيس فلاديمير بوتين.
البعد الآخر الذي يثير قلق أوروبا هو عدم معرفة الأفق الزمني للحرب الروسية في أوكرانيا ولا الكيفية التي ستنتهي بها تلك الحرب، ومدى تأثير ذلك على وحدة وصلابة الموقف الأوروبي الذي تتنازعه مشاكل داخلية واستحقاقات كبيرة على المستوى الاقتصادي والمعيشي.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يغير موقفه من الحرب وهو قال بشكل واضح في اجتماع قمة أستانة بكازاخستان يوم الجمعة إنه «غير نادم على الحرب في أوكرانيا».
كذلك يعرف بوتين جيدا أن ما يقلق أوروبا أيضا هو سلاح آخر داهم يضاف إلى التهديد النووي الروسي وهو سلاح البرد القارس في ظل عدم تأمين البدائل الكافية عن الغاز الروسي الخاضع للحظر ولعمليات تخريب طالت أنابيبه الواصلة بين روسيا وأوروبا ومنها خط نورد ستريم.
ولم تجد نفعا الاتهامات المتبادلة الروسية – الغربية بشأن الجهة التي نفذت عملا تخريبيا أصاب الأنبوب بأضرار أدت إلى تسرب يرجح أنه نجم عن تفجير استهدفه في بحر البلطيق.
ولا يبدو أن الأيام القادمة ستحمل أخبارا سارة لأوروبا في مجال الطاقة الروسية بعد أن استبعد الرئيس الروسي قرب إعادة تشغيل خط نورد ستريم 2 الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا.
وقال بوتين إن السلطات الألمانية أعطت الأولوية لمصالحها ومصالح الناتو على حساب الوضع الاقتصادي والاجتماعي للألمان.
ويأتي موقف بوتين ردا على موقف المستشار الألماني أولاف شولتس الذي اتهم بوتين بشن ما أسماها حربا صليبية ضد الغرب والديمقراطية الليبرالية والنظام الدولي والحرية والتقدم.
وحمل شولتز على روسيا ووصفها بأنها ليست شريكا يمكن الوثوق به في قطاع الطاقة.
وتجهد أوروبا للإسراع في تنويع مصادر الطاقة بديلا عن شرائها من روسيا ولذا هناك سعي أوروبي مع كل الجزائر وقطر بهذا الصدد، لكن المشكلة تكمن في ضيق الوقت والتزامات الأطراف المصدرة للغاز بعقود مسبقة مع زبائن آخرين.
ويحاول رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال حث الجزائر على تصدير المزيد من الغاز إلى أوروبا، علما أن الجزائر باتت تعتبر المصدر الأول للغاز إلى إيطاليا بعد الحرب الروسية في أوكرانيا بعدما زادت الكميات المصدرة بنسبة 113 في المئة خلال هذا العام، كما أن الجزائر تمد أوروبا بما نسبته 11 في المئة من احتياجاتها من الغاز بينما كانت روسيا تمد أوروبا بـ40 في المئة قبل الحرب.
وتراهن أوروبا أيضا على استيراد الغاز من شرق البحر الأبيض المتوسط بعدما تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من إنجاز اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عبر مفاوضات غير مباشرة، علما أن استخراج الغاز من الحقول اللبنانية يستغرق وقتا قد يمتد لثلاث سنوات.
وهناك مشكلة قد تواجه الدول الأوروبية فيما بينها هذا العام إذ أن بعض الدول الكبيرة مثل ألمانيا وفرنسا كانت أعلنت عن تجهيز مخزوناتها لفصل الشتاء بكميات كافية حتى الآن، وعلى سبيل المثال تقول فرنسا إن مخزوناتها صارت معبئة بنسبة 90 في المئة بينما قالت ألمانيا إن مخزوناتها وصلت إلى 85 في المئة.
والإشكالية هنا تكمن في أن كثيرا من الدول الأوروبية الأخرى قد لا تستطيع تأمين معظم حاجياتها من الغاز البديل عن الغاز الروسي وخاصة عند قلة العرض وارتفاع الطلب بما يؤدي إلى ارتفاع جنوني للأسعار ويزيد الضغط على كاهل المواطن الأوروبي.
وهنا لا تستبعد مصادر أوروبية عديدة أن تتعرض وحدة الموقف الأوروبي للاهتزاز كما قالت سابقا صحيفة «نيويورك تايمز» وهو أمر لم يستبعده الرئيس الأمريكي جو بايدن في حديثه مؤخرا إلى محطة «سي إن إن» الأمريكية.
وقد يؤدي ذلك أيضا إلى اعتماد طرق التفافية لاستيراد الغاز الروسي ذاته لكن عبر وسطاء مثل تركيا التي رحبت عبر رئيسها رجب طيب اردوغان باقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإقامة مخزن ضخم للغاز الروسي على أراضيها ثم القيام بإعادة بيعه إلى أوروبا بما يضمن استمرار تدفق الكميات المطلوبة منه إلى السوق والتحكم أيضا بأسعاره. وترفض روسيا قرارا اتخذته دول مجموعة السبع وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لوضع سقف لأسعار الطاقة وخاصة الغاز الروسي.
وفي حال نجاح التعاون الروسي التركي في ايصال الغاز الروسي إلى أوروبا بهذه الطريقة فإن ذلك سيعني تقويضا للعقوبات الأمريكية والغربية الهادفة إلى تقليص الايرادات الروسية من الغاز.
ومن هنا فإن البحث الأوروبي عن البدائل قد يستلزم تغييرا لدى بعض دول الاتحاد الأوروبي في مواقفها السياسية من الحرب الروسية على أوكرانيا، والدفع نحو التفاوض للوصول إلى حل سلمي. ودون ذلك عقبات كثيرة بينها إعلان روسيا ضم أربع مقاطعات أوكرانية هي زابوروجيا، وخيرسون، ودونيتسك ولوغانسك إثر استفتاء نظمته فيها مؤخرا، إضافة إلى ضمها لجزيرة القرم عام 2014 .
التغيير في الموقف الأوروبي قد يأتي أيضا بسبب تنامي الشعور في بعض الدول الأوروبية بضرورة تأمين مصالحها الذاتية على ما عداها من أطر العمل الجماعي وخاصة في الفضاء الأوروبي، وهو ما تجسد في أبرز صوره بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لتنفك من القيود الأوروبية الاقتصادية والقانونية، وكذلك ما تشهده بعض الدول الأوروبية من تنامي دور الأحزاب القومية على غرار ما أفرزته نتائج الانتخابات في السويد وإيطاليا وما هو حاصل في فرنسا أيضا.
ويعزز تلك الوقائع اشتداد أزمة التضخم والتحذير من أن يشهد الاقتصاد العالمي ركودا كبيرا يساهم في زيادة التنافس بين الدول الحليفة وغير الحليفة لحماية نفسها ومصالحها الذاتية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية